من المعلوم أن ديستوفسكي خالف " العبيط " قد حكم عليه بالإعدام هو وعشرة من رفاقه الذين كانوا يميلون إلي الحرية المدنية والعدل الاجتماعي في عهد القيصر نيقولا الأول . وبينما هم في السجن أيقظهم الحراس في الصباح المبكر وقادتهم العربات إلي حيث لا يعلمون ، وإذا بهم في ساحة الإعدام حيث يتلي عليهم الحكم وبشد ثلاثة منهم إلي أعمدة الموت معصوبي الأعين وفصائل الجند من امامهم لإطلاق الرصاص وديستوقسكي ذاهل ينتظر دوره ومرت بالرجل دقائق ستقرأ اصداءها عما قريب . وفي اللحظة الأخيرة ثم تطلق النيران إذ عفا القيصر عن المتهمين واستبدل الحكم بالسجن أربعة أعوام في سيبيربا ثم التفي أعواما اخري بنفس تلك البلاد السحيقة المهلكه .
وإذا ذكرنا طبيعة ديستوفسكي المرضية وشدة احساسه استطعنا ان ندرك كيف ان هذه المحنة الخاطفة قد تركت في نفسه أعمق الآثار . لقد خلفت بها مثل وقع السيف المسموم ما إن تنكا ، حتى ينزف .
ومن عجب أن يجري الكاتب علي لسان العبيط أنقذ ما أوحت إليه تلك اللحظات من احساس . ولكن ألم نقل من قبل ان الأمير موتشكين لم يكن من العبط بحيث نظن ؟ لا . موتشكين ليس بعبيط ولديستوفسكي أن يسخر من العقول كما يشاء استمع إلي عبيطنا يحلل ما في الحكم الإعدام من فظاعة ( تصور مثلا رجلا بعذب . جسمه مغطى بالجراح . إن الألم الجسمي لن يلبث ان يذهله عن الألم النفسي حتى إن جروحه لتصبح إلي ان يموت عذابه الوحيد . ولكن اقسي أنواع العذاب وأعظمها ليس ما تولده الجراح وإنما هو اليقين من أنك بعد ساعة ثم
بعد عشر دقائق ثم بعد نصف دقيقة ثم بعد برهة واحدة ستطير روحك من جسدك وانك لن نعود إنسانا وان كل هذا شيء مؤكد هذا اليقين هو اشنع العذاب ... ليس هناك اي تناسب بين الإعدام وبين القتل الذي تكفر عنه تلك العقوبة . فأحدهما افظع من الآخر فظاعة لا نهاية لها . فالرجل الذي بذبحه اللصوص او ينحرونه بالليل ، في غاية ، أو علي أي نحو كان ، يحتفظ إلي اللحظة الإحيرة بالأمل في أن ينجو بالحياة . ولقد رأينا أناسا ، ينحورهم السكين ، ومع ذلك بأملون وبعدون ويتضرعون . واما هنا فهذه البقية من الأملي التي تلطف من الموت عشرات المرات ، تراهم يحرمونك منها حرمانا تاما .هناك حكم .
واليقين من أنك لن نقلت هو في ذاته العداب الذي ليس في العالم ما هو اقطع منه . ضع جنديا امام فوهة مدفع في معركة وأطلق المدفع تر انه لا يزال يأمل ، ولكن اقرا علي نفس الجندي الحكم عليه بالإعدام رء إما ان يصيبه الجنون وإما أن يأخذ في البكاء . من قال إن الطبيعة البشرية تستطيع ان تحتمل هذا دون ان تخر في الجنون ؟ اسم هذه القسوة التي لا فائدة فيها ؟ ربما كان هناك إنسان قري عليه الحكم بإعدامه ثم ترك برهة فريسة للرعب ليقال له بعد ذلك اذهب فقد عفي عنك ، أه ! هذا الرجل يستطيع أن يقص أحاسيسه . لقد تحدث المسيح نفسه عن هذا العذاب الأليم لا . إنه لا يجوز أن نسمح بأن يؤخذ كائن بشري بعذاب كهذا ؟ "
يحدثنا العبيط عن رجل مرت به تلك المحنة فاستطاع ان يقص احاسيسه ولكن ديستوفسكي كان ابعد خيالا واغني نفسا من ان يقف عند ما ابتلي . لقد عاد في موطلع آخر فحدثنا بلسان العبيط أيضا عن تنفيذ الحكم بالإعدام فعلا وسار " إلى اخر مراحله على نحو لا يغلن ان احدا قد داناه فيه
" كان السجين يقدر ان الإجراءات العارية سنراعي
ولذلك اعتقد أن أمامه على الأقل ثمانية أيام ولكن لأمر ما اختصرت الدة . في الساعة الخامسة صباحا كان نائماً وكنا في أواخر أكتوبر ، ولذلك فقد كان الجو في تلك الساعة لايزال باردا والنهار لم يشرق بعد . دخل مدير السحن ومعه احد الحراس ، في غير جلبة ، ووضع بدء على كتف السجين فنهض جالسا وسأل وقد رأي الضوء : ماذا حيث ؟- اليوم بين التاسعة والعاشرة سننفذ العقوية .
ولم يستطع السجين الذي كان النوم لا يزال بعينيه أن يصدق هذا الخبر فقد كان يزعم ان امر التنفيذ لن يصل إلا بعد ثمانية أيام ، ولكنه عند ما كمل سموه امسك عن المناقشة ولزم الصمت . هذه هي التفاصيل التي ذكروها
ثم قال بعد ذلك : فليكن ! بغتة . . على هذا النحو ؟! إنه لأمر مؤلم !. ثم لزم الصمت من جديد ولم يرد أن يفوء بكلمة ونحن نعلم كيف تمر الثلاث او الأربع الساعات التاليات : زيارة الفسيبس ، القطور : لحم ونبيد وفهوة ( آه ! يالها من سخرية قاسية ! ولكن هؤلاء الناس لا يقصدون إلي شرفهم يعتقدون في سفاجة انهم بتصرفهم هذا بانون عملا إنسانيا ) . ثم عملية الغسيل والتجميل ( وانت نعلم ما هي هذه العملية بالنسبة للمحكوم عليه بالإعدام ) . وأخيرا يحملونه في عربة ويقودونه إلي المفصلة ، ولا شك أنه - فيما أعتقد - كان يتخيل أثناء نقله أنه لا يزال أمامه في الحياة وقت لا نهاية له . " لا تزال أمامي ثلاثة شوارع أعيشها" . إنه زمن طويل ، عندما أصل إلي نهاية هذا الشارع ، سبظل أمامي شارع آخر اتابعه ، ثم ثالث حيث يوجد إلي اليمين مخبز ... وسيمر وقت آخر قبل ان نصل إلي هذا المختز " وحول العربية جمهور صاخب . عشرة آلاف رأس . عشرة آلاف زوج من الآعين ، وعليه أن يحتمل هل هذا ، وبنوع خاص هذه الفكرة : ها هم أولاء عشرة آلاف ولكنهم لن بعدموا أحدا منهم بل أنا الذي سأموت ".
هذا عن المقدمات سلم بقود إلي المفصلة . أمام هذا السلم أخذ الرجل في البكاء ، وكان رجلا قويا ذا خلق شديد . قالوا
إنه كان مجرما كبيرا والقسبس الذي ركب إلي جواره في العربية ثم يتركه برهة واحدة وكان يحادته باستمرار ، ولكنني أظن أن السكين لم يكن يستمع إليه. ربما يكون قد حاول ان يصفى ولكنه بعد الكلمة الثالثة لم يعد بفهم شيئا . وفي البهاية اخذ بصمد السلم والفيود التي تغسل قدميه تصطره ان يخطو خطوات صغيرة . وأمسك القسيس - الذي كان بلا ريب رجلا ذكيا - عن مظانه مكتفيا بأن يقدم إليه باستمرار الصليب ليقبله .
لقد كان المجرم شاحيا عند اسفل السلم ، وأما الآن وقد وصل إلي المفصلة فإن وجهه صار ابيض كالصحيفة ، لا شك ان ارجله اخذت تثداعي نحثه وان قلبه اخذ يثقل وكان شيئا قد حنقه فانتشر في جسمه إحساس بالخدر ، هذه ظاهرة ولدها الرعب في تلك اللحظات الروعة التي يظل فيها العقل كاملا ولكنه يفقد كل ما له من سيطرة .
إذا كان هلاكك مثلا محققا وكنت في منزل سينهار فوقك فإنك تشعر فجأة رغبة لا تقهر في أن تجلس ونغمص عينيك وتنتظر . ليكن ما يكون ... ... ورآه القسيس في هذه الحالة من الضعف فأدني من شفتيه - في صمت وحركة سريعة -الصليب ، صليب لاتيني من الفضة.
وكرر ذلك عدة مرات ، وعندما أحس به الرجل لاح أنه قد عاد إلي نفسه لعدة ثوان ففتح عينه ومشي . لقد كان يقبل الصليب بنهم وهو في لهفة قلقة كالمسافر الذي يخشى ان بنسي شيئا سبحتاج إليه في رحلته وإن يكن من الراجع ان كل عاطفة دينية كانت بعيدة عن ضميره . تلك كانت حاله إلي أن شد علي اللوح ... ... وإنه لمن الغريب أن الإخمالا يحدث في هذه التوالي الأخيرة إلا نادرا . وعلى العكس من ذلك تحتفظ الرأس بحياة غزيرة . وتعمل بلا ريب بقوة كبيرة وكانها آلة تسير . يخيل إلي أن ألوانا من الأفكار تطن عندئد في الجمجمة اشباح من الأفكار قد تكون مضحكة وهي لا شك في غير موضعها مثل : آه ١ هذا المتفرج بجهته " حسنة " الجلاد ببذلته زرار
صديء . ومع ذلك تعرف كل شئ وند لو كل شئ . وهناك مسأله لا يمكن أن ننساها وهي أنك لا تستطيع الإغماء، وحول هذه المسألة يدور كل شئ ولتتصور ان هذه الحالة تستمر حتى آخر ربع ثانية . وعندما تمر الرأس من الطوق وتنتظر وتعلم ثم فجأة تسمع السكين تنزلق فوقها ؟ ؟ ! لاشك أنها تسمع . ولو أنني كنت شخصيا ممددا على الخشبة لأرهفت أذني واسمعت الصوت ! وهو ربما لا يصدر إلا العشر من البرهة ولكننا لا يمكن ألا نسمعه . ولتتصوروا أننا لا نزال إلى اليوم نود أن نعرف : هل الرأس لا تدرك - في الثانية الأولى بعد قطعها - أنها قد انفصلت عن الجسم ؟ ".
لست أدري أصدق العبيط في قصصه أم لم يصدق ، فنحن لا نعلم - كما قال شكسبير - أن ميتا قد عاد ليخبرنا بما رأي ، ولا أن محكوما عليه بالإعدام قد وصف لحظاته الأخيرة ، بما في ذلك برهة قطع الرأس والثانية التي تليها ، ولكني استطيع أن أتخيل أوضح الخيال ما يحدثني به هذا الرجل العجيب . تأمل قليلا تلك الرأس التى يحتفظ بحياة غزيرة ومع ذلك لا تفكر إلا في " حستة " بجبهة متفرج ، أو زرار ببذلة الجلاد . أو ما يحس انها قد وصلت إلي غاية الجهد فلم يبنى فيها إلا ما يخلف هذا الجهد من حرارة تشبه الحياة وهي بحمي اليأس اشبه
إن في نفاهة ما يدور بها لوحيا يرعب الخيال . ثم أي مهارة في فن هذا العبيط . كم من تفاصيل صغيرة تنغزو النفس في تدرج ما كر ، وكم من حبل يصطنعها ليبلغ منا ما يريد . وحيله يعد من صميم حياتنا القريبة . لهفته في تقبيل الصليب هي لهفتنا جميعا عندما يخشى ان ننسي شيئا سنحتاج إليه في سفر . وشعوره شعور رجل حم ، القضاء وأخذ البيت ينهار فوقه فلم يستطع إلا ان يجلس ويغمض عينيه وينتظر إرادة الله . ثم صوت السكين . بأي حرص يريد الكاتب ان تقف عند هذه البرهة او عشر البرهة لتحققها بخبالنا . لقد خشي أن تمر بها سراعا ، فأوقفنا
لتناقشها . هل سيسمع انزلاقها ، وهل السكين سيصغي لصوتها . وبأي دهاء وضع الكاتب نفسه في هذا الموضع ليخيرنا انه لابد منصت عندئذ لذلك الصوت المروع ولابد مدركه وما فعله الكاتب هناك امل ضمن في ان يعقله عنا وهذه هي سذاجة أهل الفن الماكرة الساحرة . وأخيرا هل أنا بحاجة إلي أن أدل القارئ علي ما في السؤال الأخير (إدراك الرأس في الثانية التي على قطعها أنها انفصلت عن الجسم ) من رهبة تقشعر لها الجلود .
وبعد فقد اقتل علماء القانون حول عقوبة الإعدام ، وكتبوا في ذلك المجلدات الضخام ، فمنهم المؤيد ، ومنهم المناهض ، ولكني لا اذكر ان احدا منهم قد قطن إلي معني العدالة النفسية التي تصورها ديستوفسكي هذا التصوير الرائع . إن في تحليله لعدم التناسب بين القتل والإعدام لحقا لا يدفع . فهذا اليقين الذي يلقي الموت بالنفس وهي حية عذاب لا مثيل لفظاعته . ثم تلك اللهفة الحائرة التي أخذ عليها اليأس كل مسلك ، فتراها تعد ما بقي لها في الحياة بالشوار ع التي ستعيرها ، ومع ذلك يستقر في ضميرها يقين بالفناء ، أو ما تري فيها اشتع العذاب وإذا صدق ما يقول هذا الكاتب العظيم أو ما يكون من العدل أن تقدر هذه العقوبة بوقعها النفسي وتكافؤ هذا الوقع مع ما ارتكب من جرم ، والا نكتفي في مناقشتها بما تتوقع من صوتها لحياة الجماعة .

