الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 112الرجوع إلى "الرسالة"

وراثة العبقرية

Share

(نشرت مجلة   (الشهر)  الفرنسية بحثاً طريفاً في  وراثة العبقرية استعرض فيه كاتبه أحدث النظريات  العلمية في هذا الموضوع. فآثرنا نقله إلى قراء الرسالة)

شغلت مسألة وراثة العبقرية طائفة كبيرة من العلماء  والفلاسفة منهم جالتون وموبياس وريبو ولمبروزو وكرتشمر  وغيرهم من الباحثين

وهذه المعضلة تبدو في أشكال مختلفة. تبدو أولاً كحالة  خاصة من معضلة الوراثة على العموم. إذ ما هي الآثار التي يتركها  الآباء والأمهات؟ وبأي الأشكال تظهر؟ وما هي الآثار النسبية  في تكوين الشخصية للوراثة المجردة من جهة، وللبيئة والتربية  من جهة أخرى؟ وهل أثر الوراثة دائم أو غير دائم؟ وهناك  وجهة نظر أخرى تعتبر العبقرية والذكاء شذوذاً إذا قورنا بحالة  الشخص العادي. وكثيراً ما يصحب هذه العبقرية وهذا الذكاء  فقدان في التوازن الجسماني، وغالباً في التوازن النفسي. كذلك قد تصحبهما حالة جنون

ولأننا نعلم أن عدداً من هذه الأمراض ينتقل بالوراثة، كان  لنا أن نتسائل عن صدى هذا الاتجاه المزدوج: وراثة العبقرية،  ووراثة الاضطراب العصبي أو المرض

إن مما لا شك فيه أن   (في بعض الحالات)  تكون العبقرية  أحياناً وراثية. وقد ظهر ذلك جلياً في كثير من رجال العلم  والموسيقيين والمصورين والشعراء وكبار الكتاب

فبين العلماء استطاع جالتون أن يجد أسراً كان بها عالمان  وأحيانا ثلاثة أو أربعة أو خمسة، وأحياناً أخرى أكثر من ذلك.

ووجد موبياس ٢١٥ أسرة اتفق فيها أن كان الأب والابن وافري  الاستعداد الرياضي،   (بين هذا العدد ثلاثة وثلاثون والداً لكل  منهم أكثر من ابن واحد موهوب) . وقد وجد هذا الاستعداد  في ثلاثة أجيال متتالية سبع عشرة مرة، وبين خال وابن أخته  عشرين مرة: وبين أبناء العم مرتين، وبين أشقاء أو شقيقات ١٣١  مرة، وبين أكثر من شقيقين ثلاثة وعشرين مرة. وكان العالم  الفلكي الكبير   (دومينيك فرانسوا آرجو)  له ثلاثة أشقاء وولدان  كلهم موهوبون في استعدادهم الرياضي. وكانت أسرة برنولي

أعظم أسرة علمية عرفها التاريخ مما دفع الأستاذ  دوبليه الفلكي بمرصد بوردو أن يخصص للكتابة عنها كتاب  صدر عام ١٩٢٩ وسماه  هذا الكتاب ذكر الأستاذ دوبليه أن أسرة برنولي شغلت  كرسي العلوم الرياضية في جامعة بال - مسقط رأسها - مائة  عام وثلاثة دون انقطاع؛ وبقيت أكاديمية العلوم في باريس نحو  أحد أفراد أسرة برنولي مدة واحدوتسعين عاماً متوالية

وكما نرى أثر الوراثة بين العلماء نراه أيضاً بين الشعراء.  وقد وجد جالتون اثنين من العباقرة في الشعر بين أسر: بيرون  وشنييه وجوته وهين وراسين. . . . وثلاثة أو أربعة في أسر:  أسكيل وارستوفان وكورني وملتون. . . وخمسة أو ستة في  أسرتي كولردج ووردثويرت.. .

ووجد جالتون اثنين من الكتاب والأدباء في كل أسرة من  أسر بوسويه وشاتوبريان وشامبليون وادجاربون ومِلْ. . . الخ  وثلاثة أو أربعة في أسر بنتام وبوالو وفينيلون ولِسِنْج وسفيني،  وخمسة أو أكثر في أسر فيلينج وماكولي وشليجل وستايل  وغيرها  

وبين الموسيقيين تجد أسرتي باخ وسترس هما  الأسرتين اللتين ظهر فيهما أكبر عدد من الموسيقيين. ويبدأ  تاريخ أسرة باخ عام ١٥٥٠، واستمر يظهر منها الموسيقيون  الموهوبين ثمانية أجيال متعاقبة؛ وكان من عادة هذه الأسرة أن  يجتمع أعضاؤها المغرمين بالفنون مرة في كل عام؛ فكان يصل  عدد المجتمعين أحياناً إلى مائة وعشرين فناناً؛ وقد ذكر فتيس أن هذه الأسرة حوت سبعة وخمسين موسيقياً منهم تسعة  وعشرون كانوا في عداد النابغين

على أننا لا ينبغي أن نخرج من هذه الحقائق بأن العبقرية    (دائماً)  وراثية. إذ أن توارث العبقرية محدد ببضعة أجيال فقط،  كما أنه ليست هنالك قاعدة عامة لتوارث العبقرية. بل بالأحرى  هناك استثناء. ويمكن أن نقول أكثر من ذلك وهو أن العبقرية  الحقيقة دائماً منعزلة، أو كما يقول لوردا   (إن العباقرة هم  أطفال لقطاء ورجال أعزاب)   ويقصد بذلك أن الطبيعة تمحى حين  يُخلق العبقري

ولو كانت العبقرية تنتقل بالوراثة دائماً لكان من الضروري  أن توجد   (أجناس)  معينة من العباقرة. وهذا ما لا وجود له.    (إن العبقرية حادث فجائي يكون أحياناً وراثياً)  ,

وقد ذكر لومبروزو الملاحظة الآتية:   (إذا وضعنا جانباً  عدداً قليلاً من الحالات الاستثنائية كالتي نجدها في أُسَرْ دارون  وكاسّيني وبرنولي وسان هيلير وهيرشل، وجدنا أن العبقري  لا ينقل إلى ذريته إلا اتجاهاً حقيقياً يُعظّمه في عيوننا الاسم  المجيد!)

إن أبناء العباقرة هم في الغالب مخلوقات عادية بل أقل من  العادية. ويقول ج. مورودوتوز: (إن الملاحظة العامة ترينا  أن غالبية أبناء الرجال العباقرة ليسوا فقط أقل من آبائهم، بل هم كسائر الناس العاديين)، وقد أكد ألكسندر تاسوني  أحد كتاب القرن السابع عشر أنه كثير اً ما يحدث أن ينجب آباءٌ عباقرة أبناءً عظيمي الغباوة، وآباءٌ  شديدو الغباوة أبناءً علماء. واستشهد على النوع الأول بأبناء  أفريكان الكبير وأنطوان وشيشرون ومارك أوريل وسقراط.  ويعتقد أوسوالد الكيميائي الألماني الشهير أن أبناء الرجل العبقري  لا بد أن يكونوا أقل منه

وذكر تاسوني رأي أحد العلماء المعاصرين له وكان  يفسر النقص في كثرة أبناء الرجال العباقرة بقوله:   (في الرجال  العظام تتجمع معظم القوى الحيوية في المخ كيما تقويه وتبعث  الحياة والعنف في القوى الفكرية. ولهذا السبب يكون الدم  والخلية باردين ضعيفين. والنتيجة أن يكون أبناء أولئك الرجال  وخصوصاً الذكور أغبياء)

وهناك حقيقة أخرى هامة فيما يختص بوراثة العبقرية، وهي  أن هناك ظواهر من الجنون والاضطراب العصبي تحول دون  وراثة هذه العبقرية. ذلك أن العبقري تصحبه غالباً أنواع خاصة  من الأمراض النفسية. وكثيراً ما يُلاحظ المرض العقلي عند  سلف وخلف الرجل العبقري. ومن المعلوم أن الجنون ينتقل  غالباً وبكثرة شديدة في الأجيال القريبة. وحالات الجنون الوراثي  في ثلاثة أجيال متعاقبة عديدة جداً. وكان الجنون فيها في الغالب  من نوع واحد. والآن، أليس هنا تشابه - وإن لم يكن  كاملاً - بين وراثة العبقرية ووراثة الجنون؟

وقد ذكر مورو دوتور أن بين طبقات المجتمع التي تحوي  أكبر عدد ممكن من الرجال الممتازين بذكائهم الشديد يوجد  أيضاً أكبر عدد ممكن من المجانين. وقد لاحظ كل علماء النفس  أن هناك عدداً من المجانين لهم أقارب يتميزون بذكاء تتفاوت  درجاته. من ذلك أولبمبيا أم اسكندر الأكبر التي كانت امرأة  فاسدة الخلق ظاهرة الوضاعة. وكان أب الاسكندر داعراً إلى  أقصى حد. وكان الاسكندر نفسه مصاباً بحالة عصبية في  كوعه. وكان شقيقه أريدوس - الذي قتل بأمر أولبمبيا -  أبله معتوها

وكان ابن برناردين دوسانت بيير، وإحدى بنات فكتور  هوجو، ووالد وأشقاء فيلمان، وشقيقة الفيلسوف كانت، وشقيقة  هيجل، وغيرهم وغيرهم كانوا جميعاً مجانين. وكانت شقيقة  ريشليو تتصور أن ظهرها من البلور، وكان شقيقه معتوهاً.  وكان والد الموسيقى بيتهوفن مدمناً الخمر، وكان الشاعر  بودلير نفسه نصف مجنون. وقد كتب يقول: (أن والديّ  اللذين كانا إما معتوهين أو مجنونين قد ماتا ضحيتي جنون فظيع)  وكان والدا الشاعر الأمريكي الشهير ادجار بو شديدي الإدمان  لتعاطي المشروبات الروحية

وكانت تحدث لشاتوبريان حركات تشنجية في ذراعه، وكان  دائم التفكير في الانتحار، وكان أخوه نصف مجنون؛ وكان والد  بلزاك غريب الأطوار، وكذلك كان بلزاك نفسه. وكانت جورج  صاند شديدة الانقباض والحسرة وهي في السابعة عشرة من  عمرها، وقد حاولت الانتحار فيما بعد عدة مرات. وقد كان  والدها يشبهها من هاتين الناحيتين. وكان كثير من أقارب  هوفمان مجانين. أما هوفمان نفسه فقد أصابه الخَرَف لطول  استسلامه للشراب، وكان يتصور أمام عينيه أشباحاً ويصيبه من  جراء ذلك الرعب الشديد، فيطلب من أمه أن تجلس بجانبه.

وكانت خالة هيرنر مجنونة وأخته شديدة الكآبة؛ وقد جن ابنها وكان أثر الوراثة المرضية بارزا في لورد بيرون. إذ كان أبوه  رجلاً فاسد الخلق وقحاً. وكانت أمه غريبة الأطوار متكبرة  طائشة. كذلك كان شوبنهور وارثاً لما كان عليه من غرابة  الميول واضطراب الأعصاب. فقد كانت خالة جدته وجدها  مجنونين. وكان أبوه تنتابه نوبات قوية من الغضب المتزايد والهم  

الدفين الذي يكشف عن نفسه المريضة وكانت أسرة الفيلسوف رينان - الذي كان يعذبه اضطراب  أعصابه - تسودها أنواع مختلفة من الجنون؛ وكان عمه مأفونا.  وقد قضى حياته في التصعلك حتى وجد ذات ليلة ميتاً على  قارعة الطريق. وكان جد رينان شديد الوطنية عظيم الإخلاص،  ولكنه فقد عقله عام ١٨١٥م نتيجة همّ ألمّ به. وقد أصبحت  بلدة تريجويير التي ولد بها رينان ممتلئة بالمجانين وأنصاف المجانين  نتيجة إكثار أهلها من زواج بعضهم ببعض

فمما ذكرنا يظهر أن العبقرية ليست محدودة. وأنها لا تمتد  إلا لأفراد مخصوصين، فلابد إذن من أن نعرف أن هناك شيئاً  آخر غير الوراثة المجردة. إن العبقري يظهر في الأسرة في لحظة  معينة ولا يمكن أن يظهر قبل ذلك. كذلك قد يتبعه وقد لا يتبعه  عباقرة آخرون. والأب العبقري قد يكون له ابن عادي، وقد  يكون هذا الابن غبياً. وإذا استمرت الأسرة في إنتاج عباقرة  كثيرين فإن هذه الظاهرة تقف بعد بضعة أجيال كأن الطبيعة  قد نالها الرهق والضنى. وأخيراً كثيراً ما يحدث أن يحل  الجنون محل العبقرية ويكون ذلك راجعاً إلى نوع خاص من  الوراثة متأثر بعوامل غير وراثية

وقد قال البعض: إن الوراثة والبيئة يتعاونان معاً بنشاط  على إيجاد العبقري، إذ أن     (الوراثة)   لا تنتج في الرجل إلا    (ما يمكن أن يكون)  وليس ما سيكون، أما آثار الوسط وحدها  فهي قادرة على تحويل الاحتمال إلى أمر واقع. على أن   (الوسط)   لا يكون تأثيره بعد الولادة فقط، بل إنه يؤثر في الشخصية  المستقبلية قبل الولادة، وذلك بطرق مختلفة

ولقد عملت أبحاث في جلاسجو عن علاقة عدد المواليد  بالذكاء فظهر أن عدد المواليد يزيد عند الرجال الأقل ذكاء،  كذلك الأسر يتكاثر عددها كلما قلت الكفاءة العقلية  عند أعضائها

إن العبقرية شذوذ وشرود عن الحالة العادية، وهي بلا شك  اضطراب أكيد؛ هي حادث فجائي، وكذلك الجنون، وهذا  الحادث الفجائي قد يرجع إلى حالة الوالدين قبل الحمل أو إلى  اضطراب يصيب الجنين، فما يحدث للوالدين قد ينتج عند الطفل  نوعاً من الشذوذ النافع، وقد ينتج تشويهاً في خلقته، أو يؤدي

إلى التحام الجنينين ببعضهما إذا كانت الأم تحمل اثنين: وهذا  الشذوذ قد ينتقل بدوره بالوراثة. على أن انتقاله يكون بدرجة  محدودة ولبعض أجيال فقط، والاضطراب الذي يحدث في  حالة عدم استمرار التحام الجنينين قد يكون أثره فيما بعد إما أن  ينتج عبقرية وإما جنوناً، أو اضطراباً في الأعصاب؛ وقد  تجتمع الحالتان معاً. وأخيراً قد تتبع كل منهما الأخرى، أي  أن يجمع الشخص أحياناً صفات العبقري ومواهبه، وأحياناً  أخرى اضطراباً في الأعصاب يجعله أشبه ما يكون بمجنون حقيقي

وهناك أنواع من الشذوذ تنتقل أحياناً بالوراثة، وأحياناً  لا تنتقل، مثل الحوَل، وقصر النظر، وصغر أحد أعضاء الجسم  أو كبره أكثر من الحد الطبيعي؛ وأحياناً يكون هناك اتجاه  نحو مصادر الإنسان الأولى. وقد تكلم عن ذلك ريبو في كتابه  عن     (الوراثة)   إذ ذكر أن أسرة كلبورن كان بها شذوذ الست  أصابع   (أي زيادة إصبع في اليد أو في القدم)   وقد استمر هذا الشذوذ في الأسرة مدة أربعة أجيال

والآن، أليس هناك تشابه بين الشذوذ الجثماني والشذوذ العقلي  الذي يسمى العبقرية والذي تكون فيه الوراثة أيضاً محدودة؟

ذكرت مدام ناجوت ولبو كفتش أن سيدة كانت تتبع  عبثاً وسائل لإجهاض نفسها، فعندما وضعت الطفل في ميعاده  المعتاد كان هذا الطفل قويّ البنية ولكنه كان أبله. وكانت  والدة   (كاردان)  قد حاولت إجهاض نفسها أيضاً عدة مرات  دون جدوى، وكانت النتيجة أن أصبحالطفل الذي ولدته وهو    (كاردان)  عبقرياً فذاً؛ وقد تكون محاولة السيدتين كلتيهما  إجهاض نفسيهما ليس هو السبب الحقيقي، ولكن هذا التشابه  كاف لأن يرينا كيف تنتج حالات الشذوذ التي تسمى بالعبقرية. والتي هي وراثية ولكن إلى درجة محدودة

إذن ماذا عسى أن يكون قانون هذا الشذوذ؟ ذلك ما لا  يعلمه أحد. ومنذ بضعة أعوام قال الأستاذ ج. هكسلي إنه قد  يمكن في المستقبل أن يجعل كل طفل عبقرياً بتغيير بعض  غدده، وقد يكون ذلك حلماً خيالياً. على أن مجموع الحقائق  المعروفة تثبت أن في تكوين العبقرية قانوناً ينتج   (شذوذاً)   خاصاً. فمن يدري؟ قد يستطيع الإنسان في حالة فهم هذا القانون ودراسته أن يصنع العبقرية.(. . .)

اشترك في نشرتنا البريدية