إنها لمصادفة سعيدة ؛ إذ بينما أطالع في يوم من الأيام ترجمة الكتاب بينوكيو إلى اللغة اللاتينية ، تتكرم دار المعارف بإهدائي نسخة من ترجمة ذلك الكتاب العظيم إلى اللغة العربية . وفي الحق إنها لمصادفة سعيدة ، إذ يفكر في الوقت الواحد أستاذ من أساتذة اللغة اللاتينية بإيطاليا في ترجمة هذا القصة الشائقة المسلية إلى لغة شبشيرون ، وأستاذ مصري أديب من الأدباء المعروفين بسلامة الذوق وقوة الأسلوب ، في ترجمتها إلى لغة الجاحظ وهكذا يلتقي العالمان العربي واللاتيني مرة أخرى - بعدما التقيا أثناء القرون الوسطى ، واصطدما حينا وتعاونا حينا آخر - النقاء رمزيا في ترجمة كتاب لم يتهيأ مثله للجيل الناشئ من نيف ونصف قرن ؛ ومما لاريب فيه أن دار المعارف الجليلة بنشرها هذا الكتاب قد سدت فراغا كبيرا في المكتبة العربية ، كما امدت الناشئين من الناطقين بالضاد بقصة طريفة تؤلف حلقة جديدة في سلسلة القصص التي أطلق عليها اسم " أولادنا " ، وهي سلسلة تعد الأولى من نوعها في اللغة العربية .
فما هو يا تري كتاب " بينوكيو " ومن مؤلفه العبقري ؟ أما مؤلف " بينوكيو " كارلو لورنسينى - المعروف باسم كولودي - نسبة إلى بلدة صغيرة من بلاد إقليم توسكاتا بإيطاليا الوسطى ؛ فإنه لم يكن يعرف وقت أن نشر منذ نيف وسبعين سنة قصته الرائعة في جريدة الأطفال في فصول متتالية ، ولم يكن ليدور في خلده أنه كان يخرج إلى حيز الوجود قصة عالمية سوف يكتب لها الخلود ، وسوف يتناولها كل نأشئ من الناشئين ، أو أن يخطر بباله أن قصته سوف تلاقي ذلك النجاح المنقطع النظير الذي لاقاه من قبله " بيترو " في القرن السابع عشر والإخوان " جريم " في القرن الذي تلاه بقصصهما الرائعة .
لم يكن الكاتب الإيطالي يعرف ذلك كله ، كما لم يكن يعرف وقتئذ - إذ انه كان كاتبا متواضعا يعتمد في رزقه
على ما كان يكتبه من مقالات في الصحف الدورية - أن عشرات من المترجمين سوف يسرعون عقب وفاته إلى ترجمة قصته إلى أكثر من مائتي لغة من اللغات الفصحى والدارجة ، نستطيع أخيرا أن نذكر من بينها اللغة العربية بفضل جهود دار المعارف الغراء .
وفي الحق أن كتاب " بينوكيو " وما اشتمل عليه من حوادث طريفة ومغامرات لذيدة فاتنة ، هو من الكتب النادرة التى تستهوي قلوب الناشئين وغير الناشئين وتخلب ألبابهم ، ولكن يبدو أن الذي افتتن بهذه القصة أكثر من كل من عداه ، إنما هو كاتبها نفسه ، إذ انه بالرغم من تفكيره مرتين في أن يختم قصته التي كانت تنشر كما سبقت الإشارة بالتتابع في جريدة الأطفال - تراه قد واصل سرد الحوادث ويضيف إلى ما كان قد كتبه من فصولها فصولا أخرى ، مما يدل دلالة واضحة على أن ذلك " الأراجوز " الخشبي الذي تدور حوله حوادث القصة كان يستهوي الكاتب الذي أنشأه من خياله قبل أن يستهوي قراءه من الناشئين وغير الناشئين .
ولعمري إن المسئولية التي تقع على كاهل من يقوم على تثقيف الناشئين وتأديبهم لهي مسئولية جسيمة لا تماثلها مسئولية أخرى . ولقد فهمت مصر وأدركت من بضع سنين أنه لابد من بذل جهود شاقة في هذا الميدان لتحقق أهدافها في سياستها التعليمية ، فشجعت نشاط دور النشر وعلى رأسها دار المعارف التي أخرجت مجموعاتها الجذابة التي تذكر منها " روضة الطفل " و " أولادنا و مكتبة الكيلاني للأطفال" و "قصص المدرسية "، و "المكتبة الحديثة للأطفال" و " المكتبة الثقافية للشباب " الخ ، وإنها لجموعات طريفة يجد فيها الأطفال والمراهقون والشباب تسلية وفائدة في وقت معا ، وإننا لنجد من خلف هذه المؤلفات والترجمات التي نشرت في هذه المجموعات كتلة من
(البقية على الصفحة التالية )
الكتاب والمترجمين من أمثال الكيلاني وأحمد الناجي ومحمد قطب وسعيد العريان وأمين دويدار ومحمود زهران والسيدة بهيجة صدقى رشيد ومحمود عطية الابراشي والسيدة إحسان هدايت وغيرهم الذين لا يفتأون يؤلفون ويترجمون مؤلفات تفتخر مصر بها .
وإنا لنجد الآن بفضل نشاط دار المعارف إلى جانب مختصرات من ألف ليلة وليلة ، وكليلة ودمنه ، ومن قصص شرقية طريفة أخرى ، ترجمات من الإنجليزية والفرنسية والإيطالية ، تجعل الناشيء يقف على انتاج العالم الأوربي في ميدان القصص والحكايات ، وعلى كل ما نشر خارج مصر من كتب خصصت لتثقيف الناشئين وتسليتهم . الأمر الذي هو مظهر من أهم مظاهر التقدم في مصر الحديثة ، التي هي في مسيس الحاجة إلى التزود من الثقافة الأوربية على اختلاف أنواعها ومصادرها ، لأن العلم والفن والفلسفة والأدب
وكل مواد الثقافة والمعرفة - كما يقول الأستاذ الجليل الدكتور طه حسين باشا وزير المعارف في كتابه القيم مستقبل الثقافة في مصر - " إنما هي ليست مقصورة على الإنجليز والفرنسين ، بل هناك لغات أوربية راقية ليست أقل رقيا وامتيازا عن هاتين اللغتين . وهناك أمم أوربية راقية ليست أقل تفوقا وامتياز في الثقافة والمعرفة من هاتين الأمتين العظيمتين " - وإن معاليه بنفوذه وإرشاداته لهو خير من يستطيع أن يشجع الكتاب المصريين على تحقيق هذه الضرورة . ولقد لاحظنا أن مصر قد بدأت تحني الثمار الأولى لهذا الاتجاه الموفق الجديد الرامي إلي الإفادة من هذه الثقافات والمعارف .
وإنا لنهنيء دار المعارف بهذا النجاح العظيم ، كما نهنيء الطفولة المصرية بهذا الكسب الحديد .
