الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 462 الرجوع إلى "الثقافة"

واجبنا فى ظروف الشدة الحاضرة

Share

لما عرض رئيس الوزراء قضية البلاد على مجلس الأمن قال كل من تابع أقواله : لقد أحسن الدفاع وعرض القضية عرضا قويا .

ولما صدر قرار مجلس الأمن وكان سلبيا لم يؤيدنا ولم يخذلنا بل عجز عن الوصول في القضية إلي قرار فأبقاها في جدول الأعمال ، قال فريق : لقد خسرنا القضية ، وحملوا رئيس الوزراء تبعة ذلك ، وإن لم يبينوا موضع تقصيره . وقال آخرون : لقد ربحنا ، فقد أسمعنا العالم حججنا وظفرنا بعطف الكثير على أمانينا ، وإن تكن الظروف الدولية قد حالت دون وقوف تلك الدول في وجه انجلترا - وربحنا ربحا غير مباشر بخذلان انجلترا فيما أرادت أن يصدر من قرار في صالحها . ثم نحن قد نقلنا القضية إلى الميدان الدولي بعد أن كانت قضية ثنائية بيننا وبين الإنجليز . واقتنع أ كثر الناس بأن مجلس الأمن وجميعة الأمم وكل الهيئات الدولية ليست بالهيئات التي يعتمد عليها في إقرار حق أو إنصاب مظلوم ؛ فهي خاضعة لنفوذ الدول الكبرى متأثرة بالاعتبارات الخاصة لكل دولة مشتركه فيها ، وأننا لم نفد من عرض قضيتنا على المجلس إلا معرفة هذه الحقيقة التي لبثنا زمنا طويلا نخدع أنفسنا عنها ، وهي أن من لا يستطيع صون حقوقه بقوته الذاتية فلن

يجد عند غيره وسيلة الدفاع عنه والذب عن حياضه .

وارتقب الناس عودة رئيس الوزراء ليروا ما يخطوه من خطوات جديدة لمواجهة الموقف ، وكثر التساؤل في الصحف بعد عودته من مؤيديه ومعارضيه عما سيعمله .

ولم يكد رئيس الوزراء يعود حتى امتحنت مصر بمحنة الكوليرا التى وفدت على البلاد ، فاتجهت جهود الحكومة كلها لمكافحتها ، وشغل الناس بها وبأنبائها عن كل شئ ، وإن كانوا لا يفنئون من آن لآخر يعاودون التفكير في أمر البلاد وكيف يواجهون الموقف الحاضر .

وزادت الشدة خلال ذلك بإلغاء انجلترا لاتفاقها المؤقت معنا بشأن نصيبنا من العملة الصعبة وبخروجنا من الكتلة الاسترلينية ، فقيدت بذلك وارداتنا ، وتأثرت التجارة ، وبدأ بعض المشتغلين بالمسائل المالية يصورون الموقف في صورة قاتمة .

وتحرج الموقف في القضية الفلسطينية بما بدا من ميول قوية في جمعية الأمم للأخذ برأى اليهود في تقسيمها بين العرب واليهود ، وكان على مصر أن تشارك غيرها من الأمم العربية في الاحتياط للموقف بعد جلاء الإنجليز عن فلسطين .

وسارت حكومة السودان على سياستها الخاصة ، فأخذت تؤسس جمعية تشريعية للسودان ، وعينت قاضيا سودانيا في المكان الذي خلا بإبعاد القاضى المصري ، بعد أن كان يظن أنه سيظل غير مشغول حتى تسوي المسألة الخاصة به بين حكومة مصر وانجلترا ؛ ورأت حكومة السودان عدم السياح لمراقب التعليم المصري في السودان بالعودة إليه ، لما نسبته له من اشتغاله بالسياسة ، كما قررت أخيرا إبعاد مدرس مصري لأنه أرسل برقية تهنئة لرئيس الوزراء يعاهده فيها بالسير وراءه في سبيل الجهاد .

فالأمر فيما يبدو قد أصبح غير هين ، فقد تجمعت فيه الشدائد وأحيطت مصر بسبل من المتاعب ؛ فمن توتر سياسي شديد بينها وبين انجلترا ، بما يستتبعه ذلك من تصرفات صريحة غير ودية ، ومن متاعب اقتصادية خطيرة ، ومن متاعب صحية ، ومن متاعب توجبها مسئولية مصر كدولة عربية .

وفي مثل هذا الجو الملبد بالغيوم قد يظن أن من السهل إضعاف مقاومة الأمة ، وصرفها عن غاياتها العليا ، وإشاعة اليأس بين الكثيرين من أفرادها ، ودفعها إلي الاستسلام والرضي بما لم ترض به من قبل .

ودعاة الهزيمة هؤلاء قد يجدون من المخلصين الناقمين على الحكومة الحاضرة ترحيبا لاتفاقهم معهم في غايتهم ، وهي إسقاط الحكومة القائمة

ولكن الأمر أخطر من سقوط حكومة وقيام أخري ، أو إبدال عهد بعهد ، فالأمر هو امتحان لمبلغ إيمان الأمة بمطالبها العادلة ، وصلابتها في الاستمساك بها ، وصبرها على الشدائد التى تلقاها في سبيلها .

فكل ملل من المقاومة وجزع من احتمال الشدة ، وتذمر بقليل من الضائقة ، معناه أنها لم تكن جادة فيما طلبته وأنها ترضي بما هو دونه .

ولهذا لا نري الأمر يعالج بهذا الذعر والضجر ، وإنما يعالج بالصبر والجد والثبات مع العمل .

فيجب أن توطد أنفسنا على أن انجلترا ستبلونا بألوان جديدة من المضايقات تستنفد بها صبرنا وتضعف روحنا ، وأن نستعد لاحتيالها ومقاومتها .

وقد قلت إن الأمر ليس مجرد صبر واحتمال ؛ فهذا الجهد السلبى أضعف الإيمان ، وإنما يجب أن يقرن ذلك بمجهود عملي إيجابي يقاوم كل حملة بدفاع منظم ؛ فإن حبست عنا الواردات نظمنا أمر إنتاجنا ! المحلى حتى يكفينا الضروري من حاجاتنا ؛ وإن حيل بين صادراتنا وبين مصانع لإنجليز التمسنا لها منافذ أخرى . وإن واجبنا الحقيقي الآن هو العمل في الداخل ومحاولة بناء مستقبلنا السياسي والاقتصادي علي جهودنا الذاتية ، ومجال العمل في ذلك واسع وثمرته محققة .

أما أمر الحكم فيجب أن نسويه بينا على أساس ترك الأمور لأقدر الناس على قيادة حركة الثبات والمقاومة المنظمة ، وأن يكون للأمة برنامج واحد تنفذه كل حكومة أيا كان لونها ، وأن تقوي هذه الأمة روحيا واقتصاديا ، حتى تستطع أن تصمد لكل ما يحاوله خصومها لتوهين عزمها وإضعاف مقاومتها ؛ وبهذا تتحقق لها الحرية والاستقلال بمعناهما الصحيح . إنا مع خصومنا في صراع الفوز فيه لمصابر الثابت الذي لا يهن ولا يضعف .                                          (. . .)

اشترك في نشرتنا البريدية