دعوات فى انجلترا على شاى أو عشاء بين إيدن وستيفنسون وهاو ، وأحيانا بينهم وبين عمرو .
مقابلات .
تعقدت الأمور .
ستتدخل أمريكا .
رئيس الوزراء يقول : لا جديد فيما يعرض .
تشرشل متمسك وإيدن متساهل
ليست المقترحات البريطانية نهائية ! بل قابلة للتعديل
إنجلترا تنتظر المقترحات الجديدة المصرية .
وهكذا تدل المفاضات على أن طريقة انجلترا هى أن تسير فى المفاوضات قدما .
ف ٣،٢٠١ - إلى تسعة . فإذا انتظرت منهم كلمة عشرة عادوا ثانية فقالوا : ( ١ )
وتدور الدورة من جديد كما بدأت . إن شئت فارجع إلى المفاوضات مع سعد وعدلى وعبد الخالق ثروت والنحاس وصلاح وما لا يعلمه إلا الله ! .
وأحيانا يقولون ( عشرة ! ) ولكن يشترطون فى العشرة شروطا حتى تعود (١ ).
فهم دائما يدورون فى حلقة مفرغة .
وتتفق انجلترا وفرنسا على خطة واحدة للاستعمار ، لتحكم فرنسا تونس والجزائر ، وتستعمر انجلترا مصر ، وتشترطان ألا تتقدم إحداها خطوة إلا برضا الأخرى .
قال الفتى لأستاذه : أتستطيع أن تصوغ من المفاوضات عبارة كعبارة النحويين فى مسألة الكحل إذ قالوا : ما رأيت أحدا أحسن فى عينه الكحل منه فى عين زيد ؟ ! قال الشيخ : نعم ! تقول هكذا :
ما رأيت أحدا أسمج فى يده المفاوضات منها فى يد الإنجليز.
قال الفتى : أو تستطيع أن ترمز المفاوضات كما رمز الفقهاء الحنفية فى مسألة البئر ، إذ رمزوا إلى نجاسة الماء أو طهارته والحيوان الذى وقع فيه فمات أهو طاهر أم نجس بقولهم : مسألة البئر جحيط ، وهى ترمز إلى بئر وقع فيها حيوان ومات ؟ فهل الحيوان نجس أو طاهر ، وهل الماء نجس أو طاهر ؟ !
قال الشيخ : تأدب يا فتى ! الرمز هو الرمز والحروف هي الحروف ! فالجيم هى الإنجليز ، والحاء والطاء :حاورينى يا طيطا !
قال الفتى : أو استطيع أيضا أن تشبه المفاوضات المصرية - الإنجليزية بتشبيه رياضى ؟ ! قال الشيخ : نعم! أتعرف شيئا اسمه الكسر الدائر ؟ ! قال الفتى : لا ! قال الشيخ : إن الكسر الدائر هو الذى ينشأ من قسمة شئ على شئ ثم لا ينتهى ، كما إذا قسمت مائة على ثلاثة (100/3) فالناتج ثلاثة وثلاثون ، ثم ثلاثة إلى ما لا نهاية ! فالمفاوضات إن شاء الله ستدور إلى ما لا نهاية ! قال الفتى : وما نظيرها فى الفلسفة ؟ قال الشيخ : ألا تعرف أن الفلاسفة يقسمون الشئ إلى ماله نهاية وما لا نهاية له ؟ ! وإلى محدود وغير محدود ؟ ! فالمفاوضات المصرية الإنجليزية مثل جبد لغير المتناهى وغير المحدود !
قال الفتى : فما نظير المفاوضات فى الكيماء ؟ قال الشيخ : إن الإنجليز مهرة فى الكيمياء : ألا تراهم يحورون الشئ تحويرا بسيطا ، يمس العرض ولا يمس الجوهر ، ثم يسمونه اسما جديدا ، يتلقى بالقبول عند الغفلين ؟ ألا تراهم حولوا الاستعمار إلى الانتداب ، والانتداب إلى دفاع مشترك ، والمدلول واحد ، والألفاظ مختلفة ؟ فكذلك هم ، قد قالت جرائدهم فى الأيام الأخيرة إنهم يحاولون أن يضعوا صيغة جديدة بشأن السودان ترضى المصريين ، كأن الجوهر مفروغ منه ، والمسألة مسألة صيغة ! قال الفتى : أتعرف نظير المفاوضات أيضا فى علم الكلام ؟ قال الشيخ : أما سمعت بالدور ؟ قال الفتى : لا ! قال :
أن يتوقف الشئ على شئ آخر ، ويتوقف الآخر على الأول ، كقول الشاعر :
مسألة الدور جرت بينى وبين من أحب
لولا مشيى ماجفا لولا جفاء لم أشب
فالمفاوضات مثل من أمثلة الدور . تبدأ من الأول وتنتهى إلى الآخر . فنري الآخر دائرا على الأول . والدليل على ذلك : أنه كما لا ينتهى الدور لا تنتهى المفاوضات !
فلعبة المفاوضات تدور على تشرشل أحيانا ، وتشرشل يدور على إيدن ، وإيدن يدور على هاو ، وهاو يدور على تشرشل من جديد ، والكل يدورون حول أنفسهم ، والنظارة يشمللون من هذه الدوارة
قال الفتى للشيخ : أفادكم الله ! وأطال عمرك طول المفاوضات ! ولا حرمنا من جميل تفسيراتك ، وحلو فكاهاتك .
ويظهر مما سألته وشرحته أن الأمر لعبة ، ستنكشف آخر الأمر ، وسيتحقق أن السياسة الأولى كانت أفهم لعقلية الإنجليز من السياسة الثانية .
ورحم الله الشاعر القديم ، إذ قال : " لا ذنب لى قد قلت للقوم استفتوا " .
