الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 211الرجوع إلى "الرسالة"

وثيقة دبلوماسية فرعونية

Share

أضحت مواثيق الاعتداء من أهم عناصر السياسة الدولية  الحاضرة؛ ولكن هنالك ما يدل على أن هذه المواثيق التي  استحدثتها السياسة الدولية بعد الحرب، ليست من ابتكار  الدبلوماسية الحديثة وحدها، ففي تراث المصريين القدماء ما يدل  على أنهم عرفوا مواثيق الاعتداء قبل آلاف الأعوام؛ وهنالك  وثيقة مدهشة من هذا النوع عثر عليها الأستاذ دنكان العلامة  الأثري الأمريكي ترجع إلى نحو ثلاثة آلاف عام، وتعتبر بحق  أقدم وثيقة دبلوماسية وصلت إلينا وهذه الوثيقة عبارة عن نقش على صفحة فضية يحتوي على

نصوص ميثاق بعدم الاعتداء عقد بين الملك رمسيس الثاني وبين  ملك الحيثيين خيثاسار، وذلك في القرن الثالث عشر قبل الميلاد ومن  الغريب أن هذه النصوص لا تبعد كثيراً عما تستعمله الدبلوماسية  في عصرنا عدا بضع فروق وصيغ يسيرة؛ فعنوان الوثيقة  مثلاً هو: (ميثاق سلام وأخوة دائمة) ، ويلي ذلك نصوص  الميثاق وهي مدمجة في ثماني عشرة مادة هذه أهمها: (يتعهد  الحيثيون والمصريون كل قبل الآخران أن يلجئوا في تسوية جميع  الخلافات التي تنشأ بين الدولتين إلى الوسائل السلمية وألا يلجئوا  في تسويتها إلى القوة والعنف) . فأي فرق بين هذا النص وبين  النصوص المماثلة في مواثيق عدم الاعتداء المعاصرة؟ أما ضمان  التنفيذ في هذا الميثاق القديم. فقد رجع فيه إلى ما يتفق وروح  العصر الذي وضع فيه؛ ومن ثم فقد نص فيه على ما يأتي: (إذا  ارتكب أحد الفريقين المتعاقدين ما يخالف هذا الميثاق الأبدي،  فقد حلت عليه لعنة جميع الآلهة المصرية والآلهة الحيثية)

ولم يقل لنا التاريخ القديم كم دام مفعول هذا الميثاق بين  الفريقين المتعاقدين؛ ولكن الأستاذ دنكان يؤكد لنا أنه قد  دام بلا ريب اكثر مما دام مفعول ميثاق تحريم الحرب الأمريكي  بين الدول، أو ميثاق لوكارنو بين ألمانيا والحلفاء السابقين

وإن هذا الاكتشاف لأقدم وثيقة دبلوماسية يضيف آية  جديدة إلى تراث الفراعنة. وما يزال هذا التراث كل يوم  يتكشف عن عجائب وحقائق جديدة تدلل على ما وصلت إليه  الحضارة الفرعونية في النضج وروعة الابتكار.

اشترك في نشرتنا البريدية