لا أزال أشعر بإخفاق
وأي إخفاق أشد من الدرس التهكمى الذي القي علينا في منزل صديقنا " دابني " ليلة امس ؟ ولعل العزاء الوحيد هو أن جميع من شهدوا هذا الدرس ، قد شعروا مثلي بمرارته . .
لقد بدأ الحديث سهلا واضحا ، ثم انتهينا إلي الكلام عن خوارق العادة ، عن هذه الأمور التي تحدث عادة بلا أسباب ، أو بأسباب تدق عن أفهامنا ، عن هذه الأمور التي لا طائل تحتها أكثر من الطرافة والغرابة وطال الجدل والنقاش ، وأفضى كل بما لديه مؤيدا أو منكرا ، في أسلوب مرسل لا تأثير فيه
وكان في المجلس رجل قصير القامة ، أبيض الوجه . فلق النظرات ، لم أكن رأيته من قبل ، ولم أكن أعرف عنه أكثر من أنه حضر إلي مجلسنا مع صديقنا " رودسون وايت " . وكان هذا الزائر الغريب يصغي إلي كل متكلم في انتباه ، دون أن يساهم معنا في الحديث . .
وأراد صديقنا " دابني " أن يبدد غربته ، وان يشركه معنا ؛ فالتفت إليه وسأله عما إذا كان لديه ما يساهم به من تجربة أو قصة ذات فكرة غامضة تتعلق بالأمور الخارقة للعادة فيذكرها .
وكان هذا التصرف من جانب ) دابني " قد راق الرجل ففكر لحظة ثم قال :
- ليس لدي قصة بكل معاني القصة ، وليس لدي كذلك شئ مما يرويه الناس ويتناقلونه كهذه القصص التي سمعتها الليلة . وفي اعتقادي أن الواقع امتع
من الخيال ، وكم في الحياة الواقعية من قصص تسمو علي قدرة الخيال . فإذا اقتنعتم بذلك أمكنني إن اذكر لكم قصة وقعت لي شخصيا ، ثم كان آخر فصل منها في هذا اليوم .
وشاقنا منطق الرجل ، وأظهرنا له اقتناعنا بوجهة نظره ، واستبدادنا لسماع قصته ، فقال
كنت أعيش منذ سنتين ، في منزل قديم بشارع " أورموند الكبير " علي مقربة من " هولبورن " ، وكانت حيطان غرفة النوم مشوهة بفعل الساكن السابق ، كما كانت رطبة تنتشر على حيطانها كثير من بقع الرطوبة التي يخالف لونها لون طلاء الغرفة ، وكانت إحدي هذه البقع تشبه كل الشبه وجه إنسان . .
وقد اعتدت - وانا مضطجع في الصباح بين النوم واليقظة والتلكؤ في القيام أن أراقب هذا الوجه علي الحائط ، حتى أخذت شيئا فشيئا انظر إليه كوجه إنسان حقيقي . على أن الشيء الغريب في ذلك ، هو أن هذه البقع البيضاء التي على الحائط ، كانت تمتد وتغير أشكالها ، ثم يبقي الوجه على حاله ، كما رأيته للمرة الأولى . .
وفي تلك الفترة أصبت بحمي شديدة ، ولما تمائلت للشفاء، منها ، كنت أقضي اليوم بين القراءة والتفكير في شأن هذا الوجه الذي استحوذ على ، وخاصة بعد ان بدأت أراه شيئا متميز الملامح والقسمات
ولا أخفي أنه شغلني وتسلط علي خواطري ليلا ونهارا ؛ وهيهات أن أنسي انحراف أنفه العجيب ، أو جبهته الفريدة في نوعها . لقد كان في الحقيقة وجها مليئا بالشخصية القوية ، والمعاني المعبرة ، وجها بقدر مثله بين آلاف الوجوه !
ثم غادرت الفراش بعد أن استكملت صحتي ، ولكن صورة هذا الوجه لم تبرح خيالي أو تفكيري ، فاضطررت
أن اجوب الطرقات والشوارع باحثا عن وجه كهذا الوجه . ربما كان في ذلك التصرف نوع من العبث الغريب ، ولكن نفسي كانت تحدثني أن الرجل الذي يحمل هذا الوجه حي يرزق ، وسوف ألتقي به
قد يسألني أحدكم : كيف ذلك ؟ ثم لا أجد لدي ما اجيب به اكثر من أن القدر قد ربط بيني وبين صاحب هذا الوجه برباط سحري عجيب ! وفي سبيل ذلك كنت اختلف كثيرا إلي حيث يحتشد الرجال ، كنت اتردد على المجتمعات السياسية ، وحفلات الكرة ، ومحطات السكك الحديدية ، حيث تتدفق قطر الضواحي على لندن بأفواج المسافرين في الصباح ، ثم تتلقاهم مرة ثانية في المساء . ومع كل ذلك ذهبت تلك المحاولات ادراج الرياح ، بيد أني عرفت من كثرة تصفح الوجوه ما لم اكن اعرف من قبل ، عرفت كم تكثر أوجه الخلاف بين وجوه الرجال ، وكم تجتمع هذه الوجوه الكثيرة المختلفة ، تحت أنواع قليلة تعد على أصابع اليدين
لم تصرفنى تلك المحاولات الفاشلة عن استئناف البحث ، حتى لقد بلغ امر ذلك بنفسي حد الجنون وإهمال كل ما عداه
ولقد دفعني هذا الفشل إلي مضاعفة السعي ، فكنت اتصدي للرجال عند منصرفهم من أعمالهم ، وفي أماكن محتشدائهم ، ثم أراقب وجوههم متفرسا فيها ، حتى حسبني الناس مجنونا ، وحتي بدأ رجال الشرطة يعرفونني ويشتبهون في ما كنت انظر إلي النساء وإنما كان نظري متجها دائما إلي الرجال ، والرجال فقط .
ولم يصل في قصته إلي هذا الحد حتي مسح بكفه على جبينه المتعب ثم عاد لإتمام قصتة فقال :
وأخيرا رأيته ! رأيته في سيارة عامة تنطلق به شرقا نحو "بيكاد لي" ، ولم أكد أراه حتي جريت مسرعا
بجانب السيارة ، ثم رأيت سيارة خالية مقبلة ، فناديت سائقها ، ووثبت الى داخلها وأنا ألهث واصيح به : اتبع هذه السيارة التي أمامك ، فانطلق السائق وراءها وهي تلوح على مدي البصر ، حتى وصلنا إلي " تشارنح كروس " فاندفعت من السيارة إلي المطار فإذا الرجل المنشود مع سيدتين وفتاه صغيرة يتهيئون للسفر إلي فرنسا في قطار الثانية والثلث بعد الظهر . . وحدثتني نفسى ان أسرع فأرتجل معه أي حديث ، فلعلى أظفر منه ولو بكلمة ، ثم حال دون ذلك وصول أصدقاء آخرين . وانضمامهم إليهم وسيرهم جميعا إلي القطار
أفلتت هذه الفرصة ، فأسرعت واشتريت تذكرة إلى " فولكبستون ، مؤملا ان ادركهم على ظهر الباخرة قبل ابحارها ، ولكنه سبقني في " فولكبستون " إلي الباخرة هو ومن معه ، ثم اختفي في غرفة تدل على ان الرجل ثري كبير
وهكذا أخفقت للمرة الثانية . . ولكني صممت ان احاول مرة ثالثة ، مطلا نفسى أنه قد يترك من معه ، ويخرج للرياضة ، عندما تتحرك السفينة . ولقد كانت نقودي التي لا تزيد على ثمن التذكرة ذهابا فقط إلي " بولون " كافية لان تثنيني عن عزمى ، ولكنى مع ذلك جلست انتظره أمام باب غرفته . . على أن انتظاري لم يطل ، فقد رأيته بعد نصف ساعة يخرج هو والفتاة الصغيرة . ولم يكد يقع نظري عليه حتى بدا قلبي يخفق ويتحرك ، وكأني به يهز الباخرة اكثر من محركها ! لم يكن لدى شك في ان وجهه هو نفس الوجه الذي يطالعني دائما في غرفة نومي ، فالخطوط والملامح والقسمات كلها واحدة !
ومما زاد في حيرتي انه عند ما رأني وقف برهة ينظر إلي ثم مشي ، فشعرت أن الفرصة قد عادت فسنحت ، فاذا
لم انتهزها الآن فلن أظفر بها بعد اليوم . ودفعتني الرغبة الخفية الملحة ، وما هي إلا خطوات حتى كنت أمامه اتمتم بهذه الكلمات : - معذرة سيدي ، هل يضايقك ان أسألك إحدي بطاقاتك ؟ إن هناك سببا قويا يدفعنى إلي التعرف بك ، فبدت على الرجل علائم الحيرة من هذه المفاجأة كنت متوقعا أن ينكر طلبي ويرفضه ، ولكنه بعد لحظة تفكير ومشاورة نفسية ، أخرج محفظته ونأولني بطاقة منها ثم أسرع هو والفتاة . ولكن لماذا أعطاني بطاقته بهذه السهولة ؟ لقد كان يبدو لي من موقفه ان الرجل يحسبني معتوها ، فرأي من الحكمة ان يجاريني ويصرف شروري عنه . .
لا استطيع أن أعبر لكم عن سعادتي بالبطاقة وقتئذ ، فقد ظننتها مفتاح هذا اللغز المحير ؛ لذلك اسرعت إلي مكان منفرد ، ثم وقفت أقرؤها ، ولست انسي تلك اللحظة ولا ما تالني فيها عندما قرأت علي البطاقة الكلمات الآتية : " مستر أورموند وول" ثم عنوان منزل لا أذكره - في مدينة بنسبورج الأمريكية
يالله ! ما هذا اللغز العجيب كيف يتكون اسم الرجل من كلمتين ؛ أولاهما اسم الشارع الذي أسكن فيه ، وثانيهما اسم الحائط التي يطالعني عليها الوجه الذي هو وجه هذا الرجل ؟
لا اذكر ما حدث لي إزاء هذه الألغاز التي تكشف عنها هذا اللغز ، بيد أني عندما افقت إلي نفسي وجدتنى في مستشفى مدينة " بولون " على حال سيئة لازمتني عدة أسابيع ، وقد عدت من هناك منذ شهر .
وصمت الرجل قليلا ، فنظرنا إليه ، ثم جعل كل منا ينظر إلي صاحبه في حيرة وانتظار ، فقد فاقت قصة هذا الرجل القصير الشاحب كل ما سمعنا من قصص في تلك الليلة ثم استأنف الرجل حديثه بعد لحظات فقال :
أجل ، عدت إلي منزلى في شارع " أورموند" الكبير ، لأعمل من جديد علي معرفة كل ما اقدر عليه من حياة ذلك الأمريكي الذي تدخلت في حياته على غير علم منه ! لقد كتبت إلي معارفى في " بنسبورج " وإلى بعض محرري الصحف الأمريكية ، كما عدت فوطئت علاقتي مع أصدقائي الأمريكيين المقيمين في لندن ، ثم كان كل ما حصلت عليه هو أن هذا الرجل ثري كبير ، وانه من ابويين انجليزيين عاشا في لندن ، ولكن أين ؟ هذا مالم أتلق جوابا عليه !
وتتابعت الأيام حتي صباح أمس ، فكان بدء الفصل الأخير من هذه القصة ! لقد أويت إلي فراشى ليلة أمس متعبا ، ثم صحوت في الصباح متأخرا ، فرايت أشعة الشمس تملأ الغرفة ، كان من عادتي أن انظر كل صباح إلي الحائط الذي يطالعني عليه الوجه الإنساني فأراه واضحا . ولم أكد انظر إليه هذا الصباح حتى وثبت منزعجا أمسح عيني بيدي واحدق فيه ! لقد كان في الليلة الماضية واضحا يكاد ينطق . أما اليوم فقد قل وضوحه حتى بدا كخيال نفسه !
لم أطق كل تلك الطلاسم والمعميات فخرجت وبرأسي دوار ، وبنفسى انقباض . كانت الطبعات الاولي لصحف المساء قد ظهرت ، فلفت نظري فيها - وانا اسير - هذا العنوان : " حادثة اصطدام سيارة ثري أمريكى كبير " - لا شك انكم رأيتم هذا العنوان أيضا فاشتريت الصحيفة ، وأطلعت في الحال علي النبأ فإذا هو :
" كان مستر أورموند وول اغني أغنياء بتسبورج وجماعة يقومون في سيارة برحلة من " سييزيا " إلي " بيزا " وفي الطريق اصطدمت السيارة بعربة نقل كبيرة فانقلبت بهم ، وحالة مستر وول خطرة ،
وهكذا زاد هذا النبأ اللغز تعقيدا علي تعقيد ، فعدت إلي منزلي مشتت الفكر ، خاثر القوي ، فاستلقيت على
الفراش ، ورحت انظر إلي الوجه الذي على الحائط كعادتي . وكم كانت دهشتي حينما رأيته فجأة قد تلاشي واختفي
وقد دفعني ذلك إلى القيام ببعض التحريات عن حادثة مستر وول حتى اهتديت إلي ان الوقت الذي فارق فيه الحياة هو الوقت الذي تلاشي فيه الوجه واختفي من مكانه على الحائط
ثم عاد الرجل إلي صمته الأول فقلنا
هذا شيء غريب إنه أمر خارق للعادة ولاشك . فقال الرجل :
نعم ، إن في هذه القصة ثلاثة أمور خارقة للعادة . أما أولها فهو : كيف أمكن لبقعة رطبة على حائط في منزل ايجار بلندن أن تكون وتظهر ملامح رجل ثري في أمريكا ، ثم يكون لها اتصال وثيق بحياة الرجل وموته ؟ ؟ لا شك أن أمام العلم مرحلة من الزمن حتى يستطيع ان يحل هذه المشكلة !
وأما الأمر الثاني فهو كيف يكون لاسم رجل ثري أية صلة بحائط المنزل الذي ظهرت عليه ملامح وجهه - بعامل خفي وباسم الشارع الذي فيه هذا المنزل ؟ أليس كذلك ؟
فلم يسعنا إلا أن نوافقه - ثم عدنا للمناقشة من جديد عن الظواهر الخارقة للعادة بحماسة زائدة بعد سماع هذه القصة المحيرة ، واستمر الجدل وطال حتي نهض صاحب القصة وقال : سعدتم مساء
ولكن حدث عندما اقترب من الباب ان قطع احد المجتمعين مناقشتنا الصاخبة - وأظنه سبانتون - بأن استوقف هذا الرجل وسأله :
ولكن ما الأمر الثالث الخارق للعادة الذي تشتمل عليه القصة ؟
فقال الرجل وهو يفتح الباب :
اه ، الأمر الثالث ! لقد نسيت أن أذكره حقا ! إن الأمر الثالث الخارف للعادة في هذه القصة ، هو انى اخترعتها لكم منذ نصف ساعة ! سعدتم مساء مرة ثانية !
لقد نال منا تهكم الرجل ، وأخذنا بعد أن عدنا إلي شعورنا نتلفت حولنا باحثين عن رودسون وايت ( الذي أحضر معه هذا التعبان الآدمي ليدهش افئدتنا ، فإذا هو قد اختفي أيضا . .

