ملخص لما سبق : ] كان أمرؤ القيس بن حجر الكدي ملك بني أسد في غربي بلاد نجد ، وكان فتى شجاعا شاعرا مرهف الحس . أحب إحدى بنات عمومته قاطبة ولكنه كان كثير العبث واللهو ، فأغتصبها ورحل عنه مع أبيها ؛ وكان لبعدها عنه أثر كبير في نفسه ، فدفعه يأسه من محبتها إلى الاندفاع في المجون والعبث، حتى غضب عليه أبوه الملك حمر بن الحارث ونفاه من دياره ، وأشد حجر في حكم بير أسد ، لا سيما بعد أن تزلزل ملك أبيه الملك الحارث بن عمرو ملك الحيرة ، وهزمه النذر بن ماء السماء .بدأ بنو أسد يتأمرون للثورة عليه ، فزاد في معاملتهم قسوة حتى قبض على شيوخهم ، وأمر بضربهم ، وقتل بعضهم ثم عاه إلى أرض تهامة مبالغا في الانتقام منهم ، وسجن زعيمهم عمرو بن مسعود وشاعرهم دبيد بن الأبرص .
لم يشعر ربيعة بن عمرو في يوم من الأيام بضيق اشد ، ولا حيرة أعظم مما شعر به في ذلك الصباح . كانت الحرارة عند طلوع الشمس تلفح الوجوه لا يخفف منها هبوب نسيم ، ولا يقل من حدتها ظل سحابة .
وكانت الحوادث تتوالى في سرعة عجيبة ، كان الأقدار قد اعتزمت اأرا ، فهي تنفذه خطوة بعد أخرى جريا علي قدر ، وسيرا علي خطة .
جلس في خيمته وحده يفكر في كل ما مضي به في تلك السنوات الغابرة . لقد وثق حجر به واعتمد عليه ، فحاول أن يمهد له الصعب المعوج ، لم يترك حيلة لم يلجأ إليها ، ولم يدع نصيحة لم يخلص في تأدية حقها . حاول أن يحفظ أمرأ القيس وان يسمو به إلى ذروة المجد التى كان ذكاؤه وشجاعته يؤهلانه لها ، فخاب أمله ، ورآء يطرد من منازل أبيه ليتشرد ، ويفنى نبوغه مع الصعاليك
في الشراب والمجون . ثم حاول أن يسترضي بني أسد عن حكم ملكهم ، فاتهم وساءت به الظنون ، وحاول أن يحمل حجرا على الاعتدال والرفق في حكمه ، ولكنه كان لا يرضى من رعييته بغير الخضوع الكامل في كل ما أراد وقد حتمت عليه الظروف القاهرة أن يشتد في مطالبهم بالأموال ، وأن يأخذ عليهم ضريبة من الأنفس منذ دعت إلي ذلك ضرورة الحروب التي كانت بين أبيه الملك الحارث وبين منافسه العنيف المنذر بن ماء السماء .
وانتهي الأمر بعد كل هذا إلي أن ثار بنو أسد به ، وثار هو بهم ، فضربوا أعوانه وضرجوهم بالدماء ، فانتقم منهم أشد انتقام ، يضرب سرائهم بالعصا ، ويقتل شيوخهم أشنع قتلة في السجن ، وأصبح بينه وبين رعيته ما لا يمكن أن يستقر عليه ملك ، ولا يمكن أن تعود معه مودة . وكانت رسل المنذر بن ماء السماء لا تنفك تقد إلي
بني أسد محرضهم علي العصيان ، وتمنيهم وتعدهم بأحسن الجزاء ، إذا هم وثبوا بهاحمهم ، فكانت الامور كل يوم تصير من حال إلي حال أسوأ ، ومن شدة إلي شدة أضيق . كل هذا وربيعة يكدح عقله وقلبه في سبيل التماس الحيلة الاصلاح الأمور ، فلا يجدها تزداد إلا فسادا .
جلس في خيمته والحزن يملا قلبه واليأس يساوره من وكذلك أتى إليه رسول الملك حجر كل جانب ، وفيها هو كذلك اتى إليه رسول الملك حجر يدعوه إليه ، فنظر إلي الرسول وكان رجلا من قبيلة كندة ، من جنود الملك الذين كانوا لا يرون في العرب أحدا يستحق المحاسنة إلا ان يكون كندنا ، فخاطبه الرجل في خفاء قائلا : " قم إلى الملك سريعا "
ثم مضي عنه وهو يخرق الرمال بزج رمحه في هيئة التحدي والاحتقار .
لم يجب ربيعة بلفظ ، بل قام وهو بتنفس مهموما ، وسار في آثار الرجل ينظر إليه آسفا ان يكون الأمر قد انتهى بمليكه أن يقوم سلطانه على بطن هؤلاء الجفاة ؛ حتى بلغ خيمة الملك فدخل ولا يزال الهم علا جوانحه.
وكان حجر في ذلك اليوم على غير ما كان عليه بالأمس كان بالامس تأثرا غاضبا مخيفا ، وأما في ذلك اليوم فقد كان مهموم النفس كئبيا خائرا . وما وقعت عليه عين ربيعة حتى أدرك بأنه لا بد قد ارسل إليه في أمر جليل ، وأنه لابد قد وقعت به كارثة من تلك الكوارث المتعاقبة التي اعتادت السنوات الأخيرة أن تطالعه بها بين حين وحين
دخل ربيعة صامتا ، وحيا في هدو قائلا : " عم صباحا أيها الملك الهمام " .
فقال حجر حزينا : " عممت صباحا يا أبا نعيم " وكان الملك لا ينادي ربيعة بهذه الكنية إلا في أشد أوقاته وأعظمها كربا ، فقد كان يحس عند ذلك أن في هذا الرجل وحده أمله الفرد في النجاة .
وأفسح حجر له مجلسا إلي جانبه ، وأشار إليه أن يجلس ، فذهب وقعد تجاهه وأطرق في انتظار ما يقوله له مولاء . وساد الصمت لحظة ثم قطعه حجر قائلا بصوت خافت : " ألم تسمع بما كان ؟ " .
فنظر ربيعة إليه في اهتمام وقال : " لعله يكون خيرا " . فقال حجر في بطء : " لقد أتي إلي الساعة رسول من الملك الحارث"
فأسرع ربيعة قائلا بلهفة لعله أتي بخيرا " . فقال حجر بحزن شديد : " بل أتي بمصاب جلل وزره عظيم " .
فصمت ربيعة وجلا من سماع النبأ ، ولم يسأل عن ذلك المصاب .
وبعد سكوت لحظة استمر حجر فقال في حزن عميق مكتوم : " ثمانية وأربعون من بني آكل المسرار ، ثمانية وأربعون من أبناء الملوك يساقون إلي التيوية عند الحيرة في ديار بني مرين ، يسوقهم بنو تغلب الغادرون إلي المنذر ليقتلهم ! ذلك المنذر الذي كان شريدا ينتقل في القبائل خائفا من أبي ، بلتمس النجاة ويطلب الأمن في جوار القبائل " .
وصمت لحظة ثم تنفس نفسا عميقا وقال وقد علا صوته واحمر وجهه : " ويل لتغلب ؛ لقد غدرت ونقضت عهدها وساعدت المنذر على الملك الذي كانت تدين له ، والذي كان يغمرها باحسانه وبفيض نعمه . غدروا بملكهم وانتهبوا أمواله وهجائنه ، وأسروا أبناءه وأبناء إخوته . ثمانية وأربعون أميرا من بني آكل المرار يلاقون حتفهم على يد الخونة الغادرين ثم تري جثثهم للطيور والوحوش تنهشها وتقطعها ويل للمنذر! ويل لتغلب ! "
وصمت حجر بعد ذلك وقد غلبه الغضب والحزن ، ولم يجد ربيعة سبيلا إلي معاودة الحديث معه ، ولم يجد من
القول ما يقوم بتعزيته في مصابه ، فسكت في وجوم ، وأطرق يفكر في ذلك المصاب الجديد . وكان حائرا في فهم قول حجر ، فلم يدرك منه إن كان الحارث قتل فيمن قتل في وقعة الثوبة ، أم هو لا يزال حيا بعد هزيمته وأسر أهله ؟ وأدرك حجر أنه لم يخبر صاحب سرء بكل ما بلغه من أنباء المصاب ، فأخذ بعد صمته يحدثه بما بلغه ، فأخبره أن الحارث نجا من عدوه في عدد قليل ، فلجأ إلي بني كلب ، وهناك أصابه مرض شديد ، فأرسل إليه ذلك الرسول الذي وفد إليه ليخبره بتلك القصة المحزنة ، وليطلب إليه أن يذهب ليراه قبل موته.
فأدهش هذا القول ربيعة فقال في دفعة " تذهب إليه ؟ "
فنظر إليه حجر وقد أدرك سر دفعته ثم قال : " نعم هذا ما جاءني من أبي . فماذا ترى ؟ "
فقال ربيعة في ثبات وثقة : " لا يمكن أن تذهب ، فإنك تعرف أن من بني هنا من غطفان وقيس ، ليسوا اقل تبرما من بني أسد ، وإذا بعدت عنهم لم تأمن وثوبهم في غيابك "
فقال حجر : " ولكني اتركك هنا في جنود كندة ومن معك من الصنائع الذين ينصروننا من قبائل العرب ،
فهز ربيعة رأسه شاكا في حكمة هذا الرأي ، ولكنه صمت ولم يجب
فقال حجر : " أراك تخالفني " فقال ربيعة : " لقد أرسلنا مع بني أسد نصف جنودنا لكي نطمئن إلى حراستهم حتى يبلغوا تهامة ، ولم يبق معنا من يكفي للقسمة بين ذاهب معك لحراستك ، ومقيم هنا لحراسة ملكك "
فتردد حجر حينا وجعل يفكر ، ثم نظر إلي ربيعة وهم أن يقضي إليه رأيه لولا ان دخل عليه رجل من جنوده.
رافعا صوته في شيء من الوقاحة يقول : " هذا الرجل لا يستقر على قرار ، ولا حيلة لنا فيه إلا بقتله " .
فنظر حجر إلي البدوي الذي دخل يخاطبه بهذه الجرأة وعبس عبسة خفيفة ثم ملك نفسه وقال : " من تعني يا أخا كندة ؟ "
فقال البدوي : " ذلك الأسدي القعقاع عبيد بن الأبرص ، لا يزال يعوي يريد أن يراك ، وينشد الأشعار ولا يمتنع عن البكاء ليلا ونهارا " .
فنظر إليه حجر وقد ظهر عليه الحقد والغضب ، وكاد يلقي إليه أمره ، لولا أن بادر ربيعة فقال بصوت فيه تلطف وخشوع : " مولاي " .
ومد يديه نحوه في ضراعة فأمسك حجر عن إلقاء أمره ، وصمت لحظة محاولا أن يهديء من غيظه ، ثم قال كأنه يخاطب نفسه : " لوددت أبي أزاه يتمزق عضوا فعضوا " .
فمال ربيعة نحوه وقال بصوت خافت : " دعه لي الآن يا مولاي " .
فسكن غضب حجر قليلا ، وكانه احس في ضراعة ربيعة إليه أن له قصدا خفيا ، مع التفت إلى البدوي الواقف أمامه ينظر إلي ربيعة باحتفار ظاهر ، وقال له : " دعه الآن يا ابن أحي " .
فرفع البدوي رأسه ونظر إلي ربيعة مرة أخرى في كراهة ، وخرج وهو يخبط الأرض برمحه خبطا عنيفا . ولما صار ربيعة وحده مع الملك أقبل عليه قائلا : (( أري فرصة تسنح لنا بامولاي)) .
فقال حجر باهتمام : ((وما هي تلك الفرصة ؟)) فقال ربيعة وقوله بكاد يكون همسا ، وهو ينظر حوله خوف ان يسمع أحد قوله : " إذا كان لابد لك من المسير إلي الملك الحارث فلا مناص من وجود كل جندك هاهنا " .
فرفع حجر حاجبيه متعجباً وقال: ((ولكنك تعلم أننا لا نقدر أن ندع بني أسد يمرحون وحدهم في تهامة)).
فقال ربيعة جادًا: ((هذا ما أردت أن أقوله. أرى أن إبعادهم من هنا فيه خطر شديد علينا. وأولي بنا أن يكونوا هاهنا تحت سمعنا وبصرنا)).
فقال حجر في قسوة: ((أو أراهم صباحًا ومساءً؟ أأصبحهم وأمسيهم بغير القتل والضرب والعذاب؟)).
فقال ربيعة: ((أبيت اللعن! لست في علو مكانتك بأهل لهذا الحقد، فالعفو أقرب إلي شيم الملوك)).
فهدأ حجر وصمت لحظة ثم قال: ((ولكن كيف السبيل؟ لقد قضى الأمر، وسار القوم عنا)).
فأسرع ربيعة قائلًا: ((تردهم. ترسل في أثرهم فتسترجعهم)).
فقال حجر في شيء من الغضب: ((وأرتد ناكلًا عن أمري؟ إن هذا لا ينبغي لمثلي)).
فقال ربيعة بإصرار: ((ولكنك تكون متفضلًا، إن هذا الرجل الشاعر الذي كان يغاضبك بالأمس يريد أن يراك. ولا أظنه إذا جاء إليك إلا طالبًا عفوك متذللًا خاضعًا. فإذا أنت عفوت عنه وعن قومه بعد ذلك كنت متكرمًا، وأمكنك أن تعيد القوم إلى هنا وتستعيد معهم جنودك، ولم يزدك ذلك العفو إلا مهابة في القلوب، ولعله يكون سببًا في استصفاء النفوس بعد كدرها، واستقرار الأمور بعد تزلزلها)).
فأطرق حجر يفكر مليًا في قول ربيعة، ثم رفع رأسه بعد قليل وقال مستسلمًا: ((قم إلي ذلك الشاعر وأحضره، وأفعل ما بدا لك يا أبا نعيم)).
فأسرع ربيعة خارجًا، وجلس حجر وحده مطرقًا يفكر فيما هو صانع ، وكانت أفكاره لا تستقر، وهواجسه لا تنقطع، حتى عاد إليه ربيعة يقود عبيد بن الأبرص
وهو رسف في قيده، وقد امتُقع وجهه، وظهرت عليه آثار عِصى حراسه الكندبين ولكماتهم.
وتحامل الشاعر حتى وقف أمام حجر، وهو يهتز من الضعف، وأخذ ينشد:
يا عين فابكي ما بني أسد فهم أهل الندامه
أهل القباب الحمر وال نعم المؤبل والمدامه
وذوي الجياد الجرد أثل المثقفة المقامه
حلا أبيت اللعن ح لا إن فيما قلت أمه
في كل واد بين يث رب فالقصور إلي اليمامه
تطريب عان أو صيا ح محرق أو صوت هامه
ومنعته نجدًا فقد حلوا على وجل تهامه
برمت بنو أسد كما برمت بيضتها الحمامة
جعلت لها عودين من نشم وآخر من ثمامة
إما تركت تركت عف وًا أو قتلت فلا ملامه
أنت المليك عليهم وهم العبيد إلى القيامه
ذلوا لسوطك مثل ما ذل الأشيقر ذو الخزامه
ومنعتهم نجدا فقد
برمت بنو أسد كما
جعلت لها عودين من
إما تركت تركت عنه
أنت المليك عليهم
بذلوا لسوطك مثلما
وكان حجر في أثناء إنشاد عبيد مطرة، يفكر فيما هو صانع، وتنازعته الآراء. وتجاذبته الميول. ولم يدر بماذا يجيب، فرفع بصره إلي ربيعة كالمستجد، فوقف ربيعة وبسط إليه يديه متذللًا، وقال له: ((عيني هؤلاء، فقد بلغت منهم ما لا رجعة بعده إلى شق طاعة)).
فذهب عن حجر التردد ونهض من مجلسه ذاهبًا نحو عبيد، فقبض علي ذراعه وهزه هزًا عنيفًا، وقال له في غضب: ((أليس أنت المتكلم بهجوي، الساعي في الوثوب في؟)).
فقال عبيد منكسرًا: ((لقد كان ذلك جهلًا و حمقًا)) فقال حجر وهو يهزه بعنف مرة أخرى: ((ألست أنت الوقح الذي تقول:
فانظر إلي ظل ملك أنت تاركه
هل ترسين أراخيه بأوتاد؟))
فأجاب عبيد في خضوع: ((عفوًا أبيت اللعن، لولا الذنب ما كان العفو)).
فقال حجر وقد بدت على وجهه أمارات الارتياح: ((أفٍ لهؤلاء الشعراء؛ لهممت أن أقطع لسان كل من قال شعرًا)).
ثم نظر إلي عبيد وقال: ((أذهب ثكلتك أمك، فقد حقنت دمك ودماء قومك)).
فرفع عبيد بديه، وقال في لهفة وفرح: ((دمت للكرمات!)).
ونظر حوله فزعًا إلي ربيعة مرة وإلى الملك مرة، وقد غص بريقه فلم يقو علي الكلام، فنادي حجر بعض الأعراب من الجند الذين كانوا وقوفًا عند بابه، فدخل اثنان منهم مسرعين في سرور يحسبان أن الملك سيأمرهما بقتل ذلك الشاعر الكريه؛ ولكن حجرًا قال لهما مشيرًا إلى عبيد في قمة احتقار ظاهرة : ((اذهبوا به فأطلقوه)).
فظهر على وجهيهما تجهم خيبة الأمل، ودفعا الشاعري أمامهما وخرجا به من الخيمة، وهو يحجل في قيده متلفتاً إلي يمينه ويساره كأنه غير مؤمن بالنجاة. وبقي حجر بعد خروجه حيناً وهو مطرق، ثم قال لربيعة في صوت خافت: ((أحس كأنني أصمد في وحل ياربيعة)).
فأجاب ربيعة مطمئنا: (( لا بل قد عاد الأمر إلى أيدينا بعد أن كاد يفلت منها)).
فقال حجر وهو يتنفس: ((هيه! ماذا نملك لأنفسنا من القضاء؟ أرسل إلى بني أسد كما شئت فردهم إلى هنا. وليكن ما يكون)) .
فخرج ربيعة لينفذ أمر مولاه، وقلبه يكذب ما كان يقوله من ألفاظ الأمل والثقة. ثم سار في سبيله إلى بيته ليعد بعض هجائنه السريعة لتحمل رسوله إلى بني أسد. ولكنه ما كاد يخطو خطوات قليلة حتى وقف مشدوهاً كأنه رأى شبحاً مخيفا ، وتردد ونظر إلى ورائه كأنه يهم
بالعودة إلى الملك ليسأله أن يعود في أمره؛ فقد هبط عند ذلك غراب مسرعاً في طيره كأنه الصقر، وأعترض سبيله آتياً من يمينه إلى شماله وهو ينعب نعيباً مفزعاً.
وقف حيناً في حيرة لا يدري أيمضي في سيره بعد اعتراض هذا الطائر المشئوم سبيله أم يعود أدراجه طاعة لنذير الآلهة، واضطربت في رأسه الخواطر صراعاً، وامتلأ قلبه فزعاً، ولكنه رأي أنه لم يبق له إلا المضي في سبيله، فقال في نفسه وهو بين الفزع والضيق لا هذا تذر الآلهة! ولكن ما الحيلة في مشيئتها؟)).
ثم مضي نحو بيته بقلب ثقيل. وبقي حجر في خيمته بعد ذهاب ربيعة، وجعل بفكر فيما انتهى إليه رأيه، ويقلب وجوهه، فساعة يطمئن، وساعة يقلق، ثم هز رأسه مستسلماً وقال: ((دع الأيام تجري في مجراها، ولننتظر ما يأتي به الغد إذا أتي)).
ثم اضطجع على وسادة ووضع يده تحت رأسه وذهب مع فكره يضرب في الآفاق.
في مساء ذلك اليوم كان حجر يسير في ركب حافل نحو حدود العراق تلبية لنداء أبيه المريض الحارث بن عمرو، المقيم في بني كلب، بعد أن هرب من عدوه المنتصر المنذر ابن ماء السماء.
ولما أقبل الليل وطلع البدر، وهدأ حر الهواء وبدأ النسيم يهب من الشمال حلواً بارداً، عاد الأمل إلى قلبه، وجعل يملأ صدره من الهواء الصافي، وينظر إلى صفحة السماء المضاءة مرتاحاً، وخيل إليه أن متاعبه قد انتهت، وأن أملاً جديداً يطالعه، وأنه سوف يعاود صفاء الزمان، ويسترجع الأمن والاطمئنان، وأنه سيجد أباه قوياً معافى، فيهبط معه على أعدائه بعد أن يجمع القبائل ويوليها ويحشدها، وأن انتقامه من عدوه سيكون عظيماً يدق الأعناق.

