الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 119الرجوع إلى "الثقافة"

هينريش بارت، رحالة جريء موفق

Share

في الناس أفراد تختارهم الأقدار للمهام الجسام ، فيمضون لا يلوون ، ويندفعون إلي الغاية غير مدافعين ، وقد اوردنا في بعض اعداد الثقافة مثالا آخر من الناس ، ونورد اليوم هذا المثال إنه ليس من الذين يخفقون مع الحيطة والحذر ، أو ينجحون مع الصراحة وقصر النظر ، فرجلنا هذه المرة بين بين ، مقدام جسور  والرسالة البشرية التي تتحقق بالغريزة وتزجيها النواميس الطبيعية والدوافع الخفية ، تتحقق أيضا بالمغامرة والأقدام والغاية تكون آنا في صندوق مقفل فتدرك بالحيلة ، وتكون حينا نصب العين فتكون دونها أهوال

وقد خرج رحالتنا هذه المرة مغامرا مقداما ، متعرضا للمخاطر ، يترصده الموت في خطاه. فكيف كان ذلك ؟ كان ان القي الصدفة والحظ في بعض عدوانه فاستمسك بهما وحالفاه . الخط الذي خان هورنيمان وبوركارت ، فاجلهما الموت ولما يدركا غرضهما كله ، والحظ الذي وافي غيرهما فأنجاه من الاخطار . ووضع في يمينه الفوز الذي كان يستبعده أحيانا لكنه كان في كل حال يرتجية

ذلك هيتريش بارت   heterich barth أول مرتاد حقيقي لصحراء الأفريقية الكبرى sahara وأول متوغل فيها إلي السودان . ولم تكن كل عدة هيتريش بارت " حظأ " ولم تكن كل بضاعته " صدفة " فقد كان استعداده للبحث كبيرا ، وكانت موهبته في الارتياد غير عادية ، فلم يقطع الفيافي إلي بورنو borno  فحسب ، ولم يحقق الغرض الذي وضعته الجمعية الأفريقية المدنية

منذ تأسيسها نصب عينيها وحده ، بل وفق ايضا إلي ارتياد المنطقة المحيطة ببحيرة " تشاد " في مواضع عدة ، وكان أول اوربي عاد حيا من زيارة لنموكو مدينة الصحراء المحذوفة بالأسرار

والفضل يذكر لاصحابه وبعض الفضل فيما أحرز هيتريش بارت يرجع إلي رجل لم يكن نفسه مكتشفا ، ولا خرج يوما للارتياد ، بل كان حافزا ومشجعا ؛ يرجع إلى الدكتور بينترمان    petterman الجغرافي واضع الخرائط الذي ساهم بقسط كبير في نهضة الاستكشاف في القرن التاسع عشر . وقد كان همه منصبا على المناطق القطبية والأفريقية الداخلية ، فلم يسافر احد من الأوربيين إلي أفريقيا في عصره إلا اتصل به( بيترمان ) ، وأثبت نتائج رحلته في خريطة متقنة إذا كانت مما تفيد علم تقويم البلدان .

وكان بيترمان نفادة يحسن اختيار من يخدمون أغراضه العلمية ، فلم تسافر بعثة إلى القطب الشمالي أو إلي أفريقيا في أواسط القرن الماضي إلا كانت له يد في تأليفها وتوجيهها ولعل الفضل في أن تاريخ الا كتشاف قد خلد في القرن التاسع عشر من أسماء الألمان أكثر مما خلد في سالف الزمان لعل هذا الفضل يرجع إلى بيترمان نفسه

فقد كان وثيق الصلات بإنجلتره ، راعية الكشف والأرتياد في ذلك الاوان ، فاقام فيها طويلا ، ونجح في إشراك عالم الماني في البعثة الانجليزية الى تألفت في سنة ١٨٤٩ برياسة الانجليزي ريتشارد صن richerdson  للعمل على إلغاء الرقيق ، وإنشاء علاقات تجارية بأواسط أفريقيا . والعلاقات التجارية هي الباب الذي يدخل منه الاستعمار ولا يخرج ، وقد لا يدرك فاتحوه الغاية التى لها يعملون ، وقد تكون عقيدتهم انهم يعملون لوجه الله والإنسانية والعلم ، فلا يمنع هذا الاعتقاد الا يكون عملهم خالصا لوجه الله والانسانية والعلم .

ونعود إلي هيتريش بارت فنقول : إنه أ الماني درس الفلسفة في الأصل ، لكنه ولع بعلم تقويم البلدان ، فاستمع إلي محاضرات للعالم الألماني والجغرافي الشهير كارل ريتر karl retter، وجال حول البحر الأبيض التوسط ثلاث سنوات ، مر في خلالها بفرنسا واسبانيا وشمال أفريقيا وسينا وفلسطين وسوريا وأسيا الصغري وبلاد اليونان فلا عجب ان يختاره بيترمان للاشتراك في بعثة ريتشارد صن ؟ وقد ابتهج بارت بإنضمامه إلي تلك البعثة ، ولم يخفقه المصير المحزن الذي لقيه غيره ممن تقدموه ، ومنهم من ذكرنا في أعداد الثقافة ، ومنهم من لم نذكر ابتهج بارت بهذا الانضمام إلي البعثة والاشتراك في مهمتها ؛ ولو علم أنه سيقضي فيها خمس سنوات مليئة بالمتاعب الجسام لفكر على قول الغربين مرتين قبل أن ينضم . وقد تعاقب الموت على رفاقه فاختطفهم واحدا واحدا ، وكان هو الوحيد الذي بقي ليعود إلي وطن الانجليز ثم إلي وطنه بنصيب الأسد .

فقد قضى ريتشاردصن  ضحية الجهد ، وقضي الدكتور أوفرويج وهو الماني آخر فريسة الحمي ، وذهب ثالث هو الدكتور فوجل يفتش عن بارت فوجده ثم اختفي هو ولم يستعده وطنه بعد ذلك ، ا ذ قتله بعض الأهالي في (واداي ) . وقد حمل بارت على كاملة عبء البعثة بعد موت رئيسها ، فاصطبغت البعثة بالصبغة الالمانية بعد الإنجليزية . لكن " بارت ، كان ينشئ صلاته بأمراء الزنوج باسم انجلتره ، فظلت أثارها انجليزية . وقد ساهمت الجمعية الجغرافية البرليفية ، وساهم ملت بروسيا أنذ في إغاثه  بارت وبعثته ، فكان لآلمانيا نصيبها فيما أصبح للبعثة من فضل .

بقيت تلك الصورة الفريدة المليئة بالأهوال ، التى تمثل من حيات هيتريش بارت خمس سنين طوالا . فقد كانت المتاعب التي تعرض لها الرحالة في أسفاره - وهو بعد لا يتجاوز التاسعة والعشرين متعددة الجوانب والوجوه .

وإن نفس لا نفس المناخ ، ذلك الهول إلاكبر الذي أوردنا صورة منه في بعض فصولنا السابقة ، عن حرارة الشمس المحرقة والعطش في فصل الجفاف ، وعن الرطوبة وخطر الحمي في فصل الأمطار أضف إلي هذه الخحاطر تجهم الأهالي الدائم ، وحميتهم الدينية ، وكراهيتهم للسياح اللأوربيين دخول بلادهم ، والأطلاع على الخافي من احوالهم  وقد كانت هناك قبائل ومشايخ قبائل رحبوا بالغريب وأكرموا مثواه ؛ لكن السواد الأعظم في تلك الأصفاع كان يحس بسليقته أنه ليس من وراء هذا الاكرام خير .

وقد كانت البعثة تحمل من الهدايا والبضاعة والأموال الشئ الكثير ؛ وكانت تتلقي في الطريق من هنا وهناك ما يعينها على أغراضها ، لكن كثيرها كان يقل تباعا ، وكانت تتعرض من هذا لشتى الاخطار . ومن يبسط يده مرة يصعب عليه قبضها بعد ذاك ، ومن يأخذ مرة لا ينفك عن طلب المزيد .

على هذه الحالة المعقدة خرجت البعثة ، فكانت في مرحلتها الأولى مؤلفة من ثلاثة من الأوربيين هم ريتشارد صن ، واوفرويج ، وبارت ، يقفون معا ، ويتحدون الاخطار معا . وقد خرجوا من طرابلس في سنة١٨٥٠                   قاصدين إلي مرزوق عاصمة غزان المذكورة في فصلنا السابق ، ليتوجهوا إلى الصحراء الكبرى . فانظر كيف كانت فاتحة الاخطار : فقد كاد بارت يذهب ضحية للصحراء وهو في مستهل رحلته ، إذ حمله حب الكشف والاستقراء على معاينة أثر بعيد من الطريق كما فعل هورنيمان من قبل في سيوه ، فقصد إليه ومعه زق ماء ، ثم لم يلبث مع خداع الطريق ووعورته وبعد شقته من القافلة أن أدرك انه لن تسه العودة وهو على حاله من الجهد والعطش :

" لقد تلفت من حولي وجلا ، منهوكا ، ساخطا ، فلم أقع للقافلة على أثر . وعلى الرغم من أنه لم يكن معي ما يقيني اشعة الشمس فقد اضطررت إلي الاستلقاء في

موضعي المرتفع ، لكن الراحة في غير ظل بتفيأ ومن غير زاد بتبلغ به كانت عزيزة ، وعلي مابي من ضعف لم يكن في متناولي ولا قطعة خبز جاف اقضمها او تمرة ازدردها . وكان ما معي من الماء قليلا يثير قلقي ، فلم يسعني إلا ان أرطب حلقي بجرعة يسيرة منه

" وهالني ما خطر لي من أن تعتقد جماعتي الصغيرة إنى سبقتها فتستأنف السير عند الظهر ، فاعتزمت على شدة ما القي ان ابلغ المخيم . وكان الحر شديدا ، والمطش قد نال مني ، فأفرغت ما تبقي في الترق في جوفي دفعة واحدة ، وكان الأوان ظهرا ، فلم البث أن استبنت اناء وحده لا يجديني نفعا ،

وحاول بارت أن يدل القافلة على مكانه بأطلاق مسدسه ، لكن أحدا لم يستجب لطلقاته لان أحدا لم يسمعها . قال :

" فخانتني قواي جميعا ، وارتميت على الأرض أنتظر القافلة ، ثم نهضت أتلفت فخذلتني قدماي ، ومالت الشمس إلى المغيب . وكان لابد لي من مأوي ابيت فيه ، فترددت بين كوخ وشجرة كانت تداعبني عن كثب ، وتلوح كنازحة البئر لمخيلتي العادية . فاخترت الشجرة لأنها كانت فوق مرتفع من الأرض ، وجعلت أجر نفسي إليها جرا . وكان في عزمي ان اوقد  نارا لعلها تنفع في إرشاد القوم إلي ، لكنه حتى القدرة على جمع شئ من الحطب كانت تنقصني ، فتداعيت ، وأحسست بالحمي تستحوذ علي ، فارتميت فاقد الوعي تقريبا "

ولمح الرحالة في الوادى نارا عظيمة ، فحاول أن يستغيث باطلاق مسدسه

" وانصت واصخت يسمي طويلا ، لكن السكون ظل مخيما . ولم يكن سوى اللهيب المندلع يدلني على الغوث البعيد ، وانتظرت طويلا ، وأطلت الانتظار ، وأطلقت مسدسي كرة اخري . لا جواب فارتميت ثانية واستسلمت لمصيري . ولم يكن النوم مما يفكر فيه ، فقد كنت

مرهقا ترعي جوانبي الحمي ، فرقدت انتظر اليوم التالي نصف متلهف ، نصف وجل

" وأشرقت الغزالة وكنت أتلهف على شروقها ، فلما طلعت ملئت من طلوعها رعبا . ذلك أن حرارتها المتزايدة كانت تزيد حالتي سوءا . وقد لبثت أزحف تارة هنا وتارة هناك ، لأستبدل بموضعي الذي انحسر عنه الظل موضعا ظليلا . وعند الظهيرة اختفي الظل الباقي ، ولم يرحم رأسي الذي أحرقته الحمى . وكان ألمي من العطش لا يوصف ، مع أني كنت أمتص دمي ، وأخيرا فقدت رشدي في بحر من الأحلام والهذيان ، فلما عاودني كانت الشمس قد توارت خلف الجبال ، فاستجمعت قواي ، وزحفت مبتعدا عن ظل الشجرة العارية الأغصان وألقيت على السهل نظرة وأهنة كدرة ، فسك سمى بغتة هدير بعير ، فنهضت عن الأرض قليلا ، فرأيت أحد مرافقينا يمر بي من قريب ، وهو يتلفت حائرا يبحث يمنة ويسرة ، وكان قد رأي آثار قدمي في الرمل ، فلما انقطعت هذه الآثار فوق الأرض الحجرية حار في أمري لا يعلم اين متجهي . وفتحت شفتى الجافتين ، وصحت بصوتي الضعيف : أطلب ماء ، وكم أبهجني أن سمعت الجواب المرموق . وما هي إلا لحظات حتى كان منقذي بجانبي يغسل رأسي ويرشه بالماء وبعد أن أنعشنى على هذه الصورة محاذرا ، قدم إلي جرعة ماء ، ثم احتملني إلي بعيره ومضي بي إلي الخيام.."

وتوغلت البعثة في الصحراء ، ودخلت مناطق جديدة لم تطأها من قبل قدم غريب ، وكما توغلت زاد الخطر عليها من عداء الأهالي . وفي ذات يوم انضم إلى القافلة اناس اثاروا شبهتها وتوجست منهم شرا ، وسرعان ما اعلن هؤلاء الضيفان انهم ينتوون قتل المسيحيين الثلاثة . قال بارت :

" وقد لبثت أنا وأوفروج     overweg على رغم مسيرنا

الذي لم ينقطع طوال النهار ساهرين على الحراسة طيلة الليل . وعلى ما كان يتهدد مركزنا من خطر لم احجم عن التجوال فيما حولنا انعم بالمناظر المحيطة وبينما انا على هذه الحال إذا  (يديدي) احد الرفاق المشتبه فيهم يباغتني من الخلف يريد أن يطرحنى أرضا . فلما لم يفز من مباغتته يطائل قبض من الخلف على مسدسي ليمنعني بهذا من استعمالهما ، فدرت دورة افلتتني من ذراعيه ، وتيقن أن ليس ما يطلبه عندي :

" وما كان أعظم فزعنا حين لم نجد جمالنا في الصباح الباكر ، فلما طلع النهار رأينا ضيوف الليلة الفائتة رابضين فوق ربوة صخرية إلى الجنوب ، وقد انسلوا إليها قبل منتصف الليل، فهبطوا فوق دوابهم العالية الضامرة إلى السهل ودعوا رؤوس القافلة إلى التشاور " .

واستعدت البعثة لدفع الأذي وأشرعت الأسنة فوق البنادق وانتظرت نتيجة المفاوضة . وانتهى الامر بأن أخذ العدو مبلغا من المال وأكد للبعثة بعد مؤاكلتها أنه لن يصيبها اذى حتى تبلغ " تنستللوست ، واستأنفت القافلة المسير تحاذر ما قد يكون وراء الصخور والآكام من خطر جديد . وكان الأفق ينذر بالشر، وبأن العاصفة قد تهب في كل وقت .

ودانت موضعا يمكن أن تحط عنده ، وأملت أن ترتاح فيه من وعثاء السفر ؛ لكن دليل القافلة ينحرف بغتة عن المكان المنشود ، وتتبعه القافلة في صمت مريب ، وكأنها عدمت كل إرادة وشعور . فتبين للبعثة انها بازاء محنة جديدة تختلف عن سابقتها ، ولاحظت ان القوم يخفون أمرا يجثوه .

لقد كان الموت منهم قاب قوسين أو أدنى ، فهم يطالبون بالدخول في الإسلام او يقتلون ، وهم مصممون على الدفاع عن انفسهم حتى آخر رمق . على انه سرعان ما سوى الأمر ودفع الفدية ، ونجا الثلاثة وتابعت القافلة السير

ولم تكن هذه المحنة آخر متاعب الطريق ، فان الطبيعة تأبي إلا ان يكون لها ايضا دورها . وقد كان هذه الرة سيلا عرما  تفتحت به قرب السماء فعم السهل والحزن ، واغرق المتاع ، ومرغ الخيام في الوحل ، واضطرت القافلة إلي الارتحال عن الموضع المنكوب . وإذ كانت العجلة من الشيطان كبا الجملان اللذان كان يمتيطهما بارت واوفروج ، والقياهما في الماء . وكان التيار جارفا فلقيا منه الامرين ، وخرج بارت من سقطته حافي القدمين مقتديأ نفسه بالحذاء

وبلغ المسافرون آخر الأمر " تيفتلوست " وفي سنة ١٨٥١ وصلا إلى " دامرجو " وهنا افترفوا ، وتواعدوا على اللقاء في " كوكو " عاصمة بورنو ليدخلوها من طرق متفرقة ، استجلاء للمجهول واستزادة من العلم . فالي اللقاء في " كوكو " .

اشترك في نشرتنا البريدية