الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 31الرجوع إلى "الثقافة"

وحي البحر . .

Share

على صخرة مشرفة على البحر في " الكس " جلست وحدي .

وقد تؤنس الوحدة ما لا يؤنس الجمع ، ولكن ذلك لا يكون حتي تتخذ من نفسك صديقا ، وليس ذلك بالأمر اليسير ، فكثير من الناس اتخذوا من نفسهم عدوا ، يتناولونها دائما بالنقد والتجريح ، ويصغرون ما تأتي به من اعمال ، ويحقرون ما يصدر عنها من آراء وينظرون إليها نظرة ذلة وحقارة ؛ فإذا هم وانفسهم اعداء ، يهربون منها كما يهربون من خصومهم ، ولا يستطيعون ان ينفردوا بها طويلا ، كما لا يستطيعون أن يجالسوا أعداءهم طويلا ، فيلجئون إلي الأصحاب ، فان اعوزهم الأصحاب لجئوا إلي كتاب ، فان لم يجدوا كتابا فالي أي شيء إلا أنفسهم .

مصيبة كبرى ألا يصادق الإنسان نفسه ، لأن نفسك هي الئ الوحيد في العالم الذي لا تستطيع أن مهرب منه ، فقد تستطيع ان تهرب من زوجك ، ومن ابنك وبنتك ، ولكن لا تستطيع بحال أن تهرب من نفسك ولا بالموت ؛ فإذا كانت النفس عدوا كانت شر الأعداء ، وأثقل الأعداء ، لأنها عدو ملازم أثقل من الغريم الملازم .

والشعور بحقارة النفس وضعفها سم قاتل ، لا ينجح معه عمل ، ولا يرجى من صاحبه خير

والغرور والآنانية شر ، ولكن شر منه احتقار النفس وعداؤها والاشفاق عليها ، وتعذيبها الدائم بتأنيبها . وخير من هذا وذاك أن تقف منها موقف الصديق ، تشجعه إن أحسن ، وتعتب عليه في رفق إن أساء .

إن صادقت نفسك لذوت الوحدة ، ووجدت فيها متعة أيه متعة

والأنس بالوحدة فن كسائر الفنون ، يحتاج إلي مران طويل ومنهج شاق .

في أول ممارستها يشعر الإنسان بضيق أي ضيق ، ويحاول الهرب منها إلي كتاب أو صديق ، ثم لا يري في العالم شيئا يقرا ولا في نفسه معنى يبحث ، وقد تعرض له أثناء ذلك خيالات مفزعة ، وتصورات مجزنة ، ولكنه إذا صير علي الآلم وكرر التجربة تجلى له العالم ، وأوحي إليه بعمان جديدة قيمة . إذ ذاك يجد لذة في كل تفكير وعمقا في كل معني ؛ وإذ ذاك يعرف نفسه ، ويجد ربه ! وإذ ذاك تتجرد النفس من غرورها وكبريائها ، ويتبين لها جهلها ، فتخلص النية في ان تعرف فتعرف ؛ وإذ ذاك لا يشغلها ضوضاء العالم ، ولا نزيع بصرها المناظر الزائفة ، فيظهر لها الحق في جلا ، ووضوح ؛ وإذ ذاك تشعر بنوع من اللذة يفوق لذة تحصيل العلم من معلم او من كتاب ، وتشعر بأن الفرق بين النوعين كالفرق بين أن تنعم بمالك وإن تنعم بمال غيرك ، أو كالفرق بين من يجمع المال ومن يستخدمه في إسعاده .

ثم ماذا ؟

هذا هو البحر بجمالة وجلاله ، وديع حتي ليلعب به طفل ، جبار حلي ليرتعد منه اسطول ، صورة صادقة من صور الزمان في إقباله وتجهمه ، وابتسامه وعبوسه ومده وجزره ، ولينه وشدته . ما جلست امامه يوما إلا شعرت بلذة اليمه أو الم لذيذ ؛ أما اللذة فلجماله ، وكل جميل

ببعث السرور ، ويحيي الامل ، وينعش النفس ؛ واما الالم فلجلاله ، وامام الجليل تتخاذل النفس ، وتشعر بضعفها في جانب عظمته ، وتفاهتها بجانب جبروته ، وحقارتها بجانب جلالته ، وفنائها بجانب أبديته

فأمام الأنبساط لجماله ، والانقباض لجلاله ، تكون اللذة الأليمة أو الألم اللذيذ .

صبور لا ييأس ، مجد لا يمل ، يحارب الصخور الصماء فيغلبها بصبره ، وينال من قسوتها وصلابتها مع رقته وسلاسته ، ويذيبها في نفسه ، فإذا هي لا شئ ، وإذا هو كل شئ .

من قديم والإنسان يعمل عقله في دفع أذاء واتقاء جبروته ، وكلما اخترع شيئا استخدمه في صد غاراته ، وتنكب نكباته ، وهو هو رابض في مجتمعه ، معتز بقوته ، يتحرك من حين الي حين، فيختار اقوى ما أعده الإنسان ، وجهزه بأحدث الآلات ، وأمده بأحسن المخترعات ، فيضربه الضربة السريعة الحاسمة ، تأتي عليه في لمح البصر وسرعة البرق ، فإذا هو لا شئ ، سواء في ذلك اساطيله ومدرعاته ، وطياراته وغواصاته .

هذا هو البر ، قد خضع للإنسان ، كما يخضع الحيوان المستوحش فيستأنس ، مهد الإنسان طرقه ، واقام عليه مساكنه ، وثبت فيه خطوطه الحديدية ، وغير جدبه خصبا ، وجعل ترابه حقولا ناضرة ، وبساتين مثمرة ، ونباتات مزهرة ، وملكة وتحارب على ملكيته ، وحدده وتنازع على حدوده ، والبر - في ذلك كله - وديع كالحمل ، مستسلم كالذليل

أما البحر فكلا ، باقي علي وحشيته منذ خلقه الله ، لم يسمح للانسان بطريق يمهده ، ولا خط يمده ، ولاملك يمتلكة ، إن ادعت دولة ملك جزء منه فكلام في الهواء ؛ أو حبر على ورق ، أو معاهدة تسجل في البر ، لم يستطع الإنسان على اختلاف عصوره وتقدم علمه - أن يخضع

قوته ، او يحد من نشاطه ، او يؤنسه كما آنس البر ، ولم يتحمل هو من إنسان مهما عظمت قوته ، ولا من مركب مهما ضخم حجمه او توفرت عدته ، اية إهانة ، او خروج عن ادب اللياقة ؛ فان حدثته نفسه بذلك مرة لعب به كما يلعب القط بالفار ، ثم ابتلعه في هدوء من غير ان يشعر بذلك احد ، أو سلط عليه جبلا من تلجه ، فهشمه تهشيما ، وقطعه إربا ثم ابتلعه كذلك .

موقفه الآن من الانسان وهو قوي ببخاره ، وحديده وناره ، وكهربائه ولاسلكية ، موقفه منه وهو ضعيف لا يعرف إلا الشراع والهواء

ديمقراطي بطبعه ، لا يخشى ملكا لملكه ، ولا غنيا لغناه ، ولا يحتقر فقيرا لفقره ، ولا بائسا ليؤسه ؛ من اراد ان يستمتع بمائه - كائنا من كان - وجب أن يتقدم إليه بكل علامات الطاعة ، فيتجرد من مظاهر العظمة وأكاذيب الآبهة ، فيخلع حذاءه ، ويكشف رأسه ، ويعري جسمه ، وإن كان غنيا تساوي بالفقير في مظهره ، وإلا عرف البحر كيف يؤدبه .

اعتز بقوته ، فلم يسمح لمخلوق من مخلوفاته أن يعيش في البر ساعة ، ولم يكن للبر مثل قوته فعاش أهله في البحر أياما .

كان - ولا يزال - عمقه الهائل ، وموجه القوي المضطرب ، وحركته الدائمة ، وقوته الضخمة ، مع ليونته وملاسته وجمال منظره الدائم ، مبعث الحب والاجلال ، ومثار الشعر والخيال

ثم ماذا ؟

ثم إنا والبحر والبر والعالم وحدة واحدة ، كل منا جزء منها ، وكل منا جزء صغير من الئها العظيمة ، ولنا كلنا خطة واحدة وغاية واحدة ، علمنا بعضها ، وظننا بعضها ، وجهلنا أكثرها .

وهي كلها تخضع لإرادة واحدة ، يسميها الدينيون

إرادة الله ، والمدنيون إرادة الطبيعة  ، والحقيقة واحدة ، والأسم مختلف .

تدور هذه الآلة العجيبة في نظام وإحكام يستخرجان العجب ! وما ظنك بآلة تلد نحو خمسين ألف إنسان في الساعة وتميت مثلها ؟ وذلك - فقط - في ذرة حقيرة من جسم العالم اسمها " الأرض " .

إن عقلنا ليعجز عن إدراك كنه هذه الآلة العظيمة عجزة النمله عن إدراك كرة تسير هي عليها ، أو عجز اعشى عن إدراك ما في الأفق البعيد .

إن العلماء يدر كون من هذه الآلة ما ادرك أنا من منظر هذا البحر ، ادرك سطحه ، ولا ادرك عمقه ، وادرك جماله وجلاله ، ولا ادرك كنهه ، وادرك جزءه ، ولا ادرك كله .

إن لهذه الآلة قوانين حازمة صارمة ، تعطف كل العطف على من وافقها ، وتقسو كل القسوة على من

خالفها ، وهذه القوانين معقدة مركبة تبعا لتعقد الآلة وتركيبها ، ولكل جزء من هذه الآلة قوانين ترتبط كل الارتباط بقوانين المجموع ؛ من وافقها حملته سالما في تيارها ، ومكنت له من ان يرتع في نعيمها ، ومن خالفها كان كناطح الصخرة ، ينال من نفسه ، ولا ينال منها

وأكبر شقاء العالم الانساني - أفرادا وأمما - أتى من انه جهل قوانينها ، او عرفها ولم يسر عليها . ولا امل في سعادته حتى يعلم ، وحتي يعمل وفق ما يعلم .

ثم ماذا ؟

وجاءت موجة عالية ، فلطمت الصخرة لطمة قوية ، اصابني رشاشها ، فتنبهت من احلامي ، وعدت من حيث اتيت !

(صخرة الكس في ٢٠ يوليه )

اشترك في نشرتنا البريدية