هينى ودون كيشوت

Share
هينى ودون كيشوت

يروى عن ملك فرنسا المتعاظم الفخم لويس الرابع عشر أنه سأل مرة أحد رجال بلاطه قائلا " أتعرف اللغة الإسبانية ؟ " فأجابه الرجل " لا يا مولاى ، ولكنى سأشرع فى تعلمها " وأقبل الرجل على دراسة اللغة الإسبانية لأنه ظن أن الملك يريد اختياره سفيرا فى البلاط الإسبانى ، وبعد فترة من الزمن قال الرجل مخاطبا الملك " مولاى لقد تعلمت اللغة الإسبانية " فأجابه الملك " حسن جدًا ، إنك تستطيع الآن قراءة دون كيشوت فى لغتها الأصلية ! " .

ورواية دون كيشوت التى أشار إليها هذا الملك المتأدب ونوه بها طرفة من طرائف الأدب العالمى الخالدة ، وأعظم الآثار الأدبية التى أخرجها الأدب الإسبانى ، وقد ظفر هذا الكتاب بالشهرة الواسعة المترامية وارتفع إلى المكانة السامية بين الكتب الأدبية المأثورة فى حياة مؤلفه ، وترجم إلى جميع اللغات الأوربية ، وأصبح عنوان الأدب الإسبانى وممثله بين الأمم .

وشخصية دون كيشوت من الشخصيات المحبوبة التى تعطف عليها وتؤثرها لنبل غايته وسلامة طويته . وقد تضحكنا حماقاته وأوهامه وتسرنا سخافاته واندفاعاته ، ولكنه ضحك يتخلله تساقط الدموع ، وسرور يشوبه الأسى والحزن ؛ وقد جرب مؤلف الكتاب - سرفاتنيز - الفقر والحرمان ، وتجثم الصعاب ، وركب الأهوال ، واستهدف للأخطار ، وعرف السجن والتشريد ، وعانى الجوع والجروح ومن هذه التجارب الأليمة المرة أفاد هذا الفهم للحياة النفاذ الهادىء الساخر ، وهذا الفهم النافذ الساخر هو أساس هذه القصة الممتعة النادرة .

ورواية دون كيشوت من أشجى قصص المخاطرات فى التاريخ العالمى ، وتبرز فيها شخصيتان قائمتان ، وهما شخصية دون كيشوت وشخصية تابعه سانكوبانزا ، وهذان الرجلان يسحراننا لأن فى كل منا جانبًا من دون كيشوت وجانبا من سانكوبانزا ، وكل منا مزيج من الاثنين ، وبطبيعة الحال يتغلب فى أكثرنا جانب سانكوبازا على جانب دون كيشوت . ويكاد يخفيه ويمحوه ، وصوت سانكو الذى يدوى فى نفوسنا

هو سوت الحذر وطلب السلامة والجري وراء المصلحة واغتناء الفرص العارضة ، وأكثر الناس لا يحبون أن يكسر لهم ضلم من الأضلاع أو أن تنهال عليهم الطعنات والصفمات أو أن يسلب مازرت عليه جيوبهم ، وهو الصب الذي تدخر . الدنيا لأهل الشجاعة والإقدام والبطولة والصراحة الدين لا يقبلون أن ينحنوا للعاصفة ، ولا يرتضون أن يقبلوا اليد التي قد يعجزهم لقطعها ؛ بل أكثر الناس محشون السخرية والاستهزاء ، أكثر مما يخشون الفقر والحرمان وتكسير الضلوع وظلام السجن وقسوة الأغلال ، ولكن كلا منا مع ذلك في نفسه دون كيشوت الكبوت العتقل في طبائعنا ؛ وهذا الدون كبوت رهن المحابس والقيد بالأصفاد والأغلال بمعجب من وراء القضان بالنبل والشجاعة والإقدام على جلائل الأعمال ، ويكبر مواقف البطولة ومشاهد التضحية ، وقد يسخر الناس بدون كبوت ، ولا يكتفون بتركه يعاني مرارة الإخفاقي وآلام الجروح والطعنات ، ولكنهم مع ذلك محبون أن يلبوا دعوة دون كبوث ويستجيبوا لندائه ، ولكنهم يتبعون سانكوبائزا لأنهم يؤثرون الراحة وتجنب الأخطار . وعمشون أن يسخر بهم ، ويضحك منهم ، ويرموا بالجنون والهوس ، وهم برغم ذلك يظلون يضمرون الاعجاب لدون كبوثون عليه ، ويؤلهم مصابه ويشجهم مصرعه .

وقد قرأ هذا الكتاب الشاعر الألمانى هينريك هبنى فى أول نشأته ، فبلغ منه وأثر فى نفسه ، ويثير الكتاب الذين عنوا بدراسة حياة هينى إلى ثلاثة كتب كان لها فى نفسه أعمق الآثار وأبقاها ، وهذه الكتب الثلاثة هى رواية دون كيشوت والرحلة العاطفية لستيرن ورحلات جلفر لسويفت ؛ وقد حدثنا هينى نفسه عن الأثر الذى تركته فى نفسه رواية دون كيشوت فقال : " أول كتاب قرأته حينما أصبحت غلامًا ناشئًا يقوى على الفهم ويستطيع القراءة هو " حياة الفارس الأديب دون كيشوت ولامانشاو وأعماله ؛ الذى كتبه ميجويل سرفانتيز دسافيدرا ، وإن أنس من الأشياء لا أنس ذلك العهد

حينما تسللت بكرة من الدار أسترقى الخطى إلى ساحة الحديقة لأقرأ دون  كيشوت دون أن أستهدف للإزعاج . وكان اليوم من أيام شهر مايو الحسان ، كان الربيع الناضر يستدفى فى ضوء الصباح الصامت مصغيًا لإطراء هذه المتملقة العذب ، الهزار ، الذي كان يغنى فى رقة ولطاقة وفى حماسة مؤثرة جعلت أشد البراعم خفرًا تتفتح وتزدهر ، وجعلت الأشجار والأزهار تهتز من نشوة الطرب ، ولكنى جلست على مقعد حجرى قديم قد علاه الطحلب فيما يسمى " طريق التنهدات القريب من منحدر المياه ، وأخذت أغذو قلبى الصغير بمخاطرات الفارس الجرىء التى تهز النفس وتثير الخاطر . وجعلتنى براءة الطفولة آخذ كل شئ مأخذ الجد ؛ ومهما كانت النكبات التى كانت تصيب هذا البطل البائس مضحكة فإننى كنت أعتقد أنها يلزم أن تكون كذلك ، وكنت أتخيل أن السخرية بالإنسان والضحك منه جزء من البطولة مثل ما يصيب البطل من الجروح والطعنات ، وكانت السخرية به تثير غضبى كما كانت الجروح التى تصيبه تحزن قلبى ، كنت طفلا لا يعرف شيئًا عن السخرية التى بثها الله فى الدنيا والتى حاكاها الشاعر الكبير فى عالمه الصغير ، وبكيت بكاء ، مرًا حينما وجدت أن الفارس النبيل لم يجن سوى إنكار الجميل والضربات والطعنات ، ولما كنت حينذاك غير متدرب على القراءة لذلك كنت أنطق كل كلمة بصوت مرتفع ، وكانت الأطيار والأشجار والجداول والأزهار تسمع كل ما أقرأ ، ولما كانت هذه الكائنات البريئة مثل صغار الأطفال لا تعرف شيئًا عن سخرية الدنيا فهى كذلك أخذت المسألة مأخذ الجد ، وشاركتنى فى البكاء على أحزان الفارس المنكوب ، وبلغ التأثر بإحدى شجرات البلوط التى طال عليها الزمن إلى حد أنها نتجت وتحبت ، وهز منحدر المياه لحيته البيضاء هزًا عنيفًا ، وبدا لى أنه ينعى على الدنيا شرورها ، وشعرنا بأن بطولة الفارس ليست أقل استحقاقًا للإعجاب ، لأنه انسحب من الميدان ، وأنه إذا كان جسمه ضعيفًا هزيلًا وكان سلاحه قد علاه الصدأ ، وكان غرسه هجينًا حقيرًا فإن ذلك كله يجعل أعماله أخلق بالثناء وأجدر بالتقدير ، وازدرينا الغوغاء الذين أمعنوا فى ضربه وإيذائه بقسوة وحشية ، واحتقرنا احتقارًا أشد من ذلك هذا الصنف من الغوغاء الأسمى ، طبقة الذين كانوا يرفلون فى الحرير ويحملون الألقاب الضخمة ويسخرون بالرجل الذي كان أسمى منهم عقلًا وأنبل نفسًا ، وكنت كلما

مضيت فى قراءة الكتاب ازداد قدر فارس " دلشينا " ارتفاعًا فى نظرى وتزايد حبى له وتعلقى به ، ولبثت مثابرًا على ذلك أيامًا فى الحديقة نفسها ، فلما أقبل الخريف كنت قد وصلت إلى نهاية الكتاب . . ولست أنسى يوم قرأت عن الحركة المحزنة التى خرج منها البطل يجر أذيال الهزيمة الشائنة .

كان يوما عبوسًا ، وكانت السحب القاتمة تنساب فى سماء غبراء ، وكانت الأوراق الصفراء تتساقط من الأشجار فى حزن وأسى ، وكانت قطرات الدموع المثقلة معلقة على أخر الأزهار التى أمالت  رءوسها الصغيرة الميتة ، وكانت البلابل قد ماتت منذ زمن طويل ، وكانت صور الفناء تطالعنى من كل ركن ، وكان قلبى قد كاد يتصدع وأنا اقرأ كيف انطرح الفارس النبيل على الأرض مثخنًا بالجراح مهشم الأضلاع . وقد أخذ يقول فى صوت خافت واهن كأنه مقبل من القبر : " دلشينا هى أجمل فتاة فى العالم ، وليس من اللائق أن يبطل هذا الحق ضعفى - فاطعن برمحك يا سيدى الفارس " .

فوا أسفاه ! لقد كان هذا الفارس اللامع فارس القمر الفضى الذى هزم أشجع رجل وأنبل رجل عرفته الدنيا ، كان هذا الفارس حلاقًا متنكرًا ! .

لقد كان ذلك منذ عهد عهيد ، ولقد ازدهرت منذ ذلك العهد أربعة كثيرة ، ولكن كان ينقصها جميعًا أقوى أسباب فتنتها وجمالها ، لأننى أصبحت وا أسفاه لا أؤمن بخداع الهزار الذى يتملق الربيع ويطربه ، وإنى لأعلم أنه سرعان ما تذهب بشاشته وفى كل مكان أري فناء متنكرًا مستخفيًا .

ويرغم ذلك ما يزال قويًا فى صدرى ذلك الحب المشتعل الذى تسامى على الأرض فى حرارته وحماسته وبلغ السماء وتنقل في أنحائها الشاسعة مرحًا طروبًا ، ولما رأى النجوم فاترة غير حافلة به ارتد إلى الأرض الصغيرة واضطر إلى أن يعترف فى حسرة وانتصار أن أجمل ما فى الخليقة كلها وأحسنه هو قلب الإنسان ، وهذا الحب هو الإلهام الذي يملأ شعاب نفسى وهو مقدس دائمًا سواء أحسن الصنيع أو أساءه . ولذا لم تذهب سدى الدموع التى أراقها الغلام الناشئ على أحزان الفارس الأبله ، كما لم تذهب سدى الدموع التى أراقها فى شبابه خلال الليالى الكثيرة وهو يقرأ عن مصارع أبطال الحرية المقدسين ، آجيس ملك اسبارطه وكايوس وتابيرياس جراكاس فى روما ويسوع فى أورشليم وروبسبير وسانت جست فى باريس . والآن وقد تسربلت سربال الرجولة انقضي عهد

إراقة الدموع ، وأصبح لزامًا على أن أعمل عمل الرجال مقتديًا بقدوة أسلافى العظماء ، وإذا شاء الله فى المستقبل فسيريق الأطفال والشبان الدموع من أجلى ، وفى هذا العصر الذى فترت حماسته أستطيع الاعتماد على هؤلاء الأطفال والشبان لأن النسمات التى تهب عليهم من الكتب القديمة مازالت تستوقد حماستهم ، ومن ثم يستطيعون أن يفهموا القلوب المشتعلة فى العصر الحاضر ، والشباب يتجرد فى تفكيره ومشاعره من الأثرة ، ولذلك يشعر بالحق شعورًا عميقًا ، ولا يضن بعطفه الجرىء فى المواقف التى تستدعى العطف ، والمتقدمون فى السن يؤثرون أنفسهم وآفاقهم الفكرية ضيقة ، وهم يفكرون فيما يعود على رأس مالهم من الأرباح أكثر مما يفكرون فى مصلحة الإنسانية ، وهم يتركون زورقهم الصغير ينساب هادئًا فى مجرى الحياة ولا يحفلون قليلًا بالملاح الذى يصارع الأمواج فى البحر المكشوف الواسع أو يزحفون فى مثابرة وإصرار إلى أعالى منصب محافظة البلد أو رئاسة النادى الذى ينتسبون إليه ، ولا يعبأون بهؤلاء الشجعان الذين تقذف بهم العواصف من فوق أعمدة الشهرة ، ثم يتحدثون بعد ذلك عن ماضى شبابهم وكيف أنهم كذلك ركبوا فيه رؤوسهم ونطحوا الحائط ، ولكنهم هادنوا الحائط بعد ذلك وصالحوه لأنهم عرفوا أن الحائط هو المطلق ، وهذا المطلق قد وجد بنفسه ولنفسه ، وانه لما كان قد وجد فهو من ثم معقول ، والذي لا يحتمل هذا المطلق المعقول الذى لا مندوحة عنه يعد من غير العقلاء .

ثم يوجه هينى الكلام إلى عبيد المصلحة وأنصار الرجعية ودعاة الحكم المطلق فيقول : " ربما كنتم بعد كل شئ على حق ، وربما كنت أنا دون كيشوت وقد أحالت عقلى قراءة الكتب العجيبة كما أفسدت عقل فارس لا منشا . والحقيقة أن جنونى والأفكار الغالية على التى استنبطتها من الكتب تخالف كل المخالفة جنون فارس لامنشا والأفكار التى غلبت عليه ؟ فهو قد أراد أن يعيد عهد الفروسية الذى ذهب وانقضى ، أما أنا فعلى نقيض ذلك أريد أن أقضى على البقية الباقية من ذلك العهد ، ولذا فإننا نعمل بوجهتى نظر مختلفتين ، وقد كان زميلى يرى طواحين الهواء عمالقة ، وأنا على خلافه أرى عمالقة هذا العصر مجرد طواحين هواء

مزهوة متبجحة ؛ وكان يخال الحانات قلاعًا وساقة الحمير فرسانًا ومومسات الزراب من سيدات البلاط ، وأنا على عكسه أرى قلاعنا حانات وفرساننا ساقة حمير وسيدات بلاطنا مومسات زراب عاديات ؟ ولكنى مثل فارس لامنشا أوجه إليها الضربات والطعنات ؛ ومثل هذه الأفعال ، وا أسفاه ينوبنى منها مثل ما نابه ، وأنا مثله ألقى ما ألقى فى سبيل الدفاع عن شرف محبوبتى ، وإذا أنكرتها من الخوف أو بباعث حب الريح الوضيع فإنى حينذاك أستطيع أن أعيش عيشة راغدة فى هذا العالم القائم على العقل كما يعيش صغار العبيد ! ولكنى بدلًا من ذلك أخوض غمار معارك كل منها تكلفنى دماء القلب ، وقد تحسبون ذلك أوهامًا مثل أوهام دون كيشوت ، ولكن الآلام المتوهمة توجع كغيرها من الآلام " . ولكن هل كان هينى حقيقة مثل دون كيشوت مفتونًا بالمثل الأعلى ، مناضلًا من أجل الحرية ، ومجاهدًا فى سبيل تقدم الإنسانية ؟ أما هو فيقول نعم ، ويوصى قائلًا : " إننى لا أعلم هل استحق أن يوضع على كفنى يومًا ما إكليل الغار ، ولم يكن الشعر عندى - على حبى له - سوى لهو مقدس ، ولم أعلق قط أهمية كبيرة على الشهرة فى الشعر ، ولست أبالى أمدح الناس أشعارى أم عابوها ، ولكن ضعوا على كفنى سيفًا لأنى كنت جنديًا جريئًا فى حرب تحرير الإنسانية " .

أما الناقد الإنجليزي الكبير ماثيو أرنولد فإنه يرى فى هينى غير ما رآه هينى فى نفسه فيقول عنه : " لقد كان لهينى حظه الموفور من حب الشهرة ، وقد كان مثل سائر البشر يعنى بمدح الناس لأشعاره أو ذمهم لها ، ولم يكن سوى بطل صغير جدًا ، وسيزين الجيل القادم قبره برمز إكليل الغار لا بشارة السيف " ثم يتبع هذا الرأى بقوله : " لقد كانت له مكانته الملحوظة لأنه إن لم يكن قد تميز بالشجاعة فإنه كان مع ذلك جنديًا لامعًا قوى الأثر فى حرب تحرير الإنسانية " .

ولست أدرى هل انتقص أرنولد من بطولة هينى لأن هينى كان شديد الوطأة على الإنجليز أو أنها صراحة النقد وأمانته ، ودقة الوزن والتقدير ، وتحرى الصدق والصدع بالحق ؛ ومهما يكن من الأمر فإن مواهب هينى الأدبية وآثاره فى الاستنارة والتثقيف ، من وراء اختلاف الأفكار فى مواقفه السياسية وسلوكه الأخلاقى وفوق الريب والظنون .

اشترك في نشرتنا البريدية