الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 615الرجوع إلى "الرسالة"

وحدة الروح والهوى:

Share

أربعة من الشباب جمعت بين قلوبهم آمال حلوة، وعقدت  بين أرواحهم أواصر القربى آلام مرة، ولم شملهم صلات من  الفكر واتفاق النظرة إلى الحياة، ونزعات من خلجات الفؤاد.

كنا - ولانزال - نلتقي كل ليلة عند صديق لننفس عن  نفوسنا بما نعي من أحاديث، وبما نتداول من آراء، وبما نتطارحه

من أخبار الشعر والأدب: فنتعرض للحرب، وننقد الأوضاع،  ونقرظ الحسن، ونسخر مما يدعو إلى السخر

ففي ليلة من ليالينا اللاهية الجادة، أقبل علينا صديق، وبيده  الأعداد الأخيرة من مجلة   (الرسالة)  الغراء. فقلت: هاتها، هاتها،  هات مصر مثقفة، هات الينبوع السلسال! فقال: كلا ولكن  انصت؛ فصمت وصمت الآخرون، وراح صديقنا يقرأ:   (لاحت1 في جوانب العام المنصرم تباشير السلم كما تلوح في هوادي الليل  تباشير الفجر الكاذب، فانبعثت روافد الأماني هنا، وتحلبت  أشداق المطامع هناك، وابتهل العالم العربي إلى الله أن يوقيه  ويلات السلم، كما وقاه ويلات الحرب، فأوحى إليه أن يتحد. .

وهنا هتف صديقنا الأستاذ عبد القدوس الأنصاري: إنها  والله زياتية يا رفاق، فقلت: لعلك تعني هذه الفقرة من المقال،  فقال: أي والله، أمعن في قوله   (فأوحى إليه أن يتحد)  فصمتنا  جميعاً نتصور مبلغ ما أوتيت هذه العبارة من جمال

ومضى صاحبنا يقرأ حتى بلغ:   (ذلك وحي الضرورة نزل على  قلوب الساسة فصدعوا به، وعملوا له؛ وهنالك وحي الطبيعة  أوحته القرابة الواشجة، واللغة الواحدة، والوطن المشاع.  والتاريخ المشترك)  فصمت صاحبنا وقد غرقت عيناه بالدموع  وكان مؤثراً في قراءته، فالتفت إلى صديقي الأنصاري وقلت:  ماذا؟ فقال: حسب الزيات أن يبكي من جراء قلمه الأدباء! ثم وضع  جبهته على كفه وراح يفكر، وللأنصاري في عوالم الفكر سبحات

يا لروعة البيان! سطور ثلاثة تجمع كل روابط العرب في  بيان ضاحك باك، هذه الروابط التي يبعث ماضيها في النفس  سروراً وبهجة، ويسكب حاضرها الكسير في القلب لوعة وشقاءً!!!

سطور ثلاثة طوت التاريخ منذ خلق الله البشرية إلى اليوم  الذي نعيش فيه،   (فالوطن المشاع)  ما هو غير هذه البلاد العربية؛  مصرها وشآمها، ونجدها وعراقها وحجازها ويمنها وحضرموتها.

ما هو الوطن المشاع غير هذه المقاطعات المقسمة المحددة المبعثرة  المفرقة   (واللغة الواحدة)  ما هي غير لغة القرآن؟ ما هي غير

لغة الخلود، لغة الضاد أمنا الزءوم وعزنا القوي، ورجاؤنا الكريم؟ ما هي   (هذه اللغة الواحدة)  غير ما قلت وغير ما ثار عليه  صاحب المعالي عبد العزيز فهمي باشا؟ عفى الله عنه.

(والتاريخ المشترك) ما هو غير هذه الصفحات الوضاء بأسطار  المجد وآيات النضال؟ ما هو غير هذه السطور الشعاعة بالعظمة والخلو

ما هو هذا التاريخ المشترك غير ما نقول، ويقولون، وغير  ما يقرره الشرق، فيعترف به الغرب، ما هو غير هذا  وأكثر من هذا؟

وهذه   (القرابة الواشجة)  أليست مستقاة من الدين واللغة  والرحم والوطن.

فما نحن وهذه الروابط؛ أليست داعيا قويا إلى أن نتحد ثقافةً  ولغةً ووطناً؛ فنقوى بعد ضعف، ونعرف بعد جهل، ويقام لنا  ويقعد، بعد أن كنا غفلا من كل عناية لا يؤبه لنا،  ولا يقام لنا وزن!

لهذا فلنتحد. وقد أوحى الله إلينا بالاتحاد لننجو من حرب  ما بعد الحرب.

ورضى الله عنك أبا رجاء وأرضاك.

(مكة)

اشترك في نشرتنا البريدية