هؤلاء جماعة من أبناء الصعيد العمال فى عمارة، وهذان زعيمان متقدمان عليهم. أحدهما هذا الذى استجلبهم من الصعيد ووصلهم بهذا العمل الذى خبره ووقف على سره فهو مرشدهم فيه وقائدهم، والآخر هذا الذى يغنى لهم أثناء العمل ما اشتد بهم العمل وما هان عليهم؛ فهو أكثرهم شعوراً بوحشة الغربة، وهو أشدهم شعوراً بوجوب الكفاح فى سبيل الرزق، وهو أشدهم تفاؤلاً ورضاً
بقضاء الله، وهو أشدهم نزوعاً إلى التعبير عن هذا كله، وهو أقدرهم على هذا التعبير، وأحلاهم فيه
فإذا وازنا بين زعامة المقاول، وزعامة المنشد، رأينا أن زعامة العيش تتستر وراء زعامة الروح والفن استحياء وتخاذلاً ما شبعت البطون، وما جرت الأرزاق فى نهجها الطبيعى، وما سار العمل على نمطه المرسوم. فهؤلاء الجماعة من العمال لا يذكرون أن لهم إماماً يتبعونه فى الحياة غير منشدهم إلا عند ما يطلبون الأجر أو العمل، وهم فيما عدا ذلك هائمون وراء شاديهم الذى يغنيهم، والذى يستدرج إلى نفوسهم ذكريات الماضى، ويقرب منها آمال المستقبل.
وفى ساعة من الساعات يفيض الشادى بالسحر والحنان والبهجة، فيرشف منها شعبه وينهل، وإذا بجمهور آخر من أبناء الصعيد أيضاً كانوا يمرون فى فراغهم بهذا الحشد السكران، فيتجمعون حول الشادين يشدون معهم، لأنهم حنوا إلى الصعيد مثلهم، واستوحشوا الغربة، وذكروا الأحبة وهاجت فى نفوسهم الآمال، وطاب لهم هذا الترويح الذى وجدوه فأقبلوا عليه يستروحون. وإن منهم من يقف كالمسحور يهزه الطرب ولكنه يعجز عن ترديد ما يسمع.
وفى ساعة أخرى يمر بهؤلاء الشادين جماعة آخرون شادون ولهم هم أيضاً زعيم يغنى على ليلاه وأتباعه يرددون؛ فإذا صادف الغناء الطارئ هوى عند الماكثين فهم أصدقاء وأحباء، فإذا رأوا فى الغناء الطارئ تعريضاً بمفخرة من مفاخرهم فهى معركة حامية قد تذهب فيها الأرواح
هذه صورة بسيطة من صور الزعامة الفنية وهى من الصور القليلة التى لا تزال قريبة من الطبيعة فى صدقها وانحصارها. وإن لها شبيهاً عند أبناء البلد من القاهريين، فهم لا يزالون يقيمون حفلات الغناء فى مشاربهم العامة، يقيم الحفلة مها مغنيان لكل منهما شعب يتبعه أينما حل، فإما يجد ما يصبو إليه من
احترام وتوقير، وإما يحمى زعامته وكرامته بالعصى... وثمة صور أخرى لهذه الزعامة التى تفرضها الطبيعة فرضاً، والتى لم تستطع الحضارة معها إلا أن تعممها فكان ذلك من حسناتها القلائل التى نجت من الصاحبات السيئات. من ذلك تلك الزعامات الفنية التى تقوم المطبعة والسينما والمسرح بالترويج لها، وبالطواف بها فى بيئات العالم المختلفة. فأدوات النشر هذه تذيع آثاراً فنية بين الناس، فتجد هذه الآثار الفنية من يطرب لها، ومن يرى فيها ترديداً لشىء كان يجول فى نفسه ويريد أن ينفثه منها، أو من يرى فيها شبيهاً لشىء رآه وأحسه، ولكنه لم يستغرق فى تأمله، أو من يرى فيها إمكان الحدوث على هذه الصورة من صور الجمال التى حققها له الفنان... وهؤلاء جميعاً عندما يرون هذا يشهدون للفنان الذى أسعدهم به أنه زعيم عليهم فيه، فمنهم من يتقرب إلى زعامته بفن فيه من روح فن الزعيم ويذهب مذهبه، ومن هؤلاء من يأبى إلا أن ينافس الزعيم حتى يتزعم هو، ومنهم من يرضى بالمتابعة، وأكثر الناس يرضون بالمتعة يصيبونها عند الزعيم الأصيل وعند المتزعمين وراءه، ومنهم من يهتم الاهتمام الكبير بالمناوشات التي تدور حول الزعامة. بل إن منهم من يثيرها ويشعل نيرانها رغبة منه في التلذذ بشهود الصراع الروحى الذى لا يكون من ثمرته إلا الرقى والذى لا ينبت
على جوانبه الغل ولا الحقد إلا حيث يكون النقص والعجز وتتسع الزعامة الفنية كغيرها من الزعامات كلما اتجهت إلى العموميات التى يشعر كل الناس بأن لهم صلة بها. فالأديب الذى يذكر الرحمة يجد فى الناس عدداً يطرب لذكرها أكثر من العدد الذى يجده أديب آخر يذكر منظراً خاصاً من مناظر الطبيعة لا يعرفه إلا القليلون من الناس هم الذى يعيشون عنده، وهم الذين يطربون لذكره إذا جرى على لسان الأديب. ذلك أن الرحمة عاطفة تدركها النفوس الإنسانية جميعاً، ولكن هذا المنظر الطبيعى الخاص لا يدركه إلا أهله فقط
وليس معنى هذا أن زعامة الفنان صاحب الجمهور الكبير افضل من زعامة الفنان صاحب الجمهور الصغير. فقد يحدث أن يستشعر فنان بمشكلات تزحف نحو الإنسانية من بعيد فيراها، ولا يراها معه من الناس أحد غيره، وعندما تمتلئ نفس هذا الفنان شعوراً بهذه البشائر أو النذر، وعندما يعبر عنها بفنه، فإنه قليلاً ما يجد
الناس الذى يتذوقون تعبيره ويوافقون عليه ويطمئنون إليه، وإنما يغلب أن تثور عليه الجماهير، ويغلب أن يتصدى له من زعماء الفن فى عصره من تقاعد بهم الحس فيزمونه بالعجز أو الخبل، أو الالتواء أو شتى هذه التهم التى يتقاذف بها المتقاطعون الذين لا يتفاهمون، والذين لا يريدون أن يتفاهموا. وكثيراً ما ينكمش الفنان السباق فى حنايا فنه وتلافيفه فيقضى ما يقضي من العمر وهو غريب عن عصره، حتى إذا ولى عن الحياة، وولى معه جيله وجاء بعده أناس قربتهم الحياة مما كان يراه ويتحدث عنه آمن هؤلاء به، واستعادوا فنه واسترجعوه، وأقاموه من أنفسهم فى مقامه الحق... وجعلوه هو الزعيم، فهم أحياء وزعيمهم ميت... وفى هذا ما فيه من عدل الثأر الذي له عند آبائهم الذين أنكروه، فهم كلما ذكروا زعيمهم وطلبوا له الرحمة لعنوا آباءهم لأنهم كانوا كافرين.
ويقابل هؤلاء الزعماء السباقين زعماء آخرون زعامتهم معكوسة فهم لا يقودون الجماهير، وإنما يجرون وراء الجماهير، وقد يد هؤلاء من وفرة التابعين ما لا يجده الواثبون الصاعدون. وهؤلاء الزعماء الأذناب لونان، منهم من تسوقه نفسه إلى استرضاء الجماعات لأنه يحب رضا الجماعات ولأنه بطبعه فرد من أفراد الجماعات لا يزيد عنهم حساً، ولا يزيد عنهم قدرة على التعبير، وإنما كل ما يميزه هو الجرأة على التعبير والانطلاق به. ومنهم من يتسقط هذا الرضا عند الجماعات ليتسقط معه الربح المادى والجاه والشهرة، وهذا أدنأ من صاحبه وأقرب إلى التجارة منه إلى غيرها. فالفنان في غير التجارة لا يعبأ (بالزبائن) ولا يحسب حساباً لأذواقهم. أما التاجر وحده فهو الذى يستقصي طبائع الأسواق مستعرفاً أى البضائع يروج فيها وأيها يبور
وليس هذا من طبع الزعامة فى شىء، وإنما هو من ملق العبيد الذى تضيق عنه أخلاق الفن. وإنما أمانة الزعامة تقتضى الإرشاد والإصلاح والتحسين. فإذا كان الجمهور متردياً فى رذيلة من الرذائل فليس زعيماً ولا هادياً من لم ينقذه منه. وكما أن الجماهير تتردى فى رذائل خلقية، وفى رذائل عقلية، وفى رذائل اجتماعية، فإنها تتردى كلك فى رذائل حسية يجب على من يحمل لواء الزعامة الفنية فيها أن ينقذهم منها أو أن يحاول إنقاذهم على أقل تقدير مادامت هذه الزعامة سبقاً فى الحس، وسبقاً في التعبير... وإلا فهى
لا شيء... أو هى تلك الأنانية الفنية الضيقة التى ليس لها شأن إلا بصاحبها فقط
أما الرذائل الخلقية والاجتماعية والعقلية فهى الأغلاط الإنسانية التى يعالجها أصحاب الفضيلة الإصلاح الاجتماعى والناهضون بالعقل المؤدي إلى العلم النافع... وأما الرذائل الحسية فهى التى ينفضها الفنانون عن أنفسهم بالسليقة أو بالتدريب الحسي فيزيحونها كذلك عن نفوس الذين يتابعونهم فى إحساسهم ويتتلمذون عليهم فيه، والذين يشابهونهم فى طريق التعبير عنه. ومن أمثلة هذه الرذائل الحسية ما تعانيه البشرية اليوم من استعار التعصب للقومية المادية، فهو وإن كان مما تلزم إثارته عند الشعوب الضعيفة حفظاً لكيانها بين الشعوب القوية المتعصبة؛ فإنه مما يجب أن يكافح وأن يقاوم بكل وسائل الكفاح والمقاومة عند الشعوب القوية، لأنه لا معنى له إلا الانحطاط بالمثل البشرية العليا، إلى حيث تكون أدنأ المثل وأضيقها رحاباً وأقذرها أهدافاً.
والفنانون الذى ينتظرهم العالم اليوم لينقذوه من هذه الرذيلة هم الفنانون الذين يحسون القبح فى هذا الإحساس ويشمئزون منه ويدعون إلى فض هذا النزاع المادى المتستر تحت قناع القومية ولابد أن تبدأ دعوتهم بأن يشعروا شعوراً صادقاً بأن الإنسانية حين تقدمت بعقلها وعلمها في طريق الحضارة الماثلة الآن تلكأت أو انتكست فى سعيها الحسى، فلم توازن بين هذا التقدم فى الحضارة وبين ما كان يجب أن يصاحبه من الإحساس الذى يشمل البشرية كلها كما استطاعت الحضارة أن تربط أطراف العالم بعضها ببعض وأن تخلط الشعوب بعضها ببعض، وأن تصل العقول بعضها ببعض، بحيث أصبح اليابانى يعرف كل ما يعرفه الإنجليزى من المعلومات، وبحيث أصبح الأمريكى يقرأ ما يقرأه الأسترالى من الكتب وبحيث أصبح التركى يدرك ما يدركه النرويجى من الحقائق العلمية...
ولكن إحساس اليونانى لا يزال بعيداً كل البعد عن إحساس الإنجليزى، وشعور الأمريكى لا يزال بعيداً كل البعد عن شعور الأسترالى، والمثل العليا التى يجرى التركى وراء تحقيقها لا تزال مختلفة كل الاختلاف عن تلك المثل العليا التي يسعى النرويجى اليها؛ وليس ذلك إلا لأن الفنون قصرت حيث نشطت العلوم، ولأن
إحساس البشرية تبلد حيث التهب عقلها. وما كان عقل البشرية ليهديها إلى الخير وحده، فلابد له من إحساس وأخلاق يسير فى مصاحبتها إلى هدف الهدى
على أن هذا لا يصح أن يدفع اليأس إلى نفوسنا من صلاح الناس، فإن بذرة النجاة موجودة، وطريق السعادة ممهد قد رسمه الإسلام. وليس ينقص الإنسانية اليوم إلا فنانون مسلمون يضربون بإلحاح على ذلك الوتر المشجى الذى عزف عليه القرآن أول مرة فرتل قوله تعالى: إن أكرمكم عند الله أتقاكم. فمتى شاع هذا الإحساس فى الناس شاعت فيهم السعادة. وقد كاد هذا الإحساس يشيع لولا أن انقسم العرب على أنفسهم فأصبحوا مشارقة ومغاربة، ولولا أن استعصمت أوربا بتعصبها، فألحت فى محاربة المسلمين الذين نزلوا الأندلس ومضت فى الحرب إلى أوائل هذا القرن حتى احتل اللورد اللعين فلسطين فقال: اليوم فقط وضعت الحرب الصليبية أوزارها.
على أن الإنسانية قد بدأت تحس هذا الإحساس النبيل، وإن كان يداخل نفسها فى هدوء وفى بطئ، وإن كان عقلها ولسانها لا يزالان ينكرانه. ولولا هذا الإحساس لاشتبكت الدول فى الحرب منذ عام أو منذ عامين، ولكن هذا الإحساس هو الذى يكتف القادة من غير أهل الفن، ويمنعهم من توريط أنفسهم بإعلان الحرب لأنهم يكادون يكونون مؤمنين بأن الشعوب أصبحت لا تتغاضب ولا تتقاتل جرياً وراء فكرة القومية المكذوبة؛ ولأنهم أصبحوا يرون أن الأفراد اليوم يعتزون بحياتهم، وبمتعة الدعة أكثر مما يعتزون بالرغيف.
وليست الشهادة الحرفية بتوحيد الله، والاعتراف الحرفى برسالة محمد هى كل ما نطلبه، وإنما نطلب لسعادة البشرية الإيمان بوحدانية الله إيماناً يتطرق إلى كل عمل وكل قول مما يعمل المؤمنون ويقولون، والإيمان برسالة محمد إيماناً ينفى كل ما يراد به تفضيل طائفة من طوائف البشر ورفعها على الطوائف الأخرى؛ فإن محمداً لم يكن يرى فضلاً لعربى على عجمى إلا بالتقوى
هذا هو الفن الجديد الذى تريد الإنسانية اليوم. وقد يجود به عليها مسلم، وقد يجود به نصرانى، وقد يجود به يهودى ممن تتسع أذهانهم وتصفو نفوسهم فتحب إلى جانب المادة ما هو خير من المادة، بل قد يجود به وثنى مثل غاندى
وقد كان طبيعياً أن ينعقد اللواء للزعامات القومية فيما مضى وأن تصطبغ حتى الزعامات الفنية بألوانها فى أقتم درجاتها لأن البشرية لم تكن قد التحمت هذا الالتحام الذى تشابكت به اليوم؛ فلم يكن عجباً أن يكون زعيم القبيلة هو فارسها وهو شاعرها كما كانت عنترة العبسي فى قومه مفخرة لهم، له اليد الطولى في مجدهم الحربى ومجدهم الفني أيضاً... ولكن منذ بدأت الآفاق تتفتح أمام المجموعات البشرية حق عليها أن ينفتح إحساسها حتى يحيط بكل ما تضرب فيه الحياة وحتى يلم بكل ما يضطرب فيها
ولا ريب أن الإنسانية قد انتبهت إلى هذا الآن، فقد قضت وقتاً طويلاً وهى تجرب هذه الدعوات التى تهتف بالقوميات والعصبيات المادية فتبين لها أنها دعوات ضعيفة عاجزة منافقة أما ضيقها فتابع لضيق البيئات التى تصلح لانتشار كل منها، وأما عجزها فتابع لما تستدعيه من التنفير الذى ينفث الكراهية فى نفوس الناس فيرجم بعضهم بها بعضاً، وأما نفاقها فظاهر فى أتباعها كما أنه ظاهر فى ميوعتها وحيرتها وتناقضها مع نفسها، فقد كانت للإنجليز قومية يدعون إليها ويفخرون بها، وكان منهم من أسرع إلى أمريكا فاستوطنها ثم أبى أن يخضع لسلطان وطنه الأول فانقلب على قوميته وأنشأ مكانها قومية أخرى يحبها ويناضل فى سبيلها لأنها تتصل بالأرض التى يعيش عليها ويأكل منها، ولا أكثر. وهذا ما حدث للأسبان الذين نزلوا أمريكا الجنوبية فقد انقلبوا على إسبانيا أمهم الأولى؛ ثم انقلبوا على أنفسهم واستأثر كل جماعة منهم بقطعة من الأرض... وهذا يثبت أن فكرة القومية والوطنية المادية ليست من الشرف فى مكان يعلو على المادة ويتسامى عليها، وما من شك فى أن (قومية الفكر)
أو (قومية الفن) خير منها. ويتضح فضل الروحانية بمراقبة هذه القوميات المادية عندما يحتك بعضها ببعض فإننا نرى أن المادة والشغف بها يزيدان الصراع بين الناس استعاراً بينما المذاهب الروحية كلما توغلت فى نفوس الناس على أساس من الصحة والسلامة ومجاراة الطبيعة والبعد عن التكلف كان ذلك أدعى إلى تقارب البشر، وزيادة تفاهمهم وتعاونهم
فالفن إذن ليس زعامة فقط، وإنما هو أرقى الزعامات ليت الداعين إليه يزيدون فى الناس، وليت دعوتهم تذيع!

