الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 234الرجوع إلى "الرسالة"

وحشة!

Share

ما أرى الينبوع في هذه الفلاه فالتمسه اليوم في أعماق نفسك!

أيها الغربانُ يا شؤمَ الربوعِ ... انعبي ما شئتِ في صدري وقَرّي

يُنشدُ الشاعرُ في عرسِ الربيع ... وأنا أَستلْهِمُ الوحشةَ شعري!

هذه الصّحراءُ ما بين ضلوعي ... كاد يُذوي شوكَها فرطُ صَداها

أَعولتْ في الصَّدرِ تَسْتَجدى دموعي ... فأبى مُسْتكبِرُ الدمع وتاها

هذه الصّحراءُ حولي أين سرتُ ... تفزعُ الجِنَّانُ من وحشتِها

قد عوى في جوِّها الويلُ المُشِتُّ ... وتنزّي الرملُ في شُعلتِها

تتعبُ الأَعينُ في آفاقِها ... كشراعٍ بينَ أَمواجِ العُباب

ويَضِجُّ الغمُّ في أعماقِها ... ضجَّةَ الأغلالِ في دار العذاب

يا لصحراوَيْنِ في قلبي وحولي ... أَتمنَّى فيهما لمعَ سراب

أنا ما بينهما أرقبُ ظِليّ ... فأَراهُ سَلوتي وسْطَ الرّحاب

أيّها الوحشةُ خَلّي العنكبوتْ ... تنُسجِ الأكفانَ في أحناءِ صدري

وانشري اللّيلَ على كهفي الصَّموتْ ... وأصبِغي باليأسِ والأهوالِ فجري

أَظمئي زهري وزيدي سَأَمي ... وارتعي في خاطري يا وَحشتي!

أنا منْ صمتِكِ أَغذو نَغَمي ... وَبِوَيْلاتِكِ أسقي جنّتي!!

إنّ غَمّاً لم يزلْ في الصّدرِ يُطوى ... هو كنزي ومَعينُ الشّعرِ عندي

لا تُهنْه أَيّها القلبُ بشكوى ... إنّ فيها هونَ آمالي ومجدي

إيهِ يا نضوَ الفلا حسبُك صمتا ... غّنِّ في الوَحدةِ أَلحانَ التَّصافي

لستَ بالشاعرِ يا قلبيَ حتّى ... تُطلعَ النّرجسَ من شوكِ الفيافي!

عَبَثاً تخرسُ في الصَّدرِ الّلحونْ ... أيّها المُصْحِرُ صَنّاً وإِباَء

أنت كالبلبلِ في هام الغصونْ ... عيشُهُ أَنْ يُسكرَ الروضَ غِناَء

يَتَمّنى الصّمت - لو كانَ مُتاحا - ... ضَرَمٌ في صَدرِهِ مُسْتَبْسِلُ

لا الجوى لا الغَمُّ لا الويلُ جِراحا ... تُسكتُ البلبلَ، عاشَ البلبلُ!!

أَيّها الضاربُ في عُرِضِ الصَّحارى ... تَتَمنَّى واحة تأوي إليها

عَبَثاً تطلبُ في الصّحراءِ دارا ... تطرحُ الأعباَء ما بينَ يديْها

أيها الهارب من دُنيا الجُحودْ ... إنَّ في صدرك أَنغامَ الوفاء!

أيها المُدلجُ في ليلِ الجُمودْ ... إنَّ في نفسكَ آفاقَ الضِّياء!

أيها الظمآنُ في هذا العَدَمْ ... أنتَ نبعٌ ترتوي منهُ الظِّماءْ

أنتَ فيه يائسٌ تشكو السَّقمْ ... وَهْوَ منْ يأسكَ يستسقي الرّجاء!

غنّ هذا الموتَ ألحان الحياهْ ...

وأسقِ صحراوَيْكَ من خَمرِة حِسِّكْ

ما أرى الينبوعَ في هذي الفلاهْ ... فألتمسهُ اليومَ في أعماقِ نفسِك!

(دمشق)

اشترك في نشرتنا البريدية