نعم وداعاً حبيبي الجبل ! أودعك بعد صحبة طال عهدها ، أودعك ولا زلت الحبيب الذي أحن إلى زيارته ، وأشتاق إلى طلعته ، وتسعد نفس بذكره وذكرياته .
رحلت إليك أول مارحلت من أربعين سنة خلت ، فتي غض الشباب ، جم النشاط ، خلي البال ، سليم البدن . كان يمشي في رحابك الساعات الطوال فلا يتعب ، ويصمد رباك فلا يلهث ، ويتسلق ذراك فلا تنقطع أنفاسه . لا يمل السير في أرجائك ، ولا يخشى قر الشتاء في سهولك ، ولا قيظ الصيف في وديانك ، ولا عتو الرياح في أعاليك ، ولا ظلمة الليل في قيافيك ، ولا رهبة الوحدة في وحشتك . ولا نقص الزاد في قفارك ، لا يشكو عقبات السير في شعابك ، ولا مشقات التنقل في بطاحك ، ولاعاء التصعيد في هضابك . كان يخرج إليك في الصباح مع الفجر ليقضي يومه في صعود وهبوط لا يهدأ ولا يستريح ، ولا يمل ولا يكل ، ويعود منك وقد أمسى الليل مجهود الجسم ، منشرح الصدر ، ناعم البال . كان يقطع دروبك يتسلل بين شعابك يقفز من صخرة إلى صخرة ، ومن جندل إلى جندل ، خفيف الحركة ثابت القدم . كان يسير بين أعشابك النضرة ، وأزهاررك الباسمة ، وأشجارك الصابرة ، يتأملها ويحنو عليها ، ويحيها ويناجيها ، ويملأ مشهدها نفسه غبطة وسروراً .
كان يهجه هطل المطر في ربوعك ، وتلألؤ البرق في سمائك ، وصوت الرعد يتردد في ثنيانك ، وانعقاد الضباب في أرجائك ، ورائحة البلبل تنبعث من رمالك وترابك . كان يقف على رباك العالية تحت شمسك الساطعة ، يجيل البصر بين السماء الزرقاء ، فوقه ، والصحراء الصفراء أمامه والوادي الأخضر تحته ، وتأتلف الصور المتباينة ، وتتناغم
المناظر وتنتظم ، ويبدو جمالك في أروع صورة ؛ فتاخذه نشوة ما جدها لذة ؛ فيهتف عالياً من فرط الغبطة من أعماق قلبه : سبحانك مبدع الوجود !
كان في مستقبل أيامه ، إذا ضاق صدره ، وتسربت الهموم إلى نفسه ، يلجأ إلى الوحدة في ظل صخورك ، ينشد الطمأنينة في فضائك ، والسكينة في رحابك ، وشفاء نفسه في صفاء جوك ، ونقاء هوائك ، وامتداد أفقك .
كان يري في عظمتك وخلودك ، ضآلة شأن حياته وحماقات عقله ، وصغر جسمه وقصر عمره .
كان إذا اختلط عليه الأمر ، وضلت بصيرته ، طلب الهداية في ربوعك ، واستلهم الحكمة في صخورك ورمالك وحيوانك ونباتك .
لقد كنت مرتع أحاسيس نفسه وقلبه وعقله في صباه وكهولته وشيخوخته طيلة أربعين عاماً .
لقد نظم الرحلات ، وقاد الجماعات إليك ، وأنفق الكثير من ماله وجهده وجازف وخاطر لاستجلاء نواحيك محبة فيك ، وتزلفاً إليك ، لم يبغ من وراء ذلك نفعاً ولا شكراً .
حبيبي الجبل ! هل تذكر أحبابك وأصفياءك من جماعة الرحلات ، وكيف واظبوا على الخروج إليك في يوم الجمعة من كل أسبوع طيلة شهور الشتاء ، يرتادون جبالك ووديانك وسهولك عاما بعد عام ، أتذكر محمد صبحي بهجت ورياض فوزى وجلال ياقوت وميخائيل فرج وعبد الله رشيد وإخوته ؟ إنهم كانوا من طلائع روادك .
أتذكر أحمد أمين يوم أن بلى نعل حذائه من السير الطويل في وادي أبي نسون ، فاستعاض عنه بنعل من ورق الكرتون والدكتور محمد عوض وجيوش العقارب في وادي الخانق ، ومحمد بدران وعجوة القرين ، والدكتور
أحمد عبد السلام الكرداني و محمد فريد أبو حديد وعبد الحميد العبادي وحسن على البدراوي ومحمد بنونه والدكتور شاده والدكتور على حسن وابني رماح وغيرهم وغيرهم ممن غاب عني أسماؤهم ؛ لقد كنت مرتعا لمرحهم ونشاطهم ومصدراً لغبطتهم وسرورهم سنين عديدة .
أتذكر يوم أن ضللت الطريق في وادي التيه في سنة 1919 لقد قسوت على يومها وكان حقا يوما عصيباً .
اتذكر يوم أن ضلت قافلتنا الطريق إلى الواحات البحرية في سنة ١٩٢٥ ؟ لقد كدنا يومها نفقد الأمل في النجاة لولا أن قبض الله لنا جيرا ملهما . أتذكر رحلتنا إلى وادي العربة في سنة ١٩٣١ ؟ لقد
كانت مخاطرة من مجازفات الشباب .
ثم هل تذكر يوم أن أتيتك مودعا من سنتين ؟ لقد كنت حينئذ شيخا ينوه بعبء ، السنين ولا يقوي على السير الطويل . لقد وقفت يومها عند صفحك أتطلع إليك في شوق وتلهف أناجيك وأستلهمك وأستمد العون من سرك ؛ وبعد طول تردد بين إقدام وإحجام رأيت ان استجيب لنصيحة الطبيب ، فارتميت عند قدمك يترقرق الدمع في عيني ، وبعد طول قعود قمت لأعود من حيث أتيت وأنا مكسور الخاطر كاسف البال حزين . وداعا حبيبى الجبل .
