تشهد مصر كدولة محاربة ، لأول مرة في هذه الحرب مؤتمر الامم المتحدة الذي سيعقد في مدينة سان فرنسيسكو بامريكا في الخامس والعشرين من شهر إيربل الجاري للنظر في إعداد دستور الهيئة الدولية المستقبلة التي ستعنى بالسهر على سلام العالم وأمنه ، وبذا يتاح لمصر أن تشترك مع باقي الدول المتحدة في العمل على تنظيم السلم المستقبل .
وسيكون أساس البحث في مؤتمر سان فرنسيسكو المشروع الذي وضعته الدول الديمقراطية الكبرى . بريطانيا وأمريكا وروسيا والصين - في مؤتمر " دميرتون أوكس " بواشنطون بين ٢١ أغسطس و ٧ أكتوبر الماضيين . ومن المعروف أن هذا المشروع يقوم على إنشاء هيئة دولية جديدة تحل مكان عصبة الأمم القديمة وترمي إلي نفس الغايات التي أريد ان تعمل لها عصبة الأمم ، وتتلخص
في السهر على إقامة العدالة الدولية ومنع الحرب كأداة السياسة القومية . ولكن الفشل المؤلم الذي لقيته عصبة جنيف في تحقيق مهمتها يحمل الأمم المتحدة على أن تلتمس لتحقيق هذه الأمنية العظيمة وسائل أنجح وأشد أثرا .
وتسمى الهيئة الدولية الجديدة في دستورها " بالأمم المتحدة " وقد حددت أغراضها تحديدا واضحا على النحو الآبي :
١ - أن تسهر على صون السلام الدولي والأمن الدولي ، وأن تتخذ لتحقيق هذه الغاية الإجراءات المشتركة الفعالة لمنع ما يهدد السلم ، والقضاء على أعمال العدوان او غيرها مما يكدر السلم ، وان تعمل بالوسائل السلمية على تسوية المنازعات الدولية التي يمكن ان تؤدي إلى تعكير السلم
٢ - أن تعمل على تقوية أواصر المودة بين الأمم وأن تتخذ الوسائل المناسبة الأخرى لتقوية دعائم السلم العالمي .
٣ - أن تعمل على تحقيق التعاون الدولي في حل المسائل الدولية الاقتصادية والاجتماعية وغيرها من المسائل الإنسانية .
٤ - أن تغدو مركزا لتنسيق أعمال الأمم في سبيل تحقيق هذه الغاية المشتركة .
وهذه الأغراض التي يراد أن تعمل لها الهيئة الدولية المستقبلة لا تخرج في مجموعها عما نص عليه في دستور عصبة الأمم القديمة ، وهو أنها تعمل لمنع الحروب في المستقبل ، وذلك بإقامة العلائق بين الأمم على أساس العدالة والشرف وتنمية التعاون المادي والعقلي بين الأمم
ولا ريب أن اتحاد الأغراض التي ترمي إليها الهيئتان القديمة والجديدة يرجع إلى اتحاد البواعث والظروف ؛ فقد كانت عصبة الأمم القديمة ثمرة الحرب العالمية الأولى ، نبتت فكرتها في عمر الخطر الداهم الذي شعرت جماعة الأمم أنه يهدد كيانها واستقلالها . واليوم يعيد التاريخ نفسه فتشعر جماعة الأمم الديمقراطية خلال الحرب العالمية الثانية بنفس الخطر علي حياتها وحرياتها أشد وأروع مما كان في الحرب الماضية ، وهو يصدر عن نفس المصدر أعني نزعة الاعتداء الالماني . وترى الأمم المتحدة وهي اليوم على وشك إحراز النصر ، ان هذا النصر لا يكفي لتحقيق السلم الدائم الذي تطمح إليه ، ما لم تتخذ لحمايته ضمانات ووسائل فعالة مشتركة تحول دون تكرار الاعتداء في المستقبل .
وهيئة " الأمم المتحدة التي اقترح انشاؤها في " دمبرتون اوكس ، هي إحدي هذه الضمانات ، بل ربما كانت أهمها جميعا ، ولهذا عنيت الأمم المتحدة ان تكون الاداة الدولية الجديدة التى ستقوم على حماية السلم في المستقبل أكثر مقدرة وكفاية على تأدية مهمتها الخطيرة مما كانت عليه عصبة الأمم القديمة ، وان تزود بالقوي المادية التي
تمكنها من تنفيذ قراراتها رغم كل معارضة أو مقاومة
وهذا التباين في الروح والاتجاه بين عصبة الأمم القديمة وبين عصبة الامم الجديدة يبدو على الأخص في أمرين : الأول أن العصبة الجديدة ليست مثل العصبة القديمة عامة أو مثلية في اتجاهاتها ، والثاني انها تصطبغ بصبغة عملية واضحة
فأما من حيث الاتجاه ، فإن اسم الهيئة الجديدة وهو " الأمم المتحدة " يتم عن نزعتها الدولية الخاصة ، فهي ليست كالعصبة القديمة تمنح حق الانضمام إلى سائر الدول المستقلة ، ولكنها بالعكس تحدد نوع الدول التي تسمح بقبولها بأنها الدول " المحبة للسلم " . وكانت روسيا وهي من خصوم العصبة القديمة تري ان ينص على حرمان كل دولة تعتنق أو تبث مبادئ التفرقة الجنسية اوالدينية أو القومية أو تعتنق المبادئ الفاشية ، من دخول الهيئة الجديدة . ولكن رؤي في النهاية أن صفة الأمم " المحبة للسلم " تجب كل صفة اخري غير مرغوب فيها . والأمر في قبول أعضاء العصبة الجديدة الذين ينطبق عليهم هذا الوصف موكول إلي مجلس العصبة والجمعية العمومية ؛ وفي وسع الجمعية أن تقبل الأعضاء الجدد أو ان تقصيهم ، ولكن باقتراح المجلس وإشارته . ويلاحظ في هذا الصدد أن دستور الهيئة الجديدة مستقل بذاته ، وان يلحق بمعاهدات الصلح كما حدث لدستور عصبة الأمم
وسيقوم هيكل العصبة الجديدة على خمس هيئات : أولها وأهمها " مجلس الأمن " ، ويتألف من ممثلي إحدي عشرة دولة من أعضاء العصبة ، منها خمس دول يحتل ممثلوها كراسيهم بصفة دائمة ، وهي بريطانيا العظمي وامريكا واتحاد جمهوريات السوفييت والصين وفرنسا في الوقت المناسب . والدول الست الأخرى تختارها الجمعية العمومية لمدة عامين ولا يجوز اعادة انتخابها بطريق التوالى ، ويجري التصويت في مجلس الأمن على الصورة التي أقرها مؤتمر القرم ، وهي
أن قراراته في مسائل الإجراءات تصدر بموافقة أغلبية سبعة أصوات . وفي المسائل الأخرى تصدر أيضا بموافقة سبعة أصوات بما فيها أصوات الأعضاء الدائمين . ويضطلع " مجلس الأمن " بمهمة الاشراف على صون السلام الدولي والأمن الدولي ؛ وذلك بالنيابة عن العصبة ، وطبقا للدستور ، ويتعهد أعضاء العصبة جميعا بقبول قرارات هذا المجلس وتنفيذها . وللمجلس أن يفحص أي نزاع دولي يخشى منه على السلم . ويحق لأي دولة أن تعرض عليه مثل هذا النزاع سواء أكانت من أعضاء العصبة أم لا ويطلب إلي الدول المتنازعة أن تسوي نزاعها بالوسائل السلمية ، فاذا أخفقت هذه الوسائل تولى المجلس الأمر بنفسه . وله عند الضرورة أن يلجأ إلى وسائل الإرغام إذا لم تنجح الوسائل الدبلوماسية ، وله في هذه الحال أن يلجأ إلي الأعمال الحربية ، سواء بالبر أو البحر أو الجو ، أو أن يقوم بتنظيم المظاهرات الحربية والحصار وغيرها . ويلحق بالمجلس تحقيقا لهذا الغرض " لجنة عسكرية " تؤلف من رؤساء أركان حرب الأعضاء الدائمين ؛ وتقدم كل دولة من الدول المنضمة إلى العصبة طبقا لاتفاق معين ، القوات المسلحة والتسهيلات العسكرية اللازمة ؛ وهكذا يغدو مجلس الأمن أداة قديرة ، تستطيع عند الضرورة أن تتخذ لصون السلم وسائل ناجعة سريعة الأثر .
والهيئة الثانية هي " الجمعية العمومية " وهي تتألف من ممثلي جميع اعضاء العصبة ، وتجتمع مرة في العام
ولها أن تبحث في المبادئ العامة وأن تتقدم برغباتها إلي المجلس ، ولكن ليس لها أن تتدخل في المسائل التي يتناولها المجلس ( مجلس الأمن ) بالبحث . واملفروض انها فيما يتعلق بمسائل الأمن ، تفوض النظر في شأنها إلى المجلس بالنيابة عن سائر الأعضاء ومن الواضح أن واضعي دستور الهيئة الدولية الجديدة أرادوا الحد من اختصاصات الجممية العمومية حتى لا تعرقل بتدخلها ومناقشاتها الطويلة
أعمال المجلس ، كما كان يحدث في عصبة الامم ، ويلاحظ أنه بينما يتاح للجمعية العمومية ان تجتمع مرة واحدة في العام ، فإن المجلس يعتبر دائم الانعقاد في أي مكان على يد سفراء الدول الممثلة فيه .
والهيئة الثالثة هي " محكمة العدل الدولية " وهي الهيئة القضائية لعصبة الامم الجديدة ، ويكون إنشاؤها بقتضي لائحة تلحق بدستور العصبة . ولا مانع ان تكون هذه اللائحة هي لائحة محكمة العدل الدولية الدائمة معدلة ، أو أن توضع لائحة جديدة ، ويعتبر اعضاء العصبة بنص القانون من الموقعين على لائحة المحكمة الدولية .
وأما الهيئة الرابعة فهي " السكرترية " وعلى رأسها " سكرتير عام " يناط به الإشراف على الأعمال الإدارية الخاصة بالعصبة ، ويختاره مجلس الأمن ، ويحضر في جميع الجلسات العامة لمجلس الأمن والمجلس الاقتصادي والمجلس الاجتماعي ، ومن حقه ان يلفت نظر مجلس الأمن إلي أي عمل أو أية حالة يخشى منها على السلام العام .
وبلحق بالعصبة الجديدة أيضا مجلس للشئون الاقتصادية ومجلس للشئون الاجتماعية ، تفوض إليهما الجمعية العمومية النظر في هذه الشئون ، ويختص كل منهما في دائرته بالنظر في الشئون الاقتصادية والاجتماعية التى من شأمها أن تقوي أواصر التعاون والتضامن بين الأمم ، وان تعاون في تقدم الإنسانية ورفاهيتها .
تلك هي عناصر الصرح الدولي الجديد الذي تفاهمت الأمم المتحدة على إنشائه ليشرف على السلام العالي في المستقبل ، والذي سيتخذ صورته النهائية في المؤتمر القادم
وإنه ان سبق القول أن تحاول التحدث عما يرجي لمثل هذا المشروع الضخم من نجاح أو ما قد يصادفه من فشل . بيد أننا نستطيع منذ الآن ان نلمس في المشروع الجديد محاولة واضحة لتلافي أوجه النقص التي اظهرتها التجارب في دستور عصبة الأمم القديمة ، ولاسيما ما تعلق منها بناحية السرعة في العمل والمقدرة على التنفيذ او الالتجاء
إلى وسائل الارغام الفعالة
وقد كانت عصبة الأمم القديمة من الناحية النظرية على الأقل تأخذ بأبعد مبادئ المساواة والديقراطية ، سواء في طرق الانضام أو تشكيل المجلس أو الجمعية العمومية
ولكن هيئة " الأمم المتحدة " تمتاز بتركيز قوي في السلطة والتصرف ، فهي منذ الآن تحتفظ للأمم المتحدة الكبرى الأربع أو الخمس بالكراسي الدائمة ، ويعني ذلك أن الأمم المتحدة أو الدول الكبرى ستغدو صاحبة الكلمة الأولى في تسيير الأداة الدولية الجديدة وإذا ذكرنا أن فرنسا لن تستعيد مركزها الدولي القديم قبل فترة طويلة ، وأن الصين لا تزال أمة ممزقة ، فإن الدول الثلاث الكبرى - بريطانيا العظمي وأمريكا وروسيا - هي التي ستأخذ في الواقع في هذا التوجيه بأعظم قسط . وقد كان هذا الوضع مثار الاعتراض من بعض الدول المتحالفة الصغري ، مثل بولونيا وهولندة والبلجيك . وقد قيل في ذلك بأن هذا الامتياز طبيعي للدول الثلاث الكبرى ، فهي التي ساهمت في كسب الحرب بأعظم نصيب ، واحتملت أعظم التضحيات ؛ وهي التي ستحتفظ في عالم الغد بأعظم قسط من القوى العسكرية ، ومن حقها وهي تضطلع بأعظم المسئوليات أن تحتفظ بأعظم قسط من السلطان والتوجيه على أن ذلك لن يتخذ بأي حال صورة دكتاتورية يخشى من عواقبها .
وهذا ما بسطته " التيمس " بوضوح غداة مؤتمر موسكو ، إذ قالت في تعليقها على قرار إنشاء عصبة الأمم الجديدة :
" إن عصبة الأمم المستقبلة لا يمكن أن يكون لها سوي اساس واحد فهي لا يمكن ان تتجاهل حقائق القوة ، ولا يسعها أن تطبق نظرية المساواة في السيادة بين الدول إلى حد الاعتراف لكل عضو بمفرده بحق التصويت الحر . ولا نستطيع أن نتصور أية هيئة عالمية بعد الحرب تستطيع ان تؤدي مهمتها إذا لم تتمتع
بالتأييد المطلق من الدول الثلاث التي اجتمعت في موسكو . كما اننا لانستطيع أن نتوقع لها الفشل إذا تمتعت مثل هذا التأييد " .
والحقيقة أن كل شئ في تنفيذ مشروع عصبة الأم الجديدة واستقرار السلم المستقبل يتوقف ، اولا علي اتحاد الدول الثلاث الكبرى ، اعني بربطانيا وأمريكا وروسيا . وثانيا على ما يرجي من ان تقوم العصبة الجديدة بتنفيذ مباديء العدالة الدولية بروح الإنصاف والحق ، واحترام ارادة الأمم في تقرير مصايرها وتحقيق أمانيها المشروعة . وهذا الاتحاد في التوجيه والعمل بين الدول الثلاث هو أكبر ضمانة للسلم المستقبل
ومن الصعب أن تغدو عصبة الأمم الجديدة هيئة قديرة مسموعة الرأي والكلمة إذا وهنت دعانم هذا الاتحاد ، كما انه ليس من المعقول أن تفكر امريكا هذه المرة في ترك حلفائها والتخلي عن القيام بدورها في السياسة العالمية والأرتداد إلي هزائمها القديمة كما فعلت في الحرب الكبرى ؛ فهي تخوض اليوم إلى جانب حلفائها الصراع المشترك لرد الخطر المشترك ، وقد امتزجت المخاطر والآلام والأمال هذه المرة بصورة لم يسبق لها مثيل . ولابد لامربكا على أي حال أن تبقى إلي جانب حلفائها حتى تصفي جميع المشاكل العالمية المترتبة على الحرب ، وحتى يستقر سلام العالم على أسس وطيدة الدعائم
ومن جهة أخرى فانه لابد للعصبة الجديدة أن تحظى بتأييد سائر الأمم وثقتها لكي تستطيع أن تؤدي مهمتها الكبرى بنجاح ، ولابد لها لاكتساب هذا التأييد وهذه الثقة أن تسير في أعمالها بروح جديد وان تقيم الأدلة العملية على تمسكها بمبادئ الحق والعدالة الدولية . وقد كان من أهم أسباب فشل عصبة الأمم القديمة أنها لم تحظ بمثل هذه الثقة لما كان يطبع تصرففاتها من اتجاهات خاصة تجانب روح العدالة المنشودة

