لما عرض رئيس الوزراء قضية البلاد على مجلس الأمن قال كل من تابع أقواله : لقد أحسن الدفاع وعرض القضية عرضا قويا .
ولما صدر قرار مجلس الأمن وكان سلبيا لم يؤيدنا ولم يخذلنا بل عجز عن الوصول في القضية إلي قرار فأبقاها في جدول الأعمال ، قال فريق : لقد خسرنا القضية ، وحملوا رئيس الوزراء تبعة ذلك ، وإن لم يبينوا موضع تقصيره . وقال آخرون : لقد ربحنا ، فقد أسمعنا العالم حججنا وظفرنا بعطف الكثير على أمانينا ، وإن تكن الظروف الدولية قد حالت دون وقوف تلك الدول في وجه انجلترا - وربحنا ربحا غير مباشر بخذلان انجلترا فيما أرادت أن يصدر من قرار في صالحها . ثم نحن قد نقلنا القضية إلى الميدان الدولي بعد أن كانت قضية ثنائية بيننا وبين الإنجليز . واقتنع أ كثر الناس بأن مجلس الأمن وجميعة الأمم وكل الهيئات الدولية ليست بالهيئات التي يعتمد عليها في إقرار حق أو إنصاب مظلوم ؛ فهي خاضعة لنفوذ الدول الكبرى متأثرة بالاعتبارات الخاصة لكل دولة مشتركه فيها ، وأننا لم نفد من عرض قضيتنا على المجلس إلا معرفة هذه الحقيقة التي لبثنا زمنا طويلا نخدع أنفسنا عنها ، وهي أن من لا يستطيع صون حقوقه بقوته الذاتية فلن
يجد عند غيره وسيلة الدفاع عنه والذب عن حياضه .
وارتقب الناس عودة رئيس الوزراء ليروا ما يخطوه من خطوات جديدة لمواجهة الموقف ، وكثر التساؤل في الصحف بعد عودته من مؤيديه ومعارضيه عما سيعمله .
ولم يكد رئيس الوزراء يعود حتى امتحنت مصر بمحنة الكوليرا التى وفدت على البلاد ، فاتجهت جهود الحكومة كلها لمكافحتها ، وشغل الناس بها وبأنبائها عن كل شئ ، وإن كانوا لا يفنئون من آن لآخر يعاودون التفكير في أمر البلاد وكيف يواجهون الموقف الحاضر .
وزادت الشدة خلال ذلك بإلغاء انجلترا لاتفاقها المؤقت معنا بشأن نصيبنا من العملة الصعبة وبخروجنا من الكتلة الاسترلينية ، فقيدت بذلك وارداتنا ، وتأثرت التجارة ، وبدأ بعض المشتغلين بالمسائل المالية يصورون الموقف في صورة قاتمة .
وتحرج الموقف في القضية الفلسطينية بما بدا من ميول قوية في جمعية الأمم للأخذ برأى اليهود في تقسيمها بين العرب واليهود ، وكان على مصر أن تشارك غيرها من الأمم العربية في الاحتياط للموقف بعد جلاء الإنجليز عن فلسطين .
وسارت حكومة السودان على سياستها الخاصة ، فأخذت تؤسس جمعية تشريعية للسودان ، وعينت قاضيا سودانيا في المكان الذي خلا بإبعاد القاضى المصري ، بعد أن كان يظن أنه سيظل غير مشغول حتى تسوي المسألة الخاصة به بين حكومة مصر وانجلترا ؛ ورأت حكومة السودان عدم السياح لمراقب التعليم المصري في السودان بالعودة إليه ، لما نسبته له من اشتغاله بالسياسة ، كما قررت أخيرا إبعاد مدرس مصري لأنه أرسل برقية تهنئة لرئيس الوزراء يعاهده فيها بالسير وراءه في سبيل الجهاد .
فالأمر فيما يبدو قد أصبح غير هين ، فقد تجمعت فيه الشدائد وأحيطت مصر بسبل من المتاعب ؛ فمن توتر سياسي شديد بينها وبين انجلترا ، بما يستتبعه ذلك من تصرفات صريحة غير ودية ، ومن متاعب اقتصادية خطيرة ، ومن متاعب صحية ، ومن متاعب توجبها مسئولية مصر كدولة عربية .
وفي مثل هذا الجو الملبد بالغيوم قد يظن أن من السهل إضعاف مقاومة الأمة ، وصرفها عن غاياتها العليا ، وإشاعة اليأس بين الكثيرين من أفرادها ، ودفعها إلي الاستسلام والرضي بما لم ترض به من قبل .
ودعاة الهزيمة هؤلاء قد يجدون من المخلصين الناقمين على الحكومة الحاضرة ترحيبا لاتفاقهم معهم في غايتهم ، وهي إسقاط الحكومة القائمة
ولكن الأمر أخطر من سقوط حكومة وقيام أخري ، أو إبدال عهد بعهد ، فالأمر هو امتحان لمبلغ إيمان الأمة بمطالبها العادلة ، وصلابتها في الاستمساك بها ، وصبرها على الشدائد التى تلقاها في سبيلها .
فكل ملل من المقاومة وجزع من احتمال الشدة ، وتذمر بقليل من الضائقة ، معناه أنها لم تكن جادة فيما طلبته وأنها ترضي بما هو دونه .
ولهذا لا نري الأمر يعالج بهذا الذعر والضجر ، وإنما يعالج بالصبر والجد والثبات مع العمل .
فيجب أن توطد أنفسنا على أن انجلترا ستبلونا بألوان جديدة من المضايقات تستنفد بها صبرنا وتضعف روحنا ، وأن نستعد لاحتيالها ومقاومتها .
وقد قلت إن الأمر ليس مجرد صبر واحتمال ؛ فهذا الجهد السلبى أضعف الإيمان ، وإنما يجب أن يقرن ذلك بمجهود عملي إيجابي يقاوم كل حملة بدفاع منظم ؛ فإن حبست عنا الواردات نظمنا أمر إنتاجنا ! المحلى حتى يكفينا الضروري من حاجاتنا ؛ وإن حيل بين صادراتنا وبين مصانع لإنجليز التمسنا لها منافذ أخرى . وإن واجبنا الحقيقي الآن هو العمل في الداخل ومحاولة بناء مستقبلنا السياسي والاقتصادي علي جهودنا الذاتية ، ومجال العمل في ذلك واسع وثمرته محققة .
أما أمر الحكم فيجب أن نسويه بينا على أساس ترك الأمور لأقدر الناس على قيادة حركة الثبات والمقاومة المنظمة ، وأن يكون للأمة برنامج واحد تنفذه كل حكومة أيا كان لونها ، وأن تقوي هذه الأمة روحيا واقتصاديا ، حتى تستطع أن تصمد لكل ما يحاوله خصومها لتوهين عزمها وإضعاف مقاومتها ؛ وبهذا تتحقق لها الحرية والاستقلال بمعناهما الصحيح . إنا مع خصومنا في صراع الفوز فيه لمصابر الثابت الذي لا يهن ولا يضعف . (. . .)

