الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 293 الرجوع إلى "الرسالة"

هوميروس

Share

كان هوميروس يخفض الآلهة إلى مراتب الناس فيجعل لهم من الغرائز الدنيا مثل ما للناس ، ثم برفع الناس إلى مراتب الآلهة فيجعل لهم من الفضائل ما ليس ينبني إلا للا لهة ، او ما ليس يتوفر إلا للآلهة

وعجيب أن تتخذ آلهة هو مميروس مثلها العليا من البشر الذين خلقتهم بأيديها ، لأن هوميروس - على ما يبدو فى ملاحمه - لا يرى الحياة الدائية النشيطة المفعمة بالغرائز المتضاربة ، إلا فى محيطها المرنى المعترف به الذى يتكون منا نحن البشر . . ولكى تتم الصورة الشعرية التى هى روح ملاههه ، والتى تفوق بها على ضريبه هيود ، تراه يلجأ إلى الأساطير يلون بها فصوله ، وليثير بغرابتها اشتياق سامعيه ، وليجدد فيهم الحماسة التى هى أولى غايات الملاحم . لذلك تراه يعقد مجالس الالهة للتشاور فيما ينبغي ان تكون الوسيلة لنصرة فلان أو لخذلان فلان ، فإذا اجتمع شمل الأولب فلا بأس أن تثور الحفاظ بين أرباب وأرباب وبين ربات وربات ، ولا بأس أن يعبر أحد الآلهة فلكان إله النار بما وقع بين زوجه فينوس وبين مارس إله الحرب من خطيئة وفسوق . ولا بأس أن يدس هرمز أنفه فى الموضوع فيصرح أن مارس معذور جد معذور فيما حدث له من الصبوة إلى فينوس ، وانه أول من يشتهي أن يكون الذى وقع لمارس كان قد وقع له .

وليس يرى هوميروس بأسا فى أن ينزل الآلهة فى معمعان الحرب ينافحون عن الأبطال الذين ينتمون إليهم . ففي الكتاب العشرين من الإلياذة يستأذن الآلهة سيد الأولمب فينقسمون فريقين ، فتكون هيرا ومينرفا وهرمز وفلكان فى صفوف الإغريق ، وينحاز ايلو ومارس ودييانا وفينوس إلى صفوف الطرواديين . . فإذا ثار النقع ، واضطرمت الحرب ، والتقي اخيل

وهكتور ( الكتاب العشرين ) وقعقعا بالسلاح ، واوشك هكتور ان يظفر يبطل ابطال اليونان عند ما يسقط رمحه . . تتقدم مينرفا فجأة وعلى عجل فتأخذ الرمح من فوق الأرض وتناوله لأخيل فتنقذه من قتلة لم يكن فيها شك ولا عنها متحول . . وهى تفعل مثل ذلك فى الكتاب الثاني والعشرين فتنقذ اخيل وتمهد له بذلك فيقتل هيكتور . . ومع أن مينرفا هى ربة الحكمة فى الميثولوجيا اليونانية فهووس فى هذا الموقف ينحط بها إلى اسفل مراتب الإنسان لأنها تكون سببا فى قتل رجل عظيم مثل هكتور يدافع عن وطنه ويدود عن حمى بلاده . . وهى لا تتسبب فى قتله فقط بل تحرمه فرصة نادرة أوشك أن يبطش فيها بأخيل

وليها فعلت كما صنع بيتيون فى الكتاب العشرين حينما انقذ إينياس من رمح اخيل مرتين حتى لا يغضب زيوس كبير الآلهة على بطل الإغريق ( ١ )

هوميروس بزخرف الإلياذة بمثل تلك الاساطير ليقطع تسلسل المعارك ، وليتقى سأم السامعين ، ولييجدد حماستهم ، وهو فى ذلك استاذ ارباب المسرح من امثال شاكيير وموليير . . وهو لا تعييه حيلة فى اختراع ما يخفف وطأة الحزن إذا استعرت نيرانه فى قلوب الناس حوله ، فلا بأس عنده إذن من ان يترك جدث بتروكلوس ويقيم حفلا اولبيا للالعاب يشترك فيه ابطال الحرب فينافس بعضهم بعضا فيتسابقون ويتلا كون ويصطرعون ويقذفون القرص ويرمون الطوق ويحملون الاثقال ويسابقون على الخيل . وتكون حفلة باهرة كاجن ما شهد العالم الحديث فى أولمبياد برلين . . ثم ينهض أخيل المحزون المرزا ، فى إثر كل مباراة ، فيوزع الجوائز السنية على الفائزين ( الكتاب الثالث والعشرين )

وقارئ الإلياذة يتولاه العجب وتأخذه الدهشة لبراعة هوميروس الاعمى فى الوصف . . فكاس نسطور فى الكتاب الحادى عشر ، ودرع هكتور فى الكتاب السادس ، والنقوش الأخاذة التى حفرت فى درع أخيل ، والستر الأزرق الجميل فى قصر أللكينوس ، وشروق الشمس وغروبها ، وتكاتف الضباب ، والنقع المثار فوق المعمعة . . كل هذه آيات من الوصف الدقيق الذي يشهد لهوميروس بملكة فنية قوية تتجلى فى اكثر أبحاء

منظومته ، وتربك المترجم خاصة ( ١ ) حتى يستعصى عليه أن يساير هوميروس ، ملك الشعراء ، الذى تراه فيما ينظم مصورا ورساما وفائد جيوش وإلها وسحابا وبرقا ورعدا وحدادا ثم جزارا وشواء ثم راها وواعظا وما شئت من فنون الحياة التى لا حصر لها .

لقد يتهم الإنسان لغته وهو يترجم هوميروس . فهو لا يدري كيف ينقل كلامه وهو يصف الرجل يتل الشاة ثم يذبحها ثم يسلخها ثم (يوضيها ! ) ثم يشعل النار ثم يؤجها ثم ينثر فيها من اعواد الند والرتد والصنددل ثم يلقى فيها بالقراميد تم يقطع اللحم ثم ينتشر القتار ( رائحة اللحم المشوى ). . ثم.....ثم

حقا إن فى كتب فقه اللغة ما يعين المترجم على كل هذا ، لكن المترجم يغازل الذوق العام للقراء وهو ينقل آثار الاعاجم ، وهو إذا قسا على هذا الذوق اعرض عنه ، ولم يلتفت إليه ، وذوق القراء عندنا ذوق كسول لا يجب ان ترهق بما حشد فى كتب فقه اللغة ، لان اكثر ما فى هذه الكتب حوشى وقد هجر استعماله ، والمترجم لا يستعمله إلا إذا ضاقت به الحيل ، ولم يستطع ان ينحت من الكلمات الحديثة السائغة ما ينزل بردا وسلاما على القراء .

وبعد فأى الملحمتين اثرت فى نهضة الادب السرحي اليونانى أكثر من الأخرى ، الإلياذة ، أم الأوديسة ؟

لقد أشرنا إلى ما قيل من أن هوميروس قد نظم الإلياذة للرجل ، كما نظم الأودية للمرأة . الإلياذة التى تفيض بذكر الحروب ووصف المامع ومقادير الأبطال فى أولئك جميعا ، والأودية التى هى قضية زوجة وفية غاب عنها زوجها حتى ظن انه غير آيب وحتى طمع فيها كل طامع ، لانها تفردت بين نساء زمانها بالحسن الذى لا يغيره مرور الايام ولا ينال منه تطاول الزمان

نظم هوميروس الإلياذة لتكون مثالا للرجال يحتذونه إذ ينبغي أن يكون الرجال شجعانا . ينبغي أن تثور فيهم النخوة إذا تعرض رجل بذل مثل باريس لامراة احد منهم بسوء فيقوموا كرجل واحد ويجتمعوا من كل حدب وصوب ليردعوا من نالهم

بالأذى فى أعراضهم ، ولو شبوها ضراما ، وصلوها أعواما . . ونظم هوميروس الأودية للنساء مثالا رائعا من الوفاء يحتذيته . إذ ينبني ان يكون النساء وفيات لازواجهن فلا يفرطن فى اعراضهن ، ولا يستسلمن للمقادير إذا عارضت شرفهن . لقد غاب اودسيوس زمنا طويلا ، واجتمع عشاق ينلوب فى قصره يراودون زوجه ويا كلون زاده ونهينون ولده ، ومع ذاك فلم تضعف ينلوب ، بل احتالت للطاغين العتاة ، وصابرت ، وضربت بعضهم ببعض حتى اب زوجها فخضد شوكنتهم واستأصل شأفتهم

فالإلياذة خشنة كخشونة الرجال ، والأودية لطيفة رقيقة فيها كثير جدا من رقة النساء . . وهى رقة جعلت صمويل بطلر الاديب الاجليزى العظيم يؤمن بأن هوميروس لم ينظم الاودية ولم يعرفها ولا تمت إليه بسبب ، وبانها من نظم فتاة من جزيرة صقلية استطاعت ان تدرس هوميروس والميثولوجيا اليونانية دراسة هادئة ثم فرغت لنظم الاودية فأتمت عملها فى سهولة وفى يسر ، واخرجت هذه الدرة الفريدة التى تسمو فى كثير من فصولها إلى ذروة الإلياذة

لشد ما يدهش المرء لهذه الفكرة الغريبة التى قذف بها منطق بطلر ! إن كثيرا من القرائن يؤيد هذا الرأى ، بيد أننا لا نميل كثيرا إلى الأخذ به لان الأخذ به شرود خطير مبالغ فيه عن حيز الأدب اليونانى القديم ، وقليل من الاستقراء فى المآسى التى ألفت بعد هوميروس تهدم رأى بطلر وآراء الذين تشككوا فى صحة نسبة الأودية إلى هوميروس ، فثلاثية إسخيلوس ( الأورستيه ) مثلا والتى تتركب من مآسيه أجامنون وحاملات الكئوس والأبومينيدز قد أشير إليها فى الأودية ( الكتاب الحادى عشر ) إذ يقص أوديسيوس على الكينوس الملك رحلته إلى هيدز ( الدار الآخرة ) وما تحدث إليه به الكاهن تيرزياس عن أوبة أجاممنون ، وما حدث له من الفيلة على يدى زوجته كليتمنترا وعشيقها إيجستوس ثم ما كان من ثار الفتى اودست لأبيه وقتله أمه . . الخ

فهذه الثلاثية التى أخذها إسخيلوس من الاودية وقدمها للمسرح تنقض وحدها دعوى الأديب بطلر ، لان الفتاة الصقلية التى يزعم أنها نظمت الأودية لم تكن قد وجدت بعد

وقد جاء سوفوكلس فوضع مسرحيات كثيرة معظمها مفقود بكل أسف متخذا موضوعاتها من صميم الاودية ، ومما وصل إلينا من أسمائها تلك المسرحية الجميلة المسماة توزيكا ، وقد اخذ فكرتها من الكتاب السادس ، وهى المسرحية التى يروى ان سوفوكلس نفسه قد قام فيها بتمثيل دور الفتاة توزيكا ابنة الملك الكينوس حينما ذهبت إلى شاطئ البحر فى سرب من وصيفاتها تغسل أثواب عرسها وتنشرها فى الشمس فوق اغصان اشجار الغابة التى كان أوديسيوس مختبئا فيها بعد نجاته من الغرق

وهناك أدلة كثيرة تهدم ما رآه بطلر خطأ فى نسبة الأودية إلى مؤلف غير هوميروس ولم اعثر فى الكتب التى درست فيها ملك الشعراء من يوافق الاديب الانجليزى على وجهة نظره هذه

والذى يقرأ مآسى اليونانيين القديمة يلاحظ ان الشعراء قد عنوا بالإلياذة اكثر مما عنوا بالاودية ، فاخذوا من الاولى اضعاف ما اخذوا من الثانية . وقد لا يكون بعيدا ان إسخيلوس قد أخذ من الإلياذة ستين مأساة على أقل تقدير من الثمانين التى ألفها والتي قال فيها إمها فتات من موائد هوميروس الفنية . . وكذلك أخذ سوفوكلس مادة مآسيه فى أكثر ما وضع للمسرح

والإلياذة حقيقة بهذا الالتفات من شعراء اليوبان ، فهى النهر العظيم الجياش المتدفق الذي تفرعت منه الاودية والإلياذة الصغيرة والإلياذات الكثيرة التى الفها شعراء القرن الثالث قبل الميلاد فى كل من أثيتا والأسكندرية ، والتى لا نستطيع هنا ان يحصرها ، بل أن نتكلم عنها

ولبس من شك فى ان شخصية اخيل هي ابرع شخصيات الالياذة . ولا غرو ، فقد سمى هوميروس إلياذه " قصيدة غضب أخيل ! وروح أخيل هي كهرباء الحماسة فى الإلياذة من اولها إلى آخرها

انظر إليه وقد ذهبت به أمه إلى نهر الخلود تغطه (1) فيه حتى لا ينفذ فى جسمه رمح ولا سهم من رماح الحرب او سهامها لان الماء هذا النهر ذاك الفعل العجيب ! وانظر إليه كيف يبتل جسمه كله ما عدا عقبه . . ثم يكبر اخيل ويشب ويصبح بطل ابطال

اليونان ، ثم تكون حروب طروادة فيمضى إليها بخيله ورجله ، ويقتل الأبطال الصناديد ، ثم يصوب إليه باريس سهما من سهامه يقر فى العقب التى تبتل بماء نهر الخلود فيكون فيه حتفه

وانظر إليه يختلف ، واجامنون من اجل الجارية برييسيز التى هوبها أخيل وعلقها قلبه فيرفض أن يغشي المعركة ، ويعتزلها وجنوده المبرميدون ، فتدور بذلك الدائرة على جيوش اليونان ولا يغنيها أن يكون فى صفوفها الابطال المغاوير اودسيوس وأجاكس وديوميدز ومن إليهم . وانظر إليه يكلمه يتروكلوس فى نصرة بني جلدته حين يعز عليه ان يصطلمهم ابطال طروادة فيأذن له ، ويضفي عليه درعه العظيمة التى ذهبت امه فصنئها له عند فلكان الحداد . . ويذهب بتروكلوس فيكسر ششوكة الطرواديين ويصبهم القرح على يديه وأيدى المبرميدون جنود اخيل .

وانظر إلى أجامنون يعتذر إليه ويرد عليه برييز ويقسم له أنه لم يطمها ولم يمسها بسوء . وانظر إلى اخيل لا يفي ولايلين ولا ينهض لحرب الطرواديين ، فيغضب الآلهة ويسخط ارباب الأولمب ويخرق الشرائع وقوانين الأخلاق ، فتكون النتيجة أن يقتل يتروكلوس الحبيب العزيز

وانظر إلى أخيل كيف تسود الدنيا فى عينيه حزنا على بتروكلوس فيمضى إلى الممعة فيبصرع أبطال طروادة ويجول فيها ويصمول ويزار ويزمجر ويطويها كالعاصفة . . ثم انظر إليه يظفر بهكتور قاتل يتروكلوس فيصرعه ويجره خلف عربته ويدور حول طروادة غير موقر قدس الموت ولا حافل بتقاليد السماء

ثم قف عند أروع مناظر الإلياذة جميعا : يريام الحزين ! والد هكتور ؛ هذا الرجل المحطم يمضى وحده إلى أخيل باكيا ضارعا متوسلا ، يرجو الرجل الذى قتل أولاده فى أن يدع له جتمان هكتور ليشفي بالبكاء عليه جوى نفسه ، وليطئ بتحريقه السعير المضطرم بين جوامحه ، فيعصف الحزن بأخيل العظيم ، ويعانق الرجل العظيم ، ويتبادلان البكاء ، ثم يأذن له ببدن ولده .

هنا نبل هوميروس ، وهنا إنسانيته وسموه ، وهنا فرق ما بينه وبين قصاصينا الذين يشتركون مع سامعيهم فى السخط على بطل

الناحية الثانية

برح الخلفاء منذ ألقى الأستاذ ماكس مولر Max Muller محاضرته بكتيسة وسمنستر يوم الشفاعة للجماعات التبشيرية فى ديسمبر سنة ١٨٧٣ . وأسفر الموقف عن أن الديانات الست العالمية العظيمة يمكن تقسيمها إلى تبشيرية وغير تبشيرية . فالنوع الثاني تنضوى تحت لوائه اليهودية والبراهمية والزرادشتية . ويضم النوع الأول البوذية والمسيحية . والإسلام . ولقد حدد الأستاذ فى وضوح ما اصطلح على تسميتها ) ديانة تبشيرية ( فقال : إن معناها أن يكون نشرها وإدخال الكفار فيها قد سما إلى مرتبة الواجب القدس فى نظر منشئ الديانة او خلفائه الأولين . إنها روح اليقين فى نفوس المؤمنين لا يقر قرارها حتى تنبعث فكرة فقولا فعملا ، ولا ترضى وتطمئن حتى تبلغ رسالتها إلى كل نفس إنسانية ، وحتى يؤمن بما آمنت به أفراد البشرية جميعا ) ١ (

اشترك في نشرتنا البريدية