نشب النزاع على رسالة الأدب منذ قرن من الزمان حين طلع الرأي الذي دعا الأدباء إلى النزول من برجهم العاجي إلى ميدان الحياة . وعلى الرغم من أن هذا الرأي الذي يدعو إلى الأدب الملتزم ، أي الأدب المكافح في ميدان الحياة خية معاونة الشعوب على التقدم ، أخذ ينمو ويشتد ، وتلتف حوله الانصار ، فإن معارضيه مازالوا أقوياء الشكيمة ، يناخون عن وجهة نظرهم بدعوي لا تزال تلقى اذانا مصغية ، دعوي ظاهرة الوجاهة ، واهية الأساس تستند إلى ضرورة ترك الادباء أحرارا في اضطلاعهم بمهمتهم ، تضرب اقلامهم خبط عشواء في الميدان الذي تقودهم إليه أهواؤهم . فحرية الأديب في زعمهم جوهر أعماله الأدبية ، والمصدر الذي ينبع منه فيض خاطره ومحاولة الحد من تلك الحرية تحتث لا محالة جذور دوحة الأدب ، فتجف أعوادها ، وتذيل أوراقها ، ولا يلبث أن يدركها الموات
ونحن نؤمن مع هؤلاء بأن الأدب لا يزدهر إلا إذا نعم بالحرية، وأنه يستحيل تسييره كالقطار على قضبان حديدية ولكننا نؤمن مع ذلك بضرورة نزول الأدب إلى معمعاني الحياة، ولا نرى تعارضاً بين ذلك الالتزام وبين الحرية. فالأدب الملتزم وليد العطف والرحمة، والغضب للحق، ومناجزة الظلم، والمشاركة العاطفية. في حين أن أدب البرج العاجي وليد الانطواء على النفس، والاستغراق في الأنانية، ونضوب خوالج النخوة والمروءة والنجدة. ومن الواضح أن السجايا الأولى ليست إلا سجايا الحرية والانطلاق، بينما الخصال الثانية خصال الرقي والأنزواء. فالحر الأبي لا يستطيع أن يسكت على الظلم فلا يعمل على دفعه، وعلى الشقاء فلا يعمل على تبديده، وهو لا يستطيع إلا أن يشارك من حوله فيما يشعرون به من أتراح وأفراح ، فإذا شارك شعبه في ذلك كانت نخوته وطبعه الحر أوسع مدى، وإذا شارك شعوب الأرض العاتية الخبيثة بلغ من تمكن الحرية منه المدى الأوسع ، وإذا كانت المشاركة في مشاعر الغير تمدداً وانطلاقاً، فإن الأثرة رقي واحتباس، لأنها تحصر صاحبها
في نطاقه الضيق بعد أن تحجب عنه فسحة الإنسانية وطلاقتها . ليست حرية الفنان في تركه منغمسا في ذاته يشطح قلمه وراء أهوائها الرخيصة الفانية أنى شاء ، وكيفما أراد ، ولكنها طبيعة فيه تخلع صفاتها السامية على أعماله .
ليست الدعوة إلى الأدب الملتزم دعوة إلى التحكم في رقاب الأدب ، ولكنها لفت لنظر الأدباء العاقلين إلى ما يدور حولهم من صراع بين كل من الخير والشر ، وكل من الحق والظلم ، فمن كان منهم حرا أبيا ، دفعته نخوته إلى الميدان ، ومن كان ذليلا تافها ظل يغني على ليلاه ، وليس هناك على الحالين قسر أو إرغام . والأديب الذي تتصل مشاعره بمشاعر شعبه والشعوب المناضلة في سبيل تحسين حالها ودفع الحيف عنها . تتسع حياته اتساع الإنسانية ، وتخلد فيها أما الأديب المنزوي في برجه . فلا تعدو حياته محبط نفسه ، ولا يستطيع أن يخلص من الضيق والملل والخوف من الفناء الذي يتهدده من كل جانب . ونحن لن نطلب من مثل هذا أن ينزل إلى الناس ويعيش كالناس ليجيبنا بأنه حر طليق لا يجوز لأحد أن يمس حريته ، ولكننا نبشره وهو مكبل بما يسميه الحرية ، بأن أدبه الفاني الذي لا يقرأه إلا من هم على شاكلته ، سوف تذروه الشعوب هيا ، حين تستطيع تحطيم قيودها ، ورفع الغشاء الذي أسدله المستبدون على عيونها .
إن النوائب تبصر الناس بالحقائق . وأحسب أن المحنة التى تمر بها مصر اليوم جديرة بأن تحسم الخلاف الذي نشب بين أدبائنا على مذهب الأدب الملتزم . فما من شك أن كل حامل قلم في مصر قد أفاق اليوم ، وأدرك الواجب لنلقي علي أكتافه ، ولم يعد ينظر إلى الأدب الذاتي الذي لا يعني فيه الكاتب إلا بذاته أو بأفراد آخرين أثرين على شاكلته لم يعد ينظر إلى مثل ذلك الأدب إلا نظرة استخفاف واستهجان . لقد كشفت محنتنا الحاضرة عن تفاهة ذلك اللون من الأدب . .
إننا لم نكف قط عن مطالبة أدبائنا بتحويل أدبنا الحالم إلى قوة فعالة تتأثر بحياة الشعب الصري فتؤثر فيه ، وتحييه
على رفع مستواه الفكري والأدبي والمادي . وإذا كانت هذه الدعوة لم تلق فيما مضي ما هي ثمينة من رعاية وعناية . فإن الظرف الحاضر قد هيأ الأسماع للإنصات إليها ، وهيأ النفوس لأخذها مأخذ الجد .
وكم من أديب أخطأ في فهم هذه الدعوة على حقيقتها ، فظن أن الأدب الملتزم هو الذي يصور شقاء الطبقة الفقيرة من المجتمع تصويرا آليا ، أو يردد صيحات سخطها شعرا أو نثرا ... لا، ليست هذه رسالة الأدب الملتزم ، ولكن رسالته تنحصر في تصوير كفاح المجتمع لنيل حريته ورفع مستواه ، ثم في تبصير ذلك المجتمع بمواطن قوته ومواطن ضعفه ، وفي تمكينه من مضاعفة قوته ومعالجة ضعفه ، ثم تمهيد سبيل تطوره . ودفعه إلى الأمام في تلك السبيل وتستطيع أن تختصر ذلك فنقول : إن على أدبائنا أن يكونوا في طليعة التطور ، وأن يقودوه إلى الأمام .
وكم من كاتب أو شاعر وقف وقفه على استثارة المظلومين وإلهاب حماستهم بتصوير فداحة الظلم وبشاعته . وحسب أن في الانتصار على هذه الناحية العاطفية الكفاية ، ولكن العاطفة التي لا تقوم على أساس من الإدراك والفهم تخمد في مثل السرعة التي يستغرقها اشتعالها ، ولذلك كان من حق الشعوب على الأدباء أن يعمل هؤلاء على تنوير الأذهان . والتبصير بالحقوق والواجبات ، والتحذير من حيل الغاصبين والنهازين ، وأن يكون رائدهم في ذلك إقامة عواطف الشعوب على أسس من الحق والعدل الواضحين . فالعاطفة التي يبررها العقل ويؤيدها ، تزداد على مر الأيام قوة واشتعالا .
إن آدابنا وفنوننا تطفئ على الأغلب جذوة الحياة في القلوب ، وتخمد نسمها في الصدور ، فالمستمع إلى أغنية من أغنياتنا لا يلبث أن يذهل عن نفسه ، فهي تعزله عن الحياة ، وتبعده عن الواقع ، وتشطح به في عوالم من الأحلام الغريبة والأوهام الغامضة وليس تأثير ألحاننا وأشعارنا وقصصنا بمختلف عن تأثير أغانينا ، فكلها سواسية في تغليب الأوهام على الحقائق ، أما آداب الأمم الحية وفنونها فلا تنفث الحياة في صدور النيام فحسب ، ولكنها تضاعف قوتها وفتوتها ، إن تلك الآداب والفنون تعبير صادق عن الحياة المتدفقة المتطورة المتقدمة ، ولذلك تراها تساعد في رد فعلها على تدفق الحياة وتطورها وتقدمها ، وإذا كنا قد غفلنا فيها مضي عن شدة حاجتنا إلى مثل تلك الآداب
والفنون . فلا عذر لنا اليوم إذا ظللنا غافلين ... لا عذر لما إذا لم تبذل قصاري جهدنا في سبيل توجيه الأنظار وتهيئة الظروف لازدهارها.
وأختتم هذا النداء أو هذه الصيحة ، بنداء آخر عبرت به شعرا عما جاش في صدري . ولا احسب إلا أن كثيرين غيري يشاركونني فيما شعرت به ولا بد أن يدفعهم هذا الشعور إلي ضم صوتهم إلي صوتي في الإهابة بالأدب أن يؤدي واجبه المحتوم.
ضقت ذرعا بانفرادي ضقت ذرعا بخيالي
انزلوني من سموا تي الي دنيا الفعال
سئمت نفسي دنيا الـ ـوهم أو دنيا الضلال
ضقت ذرعا بخيــــــالي
لم لا أحيى كغيري وكما تهوي الحياة
أأنا منقطع المــــــــد ( م ) كما قال الغــــــــلاة
غرروا بي وأضـــــــلو ني فإذ عيشي فلاة
سخرت مني الحيـــــــاة
أنزلوني من ذرا الوهـ ـم إلي دنيــــــا الحقيقة
أنا لا أعدل بالوا قع وهمى وبريقــــــــــــه
باطل هذي الخيالا ت وأرجاف عتيقه
همت وجــــــدا بالحقيقة
كيف لا أهتم إلا بأراجيــــــــفي وذاتي !
وجموع الناس تشقى وتعاني في الحياة !
أأنا الشــــــاعر والشا عر يأســــــو ويواتي !
كيف أهتم بذاتي ؟!
كيف ألهي الناس بالزخـ ـرف والحرب تدور ؟
في سبيل العيش والدنـ ـيا بأهليـــــــها تمور ؟!
كيف ألهيهم وقد هد( م ) دهم خسف مثــــــــير ؟!
إنما الدنيـــــــــا تمور ...
إنما الحسن هو الحق ( م ) ولا حسن ســــــواه
إنني أعبــــــــــــــــده عشـ قا وأجفو ما عــــــــداه
ليس لي في عالم الحسـ ن هوى غير هواء
ليس لي غير هــــــــواه
أنزلوني من سمــــــــــائي أشركوني في الكفاح
إنما الشاعر رب الــ ـحق والقول الصراح
وهو لم يخلق للهـــــــو ومجـــــــــــــون ومراح
أشركوني في الكفاح

