ذكر الأستاذ علي عبد الواحد وافي في العدد الممتاز أنه لا يصح إرجاع وأد البنات عند العرب في الجاهلية إلى فقرهم، لأن ذلك كان يفعله أغنياؤهم وفقرائهم، ولا الى غيرتهم على أعراض البنات، لأن ذلك يرجع عند من يراه إلى قصة قيس بن عاصم. ووأد البنات أقدم منها عند العرب، وقد رأى أن يرجع ذلك إلى سبب استنبطه من الآيات القرآنية التي وردت في وأد البنات؛ وهو أن بعض العرب كانوا يعتقدون في البنات إنهن من خلق إله اليهود، وكانوا ينظرون إليه نظرة كنظرتنا الآن إلى الشيطان؛ أما الذكور فمن خلق آلهتهم، ولهذا كانوا يعتقدون في البنات أنهن رجس يجب التخلص منه بالقتل، ثم ساق الآيات التي استنبط ذلك منها، فساق أولاً قوله تعالى: (ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون. ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون، وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به؛ أيمسكه على هون أم يدسه في التراب، ألا ساءوا ما يحكمون) الآيات ٥٦ - ٥٩ من سورة النحل، وقد فسر البنات في ذلك بالإناث من البشر، وحمل قوله تعالى (ولهم ما يشتهون) على انهم يجعلون لآلهتهم ما يشتهون من البنين، وكل من التفسيرين غير صحيح، لأن المراد من البنات الملائكة الذين كانوا يقولون عنهم انهم بنات الله، والمراد من قوله تعالى (ولهم ما يشتهون) انهم يجعلون لأنفسهم لا لآلهتهم البنين الذين يشتهون، فينسبون لله من البنات ما يكرهونه لأنفسهم، وهذا هو الذي ينطق به ما ساقه من باقي الآيات، كقوله تعالى: (وجعلوا له من عباده جزءاً أن الإنسان لكفور مبين، أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين، وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاً ظل وجهه مسوداً وهو كظيم، وجعلوا الملائكة الذين هم عباد
الرحمن إناثاً أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون) الآيات ١٥ - ١٩ من سورة الزخرف، فمن جعلوهم جزءاً هنا لله هم البنات في آيات النحل، وهم الملائكة الذين جعلوهم إناثاً هنا، والمراد انهم جعلوهم أولاد الله، فأين هذا من تفسير الأستاذ وافي لهم بالبنات من بني آدم، وإن العرب كانت تعتقد أنهن خلق الله لا خلق آلهتهم، وكذلك قوله تعالى (وأصفاكم بالبنين) صريح في انهم كانوا يجعلون البنين لأنفسهم، وليس الأمر كما فهمه الأستاذ وافي من انهم كانوا يجعلونهم لآلهتهم، وأصرح من هذه الآيات في ذلك قوله تعالى (أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثاً إنكم لتقولون قولاً عظيماً) . فليس في شئ من الآيات التي ساقها الأستاذ وافي ما يفيد أن العرب كانوا يعتقدون أن بناتهم من خلق الله، وانهم كانوا يئدونهن كرهاً لهن لأنهن غير مخلوقات لآلهتهم. وليت شعري بعد هذا من أين أخذ الأستاذ وافي أن العرب الذين كانوا يئدون البنات كانوا يعتقدون في الله تعالى ذلك الاعتقاد، وينظرون إليه كما ننظر إلى الشيطان، وهم الذين قال الله في حقهم من سورة الزخرف أولاً (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العظيم) الآية - ٩ - ثم ذكر بعد ذلك الآيات السابقة في نسبتهم البنات من الملائكة إليه تعالى
والحق عندي أن وأد البنات كان بعضه للفقر من الفقراء، وكان بعضه لخوف الفقر من الأغنياء، وكان بعضه لخوف العار والسبي، ولا مانع من أن يكون بعضه لعقيدة دينية غير التي يذكرها الأستاذ وافي، فقد كان الرجل يحلف في الجاهلية لئن ولد له كذا غلاماً لينحرن أحدهم كما حلف عبد المطلب بن هاشم

