كان الضياء السمح يمرح بين أغصان النخيل
وأنا أسير مرنح الاشواق من خمر الأصيل
متلفعا بالنور آونة , وبالظل الظليل...
وكما أتي , ذهب الاصيل , كأنه نغم جميل
فتسلق النور الذرى مترقبا وقت الرحيل
حتى إذا وفد المغيب طواه فى صمت جليل
فمضيت لا أدرى لأية غاية , ولأى قصد !
فلقد مضى غنى الأصيل بنوره... وبقيت وحدى
وأتى المساء , فهللت روحي لأسرار المساء
ومضت تهيم , وملؤها ظمأ إلى نبع الخفاء
محورة بالصمت يرسل لحنه ناى الفضاء
مسحورة بالغيب يدعوها ويمعن فى الدعاء
حتى إذا انتفضت , وكاد السر يدركه الرجاء
ذهب المساء كأنما ارتفعت به أيدى السماء
فمضيت لا أدرى لأية غاية , ولأى قصد !
فلقد مضى عنى المساء بسره... وبقيت وحدى
ولكم بدا ماأرتجيه , وكم توارى بالحجاب
ولكم أتى ما أشتهيه , وآب ميكى الإياب
حتى الذين نسيت عند لقائهم ذكرى عذابى
صحبى ، ولم أعرف أعزمن الحياة سوى الصحاب
ذهبوا كما ذهبت أمانى النفس فى فجر الشباب
وبقيت أحيا بعدهم مثل المحير فى الضباب
أمضي ولا أدرى لأية غاية , ولأى قصد ؟
فلقد مضى عني الصحاب كما أتوا وبقيت وحدى !
حتى التي غنى بها قلبى , فغناها الوجود
ومنحتها ما تشتهيه من الحياة , وما تريد
نسيت غرامى , حين طاف بقلبها حب جديد
يا هذه : كيف استباح الحب أفاق طريد ؟
وعلام أجني الشوك فى حبى ، ومن غرس الورود؟
وعلام أذهب فى الحياة كأننى نغم شريد ؟
أمضى ولا أدرى لآية غاية , ولاى قصد ؟
فلقد مضى عنى الحبيب بحبه .. وبقيت وحدى
وأرى الشباب , ربيع أيامى , يقارب أن يضيع
فتموت فى قلبى الحياة , وقد خبا وهج الربيع
وأحس عمرى زهرة جفت على أيدى الصقيع
فأظل مطوى الضلوع على أسى يفرى الضلوع
أتذكر العهد الذى ولى وليس له رجوع
وأعيش فى روحي كآبات , وفى قلبى دموع
أمضى ولا أدرى لآية غاية , ولاى قصد ؟
فلقد مضى عنى الشباب بدفئه .. وبقيت حدى !
يا ويح قلبى , حين يقبل فى غد شبح الفناء
وأنا المعذب فى الحياة , أظل أرغب فى البقاء !
لكن إذا نزل القضاء , فلا مفر من القضاء
هذا أنا .. نعش يسير مشيعا بالأصدقاء
هذا أنا ...جدث تمر عليه أقدام العراء
هذا انا ...جسد يعود إلى الثرى , من حيث جاء
هذا مصيرى ! بل مصير الناس من قبلي وبعدى !
فعلام اجزع إن تخطفنى الردى , وبقيت وحدى ؟
