كانت بزنه غالية الثمن ولكنها قذرة . . وقميصه حريريا ولكنه مغير . . ورباط رقبته ثمينا ولكنه يشاطر القميص لفيرارا . وهكذا بدت عليه مظاهر البؤس ، ولو شاء لبدت مظاهر النعمة . أطال الحديث عن نفسه وعن يأسه وسأمه ، ولم يتكلم عن ماله او موارده . . ولما كن اعرفه من قبل فهو صديق لرفيقي ، ولم يحاول الرفيق أن يعرفني به وبين جهل المتكلم وبين سقم الموضوع وطوله تسرب الملل إلي نفسي ، وكدت ان اقوم لولا أن أنفذنا صديق المتكلم ناداه وأخذه لبعض شأنه . . قال رفيقي :
- من تظن ذلك الرجل ؟ . - أظنه رجلا فقيرا ينعم عليه بعض الأغنياء بملبسه أو نقوده! - بل إنه غني لورام لعاش في سعة ، ولكنه . . كما ترى .
كنت أتوقع أن يكون ذلك الرجل أي شئ إلا أن يكون غنيا ، وما كنت بحاجة إلي التساهل قال رفيقي : إن هذا الرجل لا يطيق أن يجد نفسه سعيدا ، فهو يلتمس لنفسه اسباب الشقاء . وإذا حاولت أن تجلو نظرته هذه أبي واستمسك بأهداب التعاسة متشبثا . لا يعرف ولا يحاول ان يعرف معنى للسعادة ، فإذا مر أمامه طيف لها تنكره وتنكر له ، وإن فيه لعبقرية تقلب السعادة بؤسا .
يصعب عليك يإصاحبي أن تحدد معني السعادة . وإني لتحضرني في بضعة أبيات متناثرة من قصيدة للاستاذ إيليا أبي ماضي يقول فيها :
قلت السعادة في الغني فرددتي
وزعمت أنت البؤس في ظل الغنى
ورأيت في ظل المني تمثالها
ورأيت أنت البؤس في ظل المني
وأقول إني مؤمن بوجودها
فتقول ما أحراك ألا تؤمنا
وأقول سر سوف يعلن في نمد
فتقول لا سر هناك ولا هنا
ياصاحبي هذا حوار باطل
لا أنت أدركت الصواب ولا أنا
وإنبي لا أري هذا الكلام حقا و . .
- كفي ياصاحبي . فما قيمة الاستشهاد بالشعر وانت تستطيع أن تجد في الشعر البرهان على كل رأي ونقيضه ؟ ! - إن رأيي أن السعادة لا يمكن أن نضع لها تعريفا محدودا . فكثير أولئك الذين لا يشعرون بها ، امثال صديقك هذا ، وكثير أولئك الذين يتمتعون بها ولايدرون لهذا سببا ولنادري نحن ايضا لسعادتهم مبررا فغالبا ما يكونون فقراء تصيبهم من الحياة كسرة يتبلغون بها . ومع ذلك فهم سعداء . . وقد نجد اغنياء يرون سعادتهم في جمع المال . نظنهم نحن أشقياء وهم يحسبون أنفسهم سعداء ؛ وهكذا ياسيدي لكل فرد سعادته التي يجعلها مقياسا للسعادة عند كل الناس . فالفقير السعيد يعتبرك شقيا لانك غني ، والبخيل السعيد يعتبرك سفيها شقيا إذا دعوت صديغك لمنزلك . فهل يمكنك ان تضع تعريفا للسعادة والحال علي ما تري من اختلاف المقاييس
- كل مايهم المرء ان يكون سعيدا فحسب . ولا يهمه بعد ذلك اعتبره القوم سعيدا أم لا ؛ فالفقير السعيد ... سعيد مهما اعتبرته أنت بائسا . والبخيل سعيد مهما عده الناس شقيا ، وكل قانع بسعادته . . والسعادة الحقة لا تكون باعتقاد الناس بل باقتناع النفس بها . فانت إذا شعرت بالسعادة كنت سعيدا . وصديق هذا بائس لأنه لا يحاول إشعار نفسه بالسعادة . بل لعله سعيد ببؤسه . فإنك لتراه يتهلل وتنفرج أساريره إذا اقتنع أحدهم بشقائه
فالسعادة إذا هي أن تشعر بها دون أن يحد هذا الشعور رأي الناس . وقد سمعت لبخيل في فلسفة في البخل يخادع بها نفسه ، فهو يقول : " إن الناس يحسبوني يخيلا ، وهذا حسبان خاطئ . فالبخيل هو الذي تشتهي نفسه
الشئ ولا يفعله ، أما أنا فنفسي لا تشتهي شيئا ، فأنا لست بخيلا . وهذه كما ترى مغالطة ، ولكنه يحاول أن يشعر نفسه بالسعادة عن سببها فهو سعيد . فأشعر بالسعادة تكن سعيدا
- وهل في يدى ان اشعر نفسي بالسعادة ؟ وكيف يكون ذلك إذا كان الشقاء مائلا أمام عيني ؟ إني أراك ترصف القاعدة وكانك مشرع . . لا تثق بنفسك إلى هذا الحد وتفكر فيما أنت قائل
- إنما الشقاء والسعادة وهمان ، في مقدورك ان تمحو أحدهما لتتوهم الآخر ، وإن كنت قوي الإرادة فالأمر طائع بين يديك تختار منه الذي تشاء ، وما إخالك مختارا لنفسك الشقاء . عز علي أن أهزم مرة ثانية فتسللت في سرعة .

