الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 185 الرجوع إلى "الرسالة"

وحى دار ابن لقمان

Share

نحن الآن فى ٢٢ صفر سنة ٦٤٧ هجرية , والقصر الملكى بجزيرة الروضة يموج بالامراء والعظماء والحاشية ؛ الكل يغدون ويروحون فى ردهاته الفخمة فى قلق شديد يكاد لايستقر احدهم فى مكان , وصاحب الجلالة الملك الصالح نجم الدين أيوب جالس على العرش تضطرب الدماء في شرايينته ؛ اعصابه طائرة , وقلبه يخفق خفقانا شديدا . إنهم جميعا ينتظرون النبأ الخطير . نبأ المعركة ، الدائرة رحاها حول أسوار دمياط . دمياط الواقفة كالسد المنيع أمام الجيوش الأوربية الصليبية وهى تتدفق كالسيل وتحاصرها بقيادة ملك فرنسا ( لويس التاسع ) ..إنها ليست حرب المسيحية والاسلام , وإن سموها كذلك , وإنما هى نضال الشرق والغرب الذى لم يخمد اواره منذ ان كان هناك شرق وغرب هى الحرب بين مصر العظيمة زعيمة الشرق والاسلام , وأوربابأجمعها؛ فى حرب بين الغرب الطامع والشرق المدافع !

نعم إن اول من دعا إليها هم رجال الكنيسة باسم الدين , ولكن الدين من دمائها براء ! فلم يخضها إلا ملك طامع فى توسيع ملكه , او امير يمنى نفسه بالذهب الوفير , أو فقير يطلب المال والغنى من بلاد النفائس والكنوز .

وبينما القصر الملكي على تلك الحال من الاضطراب والغليان اذا بفارس قد أنهكته وعثاء السفر أشعث أغبر يلهث من . الاعياء ويتصب عرقا يقتحم ردهات القصر وطرقاته متخذا سمته قدما نحو قاعة العرش . وطلب الاذن بالثول بين يدى صاحب الجلالة . فدخل الحاجب يعلن قدوم الرسول المنتظر ! انتفض الملك فى مكانه وحبس أنفاسه كأنما يتهيأ للنبأ الهائل ..

دخل الفارس والقي بالنبأ الخطير فى صوت اجش . فيه شجاعة وفيه ألم ٠٠٠ مولاي ! سقطت دمياط بعد معركة تشيب لهولها الولدان , ودفاع يشرف شهداءنا الابطال ! سقطت دمياط !!

كانت هذه العبارة خنجرا مسموما نفذ إلى صميم قلب الملك . سقطت دمياط ! وفى عهدى انا؟ ابعد ان كان جدى البطل صلاح الدين بدوخ جيوشهم فى ربوع سوريا وفلسطين , ويذيقهم مرارة الهزيمة المرة بعد المرة , يجرؤون اليوم على الدنو من العرين الذى طالما رجفوا لذ كره !؟ هكذا ناجى اللك نفسه فى حسرة ما بعدها حسرة ٠٠٠ تم امر الجيش بالتجهيز وسار على رأسه لملاقاة العدو المغير , وعسكر فى مدينة المنصورة , وقد اتخذها قاعدة لحركات الجيش

ولكن قلبه كان دائما يئن فى حشرجة المذبوح من أثر الطعنة التى أصابته عند ما ألقي إليه نبأ سقوط دمياط !! فما هى إلا فترة حتى اشتد عليه المرض , فحمل إلى قصره بجزيرة الروضة ؛ وهناك وبين يدى المرأة التي أحبها وأخلص لها " شجرة الدر " ام ولده وولي عهده غياث الدين توران شاه فاضت روحه إلى ربها وفى هذه اللحظة الرهيبة وقد نظرت شجرة الدر فاذا بمليك مصر وزوجها الأثير عليها مسجي على سرير الموت بين يديها , فتملكها الآسى على الفقيد العظيم , ولكنها سرعان ما أفاقت على صوت يهتف فى أعماق نفسها .. الوطن . الأعداء !... فولي العهد كان فى تلك الأثناء ببلاد الشام ولم يبلغه بعد نبأ الرزء الفادح . وها هو ذا العدو قد اقتحم أبواب البلاد متجها نحو العاصمة . فساءلت نفسها كيف يستطيع الجيش الثبات ومقاومة العدو إذا علم بموت الملك وفقدان الرأس المدبِّر ؟ وهل تقاوم البلاد بغير رأس ؟ إن الوطن فى خطر فلابد من الحكمة والتبصر .٠٠ وهنا لمعت فى خاطرها فكرة جريئة . لا . يجب ألا يعلم الجيش بموت الملك ... ثم خرجت من الحجرة وأشاعت أن الملك مريض ويرغب الايدخل عليه أحد ؛ وأرسلت إلى قواد الجيش وأمرائه ان الملك يأمرهم بالتأهب للقاء العدو المغير فى طريقه , بينما طيرت النبأ الى ولي العهد ببلاد الشام بالقدوم على جناح السرعة .

أخذت الجيوش الفرنسية تخوض فى أحشاء البلاد قاصدة المنصورة , والفزع يزداد يوما بعد يوم , والاستعداد قائم على قدم وساق فى هذه الساعة العصيبة حضر ولي العهد توران شاه فأطلعته شجرة الدر على كل شىء وتسلم زمام الملك . فجمع الملك

الشاب كل عزمه واصدر اوامره " للقواد , وعبأ الجيوش وتأهب لليوم العظيم ... هذا هو يوم الفصل , فاما نصر لاوربا والجيوش الصليبية يملكها مصر وبيت المقدس , بل وقلاع الشرق جميعا ويقضى على الاسلام فى دياره قضاء مبرما , وإما نصرلمصر يرد هذه الموجة الهائلة ويحمى ذمار الوطن والدين . وكم كانت مصر كالصخرة الهائلة تتكسر عليها أمواج الحملات الصليبية المتتابعة .!

ها هي ذى أوربا بعظمتها وجيوشها الجرارة كاملة العدة هائلة العدد ( كان جيش الصليبيين حوالى تسعين الفا ) وعلى رأسها ملك من أعظم ملوك أوروبا : لويس التاسع ملك فرنسا .

التحم الجيشان وبدأ الصراع الهائل : التقى صراع بين عدو مغير وبين أبطال يدفعون عن حمى الدين والوطن . وقد نفث فيهم المليك الشاب من روح الشباب وعزيمته , فاندفعوا كالليوث يقتلون بالأعداء ؛ و لما اشتد الضغط على العدو التفت حوله ليكشف مكانا للهرب , فما هاله إلا الماء قد حاصره من الخلف , إذ كانت الأوامر قد صدرت بفتح جسور النيل فتدفقت مياه الفيضانات من وراء الأعداء كالسيول الجارفة .. نظر العدو فاذا البحر قد حصره من الخلف والجيش الباسل قد اطبق عليه يرمى عن قلوب تشتعل حمية وحماسة للوطن والدين , وينظر الملك لويس والحسرة تنهش قلبه فيرى أشلاء جيشه تتطاير تحت مطارق الأذرع الحديدية من جنود مصر . هاهم اولاء جنوده بتساقطون فى الميدان حوله جماعات كالفراش . ومن طلب الفرار من شفرات السيوف ابتلعه اليم ..

.إذا بفرقة من الجيش المنتصر تتقدم نحو الملك"لويس ".. هاهم أولاء بعض الأمراء والفرسان المحيطين به يناجزونها مناجزة اليائس المستميت مدافعين عن مليكهم . ولكن ماذا تجدى شجاعة بضعة أفراد أمام جيش كله أبطال ؟ فما هى إلا جولة أو بضع جولات حتى كان الملك ومن بق معه من الأمراء جميعا فى الأسر !! وإذا بالجيش العرمرم قد انهار كما ينهار البناء الشامخ ..!!

انجلت المعركة عن فناء العدو وقد بلغ عدد قتلاه ثلاثين ألفا خلاف الأسرى , وكتبت آيات النصر بمداد غزير من الدماء . ما هو ذا الملك المعظم توران شاه يعود إلى المدينة تجاله أكاليل النصروالفخار , ويسوق وراءه فى السلاسل والاغلال ملك فرنسا

وأمراءها . الكونت دنجواى , والكونت داراتوار , والكونت دوبواتييه ! والكونت دوبواتييه ؟! يالروعة الذكرى التي يعيدها إلى الأذهان اسم هذا الكونت !! ويالسخرية القدر الذي ساقه                                                      يشهد بعيني رأسه كيف تثأر مصر لشهداء بواتييه " بلاط الشهداء سنة ٧٣٢ م " بعد خمسة قرون فى معركة تكسو فرنسا عارا يطغى على بريق بواتييه ويسجل فى تاريخ فرنسا بل فى تاريخ اورباكلها جبروت مصر وعظمة الشرق .٠

خيم الليل على دار ابن لقمان فى مدينة المنصورة حيث اودع الملك الأسير وأمراء بلاده وكان ليلا رهيبا . وفى جوف الليل يذكر الملك الأسير بلاده وجيشه ويجده وآماله المحطة والذل الذي يعانيه , فانحدرت الدموع غزيرة من عينيه , فخاطبه احد أمرائه الذين يشاركونه الأمر قائلا :( لقد نصحتك يا مولاي وقلت لك إن مصر عرين الشرق , وإن روح صلاح الدين العظيم لا زالت تغذى اشبالها , فابيت إلا بمحاولة ما اعجز قبلك امبراطور المانيا وريكاردوس قلب الأسد )؟! ،وهنا جلجل فى حنايا القاعة صوت الحارس الطواشى " صبيح " الذى و كل إليه حراسة الملك الأسير , قائلا :نعم , صدقت أيها الأمير ! ان أشبال الحمى وأبطال الوطن لتعد هذه الخاتمة لكل من رام مهام هذا الملك الأسير )

إن دار ابن لقمان لا تزال قائمة تنتظر الجيل الذي يعيد إليها حياة ابطالها . وإن من السواح الاوروبيين والفرنسيين على الاخص من يقصدون هذه الدار ليشهدوا بأعينهم ويسمعوا بآذانهم عظة من أبلغ العظات ودرسا من أقسى الدروس تلقنهم اياه مصر ؛ وإن الفرنسى الذى يتيه معجبا وخيلاء فى رحاب دمشق وربوع ميسلون (١) ليحنى الرأس إذلالا أمام دار ابن لقمان . ولكن كيف يحتفظ المصريون بهذا الهيكل من هياكل المجد والفخار ! إنهم وياللعار قد اهملوه شرإهمال تركوه نهب البلى والاقذار . وهاهى احجاره وجدرانه تصارع البلي فى أنفة وكبرياء ! فأية كرامة لأمة لا ترعى هياكل المجد ؟! وكأني بزوار الدار من الأوروبيين يقولون فى أنفسهم وقد نظروا إلى حالتها المزرية هذه (لوكانت لنا هذه

الدار لجعلناها كعبة يحج اليها الشباب والفتيان ليستمعوا أبلغ اناشيدالمجد والبطولة ترددهاجوانب هذه الدار , ولجعلنا منها رمزا خالدا على الدهر , تمجد فى رحابه ارواح أسلافنا الابطال وهى ترفرف محومة بين جدرانه ! ولكنها ويا للاسف المرير لشعب لا يرعى مجد آبائه !!)

إيه أيتها الدار ! !لقد خط المجد على جدرانك أروع آيات البطولة ؛ وفي رحابك سجن ملك من أعظم ملوك أوربا حاول اقتحام الوطن بجيشه العمرم فتلقفته سيوف الأبطال والأشبال , فإذا الجيش أشلاء تتطاير على شفرات السيوف وأسنة الرماح ، وإذا بالملك العظيم .. سجين جدرانك !!..

ألاخبرينا أيتها الدار , كيف شهدت أوروبا المتجيرة العاتية التى خرجت بجيوشها الجرارة لاذلال مصر ؟ كيف شهدتها يذرف . دموع الحسرة والتفجع , وانات الاسى والحزن , وهى ترسف فى قيود الأسر وذل الهزيمة . فى شخص " لويس التاسع " ملك فرنسا !!.

ألا تكلمى أيتها الدار , فكلمة منك توقظ الأسماع وتهز القلوب . لأنك تتحدثين بلسان من قد رأى وقد سمع !! ألا تكلمى , فكلمة منك تقشع عناكب النسيان والجهل التى خيمت على صفحات المجد والبطولة من سفر تاريخنا الحافل ..!

أبها المصريون ! ألا إن بقاء هذه الدار بحالتها الحاضرة المزرية لطعنة في صميم الكرامة المصرية والوطنية المصرية والشعور الحي لأمة تعرف مالها من كرامة ومجد وتاريخ ...

( المنصورة )

اشترك في نشرتنا البريدية