تمثل بيرل باك مكانا رفيعا بين كتاب القصة المعاصرين ، وقد نالت على إحدى قصصها ((الأم)) جائزة نوبل لعام ١٩٣٨ ، وهى فى هذه القصة التى تخدمها للغراء لعالج نفس الموضوع الذى عالجته فى كل قصصها ، وهو الحياة الاجتماعية لمصيئيين . . .
لم يكن يخالج جون ديوى شانج الشك يوما من الأيام أن شارع موت ، أو الحى الصينى بنيويورك كما يسميه الأهلون ، ليس هو موطنه الأصيل الحبيب .
كان يعرف كل شئ فى هذا الشارع : طرقاته الضيقة ، وضوضاءه التى لا تنقطع ، وذلك الحوانيت التى تشغل جانبيه ، وقد امتلأت نوافذها بالبضائع المختلفة من منتجات أمريكا ومجلوبات ما وراء البحار ، وهؤلاء الرجال والنسوة والأطفال ذوو البشرة الصفراء كبشرته ، والعيون السوداء كعينيه ، ومنهم من ولد مثله فى هذا الشارع المزدحم المحبوب . . . ولكنه رغم ذلك كان يشعر شعورا قويا أن هذا الشارع بما يحمل من معالم ، ليس هو الوطن الحبيب .
لم يكن مصدر ذلك أنه كان يعيش غريبا فى هذا الحى إذا ، ولم يكن مصدره شعور بالكراهية ، فقد نشأ منذ طفولته أيام كانت تحمله أمه على ذراعيها ، يطالع حياة هذا الحى الصاخبة كل يوم فى يقظته ، أما فى نومه فقد كانت روائح الشاى والعقاقير المختلفة التى يتجر فيها والده تتخلل الدرج النافذ من الحانوت إلى الحجرة العلوية المظلمة حيث ينام ، فتملأ أنفه برائحة غريبة كانت ترتبط فى واعيته بهذا الحى وساكنيه . وكان عالمه الوحيد فى تلك الأيام
هو هذه الحجرة الضيقة حيث ينام ، وتلك الفرجة بين ذراعى الأم التى يرى منها الناس يغدون ويروحون .
وحين خطت الأيام قليلا فكبر جون وبلغ السن التى يدفعون فيها بالصغار إلى رياض الأطفال ، لم يطل تفكير والديه فى الأمر ، فقد انهيا وهما على مائدة الافطار إلى تركه حرا يلعب ويمرح حينا اخر ، ولم يعنه فى شئ هذا القرار . فقد كانت متعة حياته إذ ذاك أن يلهو مع رفاقه فى الطرقات ، متسلقين مؤخرة السيارات طورا ، ومداعبين رجل البوليس طورا آخر .
وحتى هذا الوقت لم يكن هذا الشعور الخفى الذى يحسه نحو شارع موت إلا شعورا سلبيا لا يدفع إلى التفكير فى شىء ، أو الاقدام على شىء .
إنما أصبح هذا الشعور حقيقة ملموسة تبعث على التفكير ، وتثير فى نفسه نزعات وأمالا ، يوم أرسل إلى المدرسة ، بعد أن أصبح أمر مستقبله لا يحتمل التسويف والتأجيل .
فى ذلك اليوم وقفت والدته تعينه على ارتداء ملابسه ، وقد غطى رداؤها الصينى البديع جسدها حتى العنق ، وانساب شعرها الأسود الفاحم فى إهمال علي جانبى وجهها الباهت الباسم ؛ وكانت وهى تحكم وضع حلته الزرقاء المفصلة
على طراز أردية البحارة ، تتكلم فى لغتها الصينية التى لا تعرف غيرها ، ناصحة إياه بالتزام الأدب ومراعاة ما يجب أن يتصف به الأطفال من خلق حميد .
لقد أنصت لنصحها فى حذر وأدب لا يعرفهما فى نيويورك إلا أبناء هذا الحى ؛ وأنصت من بعد ذلك بنفس الحذر والأدب إلى صوت والده وهو يمحضه النصح ويذكره بأنه من أبناء الصين وبأنه لايمت لتلك الجموع البيضاء التى تزخر بها المدينة الكبيرة بصلة ، إلا تلك الظروف التى قدرت على الوالد أن يعيش بينها حتى ييسر له الرزق فيعود إلى بلاده . أنصت جون إلى كل هذه الأحاديث ، وكان اخر صوت يرن فى أذنيه وهو يسير بصحبة والده إلى المدرسة ، صوت والده وهو يردد فى حنان وحدب : ((كن مؤدبا ياولدى مع معلمك ، وأطع أمر من هم أكبر منك واتجه بكل جوارحك إلى كتبك ودروسك)) .
هكذا أعد جون ديوى شانج للمدرسة سلسلة من النصائح والتحذيرات وعاها جميعا ، وكانت تتجاوب فى رأسه الصغير حين وقف والده يقدمه إلى معلمه .
وبدأ جون أول درس فى حياته ! . دق الناقوس فأمر التلاميذ أن ينتظموا فى صفين متوازيين ويسيروا كل اثنين سويا إلى حجرة أخرى ، فقفز جون إلى مكانه فى الصف وقد طفح البشر على وجهه .
واستدار الصفان وسار إلى الأمام كل اثنين متجاورين أمامه وخلفه ، إلا هو فقد ظل منفردا لا يسير إلي جانبه أحد .
ووقف الصفان فإذا به لا زال وحده فى منتصف الصفين . .
كان كل اثنين يسيران سويا إلا هو فى أحد أجزاء الركب وفتاة صغيرة السن بيضاء الوجه بادنة الجسم تحلى شعرها برباط أحمر . كانت وحيدة مثله فى المؤخرة .
وصاحت (( مس يكنى )) المعلمة بالفتاة : - مارى : لم تسيرين وحيدة ؟ تعالى إلى هنا وسيرى إلى جوار جون .
ولكن الفتاة لم تتحرك بل هزت رأسها فى غضب وامتعاض وقالت فى إصرار :
- لا . لن يكون هذا . إننى لا أسير إلي جوار فتى من الصينيين .
وأبرقت عينا مس يكنى فى غضب ، وألقت على الفتاة نظرة قاسية وأجابتها فى خشونة :
- حسن جدا يا مارى : سيرى وحدك وسوف أسير أنا إلى جوار جون . . .
وخيم على هذا الركب الصغير سكون عميق أحس جون انه ليس سكون الرضا والموافقة ، فضغط على يد مس يكنى فى حرارة وحماس ، لم يكن مصدرهما السرور ، بل الشكر . لقد أحس فى أعماق نفسه أنه كان يفضل أن يسير إلى جانب مارى ، أو على الأقل أن يسير وحيدا دون أن يحدث ما حدث .
هكذا بدأت دراسة جون ، وهكذا استمرت خلال بضعة أعوام تعود حلالها أشياء كثيرة . تعود أن يقف ساكنا كلما حان وقت المسير ، حتى إذا وجد كل تلميذ رفيقه فى السير وأصبح هو وحده . تقهقر فى انكسار إلى آخر الصف . فإذا كان عدد التلاميد زوجيا أو كانت هناك فتاة ، فانه يقف بعيدا منتظرا أمر مدرسته ، مترقبا شعور زملائه ، أهو ترحيب أم استنكار ، ولم يحاول يوما أن يقص نبأ هذه المعاملة على والديه أو يظهر ألمه مما يرى . على العكس من ذلك ، لقد انطوى على نفسه فأصبح صمونا مثابرا علي الدرس ، يحرص دائما على أن يبدو أنيق الملبس ، مظلم النفس ، هادئ الطبع ؛ كانت كل اماله أن يكون الأول دائما ، ١٦٢ -
والبرز دائما فى كل علم ، مما جعل والديه يفكران فى فرح فى ذلك اليوم الذى ينهى فيه تعليمه ، ويتولى شئون حانوتهما الصغير .
ومع انه كان يقضى أوقات فراغه مع والده فى الحانوت ليساعده فى مراجعة حساباته ، فلم يكن يدور بخلده أن مصيره هو هذا الحانوت ، يدير شئونه ويخلف والده فيه . أمر واحد كان يرتسم فى مخيلته ويملأ رأسه ، أن هذه الأرض التى يعيش عليها ليست وطنه ؛ رغبة جامحة لا تقاوم ، كانت تذكره دائما بهذه الحقيقة ، وبأن عليه أن يذهب فى آفاق الأرض باحثا عن وطنه الحبيب حالما ينهى دراسته . ذلك الوطن كان كل شئ يذكره به : هذه التحف والعقود والتماثيل ، والنقوش القائمة على الأبواب ، ومئات الأشياء ذات الجمال الغريب الغامض ، التى كان والده يتجر فيها ، كلها كانت تشعل فى نفسه رغبة ملتهبة فى أن يذهب إلى المكان الذى جاءت منه . وكان كلما جلس مع والده ليفرغا صناديق البضائع الآنية من الصين ملكه الاعجاب ، وسبح خياله إلى عالم آخر . . حيث صنعت هذه الأشياء ، وحيث كتبت هذه الحروف العمودية ذات الخطوط المستقيمة . ذلك الوطن الذى تفصله عنه بحار عميقة ، عمق اماله فى المستقبل .
لم يكن يشاركه فى هذا الشعور كثير من أقرانه . كان من بين هؤلاء الأقران جورج لى ، وموللى كن ، زميلاء فى درس اللغة الصينية ، اللذان طالما نارا على هذا الدرس وخاصة موللى . لقد كانت لا تترك فرصة تمر دون أن تسخر فيها بكل ما هو صينى . إنه ليذكر مرة أنه سمعها تصرح فى أحد الجيران وقد داعها قائلا : ألم ترغبى يوما فى الذهاب إلى الصين ؟
لقد أجابت إذ ذاك فى سخرية وبصوت عال : ((أنا ؟ معاذ الله ! اذهب إلى بلاد لم تعرف إلى اليوم ما هو نور
الكهرباء ؟ أأذهب إلى بلاد لا زالت تحتجز الفتيات إلى اليوم داخل جدران المنزل ؟(( .
لشد ما آلمه ذلك . إنه ليذكر هذا اليوم جيدا . كان إذ ذاك عائدا إلى المنزل فى غروب الشمس فحدجها نظرة قاسية ومضى فى طريقه يفكر فى موضوع آخر كان يشغل عقله ؛ كان على أبواب السنة النهائية فى دراسته الثانوية ، ولن تمضى إلا أيام حتى ينتقل إلى الجامعة فتصبح المرحلة بينه وبين تحقيق اماله فى العودة إلى الوطن أربعة أعوام فقط . لقد مر حادث موللي بعقله فى سرعة ، ولم يتعد تفكيره فيه تلك النظرة القاسية التى ألقاها عليها ، ثم احتواه ثانيا تفكيره فى الوطن ، حتى حين علت الضوضاء فى الطريق ، وحين أضاءت المصابيح خيوط الظلام التى أرسلها الغروب ، بدا له الوطن فى صورة جذابة ساحرة ، أين منها هذا الضجيج ، وتلك الأنوار التى تغشى الأبصار ؟ لقد تشكلت صورة الوطن عكسيا مع هذا الجو المحيط به ؛ بدت له صورة الوطن الحبيب أرضا مدحوة سوداء ، قد علت سطحها بشائر البت ، وسماء صافية ترسل النجوم خلالها ضوءا هادئا ، لا يتلاعب تلاعب ضوء الكهرباء .
كانت أمه لا تفتا تحدثه عن هذا الوطن ، وكانت أحاديثها هى المادة التى تتلون بها اماله ، وصورة المستقبل التى يتخيلها لنفسه ؛ فهناك فى القرية الهادئة حيث ولدت أمه ، سوف يجد الفتاة التى يتزوجها ، الفتاة الرائعة الجمال ، لا تشوه جمالها الأصباغ والمساحيق ، الفتاة الطيعة التى تسير أغوار زوجها ، وتسير وفق رغباته قانعة راضية ، لم تشوه قناعتها الدنية التى شوهت نفسية موللى كن وأضرابها .
عبر بهذه الأحلام إلى الجامعة وأتخذت صورة الوطن تبعا لعقله المتفتح صورة جديدة ، وحملت له معانى جديدة ، فقد شبت الثورة فى الصين وحملت الصحف والرسائل
الواردة من الصين أنباء حكومة الجمهورية الناشئة وما نحتاج إليه من عون ، فكون من زملائه جماعة أخذت نفسها بالاقتصاد والتوفير حتى تجمع لها مبلغ من المال هو تسعة عشر دولارا ، كان جون صاحب النصيب الأكبر فيه ، فقد كان يحرم نفسه وجبة الظهر ليدفع ثمنها اكتتابا للوطن ؛ فلما تجمع هذا المبلغ أرسل به خطابا إلى حكومة الجمهورية يعلن فيه أن هذا المبلغ منحة بسيطة من أبناء الوطن المقيمين فى الخارج ، ويلتمس أن يصرف فى سبيل تعيد الطرق والمواصلات ، ولم تمض ستة شهور حتى وصله الرد من الحكومة يحمل توقيع السكرتير الأول لرئيس الجمهورية ويعلن وصول الاكتتاب ويشكر المساهمين فيه ويدعوهم إلى مواصلة جهودهم لنجدة الوطن .
أى يوم سعيد هذا اليوم الذى وصل فيه الخطاب ؟ لقد اختنق جون بالعبرات التى تحمل مع معنى الفرح شعور الحنين والشوق . لقد حمل الرسالة متهللا ومضى يقرأها لكل من يلقاه . لم تعنه ابتسامات السخرية التى علت بعض الشفاء وهو يتلو فى فخر وفرح قد امتزجا بالعطف رسالة الوطن إلى عاشق من عشاقه . كل ما عناه إذ ذاك هو أنه قد مد يده لأول مرة للوطن الحبيب . . وقد وصلت هذه اليد فعلا إلى أرض الوطن . .
ومرت أعوام الجامعة الأربعة فأقبل يوم الرحيل إلى الوطن بكل ما يحمل من بهجة وسرور . ولم يحل دونه خاطر عرض له وذهب سريعا ، خاطر طرأ فجأة حين انتهى آخر أعوام الدراسة : أليس الأولى به أن يدرس حرفة تفيد الوطن كالطب أو الهندسة أو الطيران ؟ .
لم يلبث هذا الخاطر أن تلاشى حين اصطدم بالحقيقة الواقعة ، وهي أن الوطن فى حاجة إلى أبنائه اليوم قبل الغد . تلك الحقيقة أجابت على خاطره فلم يعد مفر من السفر . ولكن هذا اليوم تأجل آخر الأمر ! .
تأجل بعد أن احتمل فى سبيله متاعب أسبوعين قضاهما فى حزم أمتعته وإعداد ملابسه وشراء تذكرته ، وبعد أن تحدث مع والديه فى كل شئ وعرف منهما أقصى ما يريد أن يعرف من بيانات ، وبعد أن حمله كل منهما تحياته إلى الوطن ، فحملته الأم تحيتها إلى جده وجدته لأبيه وإلى إخوتها وزوجاتهم ، وحمله الأب رسالته إلى الوطن التى تتلخص فى أنه يرده فخورا إلى الأرض التى خرج منها بالرغم منه !
بعد أن تم كل شئ ، وبعد أن قيل كل شئ ، تأجل السفر !
لم يقمه أحد ، ولم يحل دونه حائل ، وإنما هو نفسه الذى أحجم فجأة ، دافع خفى دفعه إلى هذا الاحجام لم يدركه أول الأمر ؛ لم يكن هذه المدينة الصاخبة ، ولم يكن هذا الحى الذى تربى فيه وأحبه بعض الحب ! . .
جلس فى الليل ينظر إلى الطريق الداوى بمختلف الأصوات وقد غشى نفسه حزن عميق .
أى شىء يدفعه إلى هذا الاحجام ؟ هل هذه الأنوار اللامعة التى طالما رآها فلم تنر فى نفسه غير الحنين إلى الوطن الذى تضيئه النجوم الصافية ؟ أم هى وجوه افراد أسرته التى يحبها ، ولا يحب وجوها سواها ؟
لم يحب وجوها سواها ؟ ؟ حركة هذا الخاطر ، وتدافعت إلى رأسه صور الماضى المتتالية ، فبرز له من خلالها وجه آخر ليس من وجوه عائلته ، وجه جميل التقاطيع ناعم الشعر لعبت فيه يد الدنية لعبا خفيفا هينا .
هذا الوجه هو سر المتاعب ، إنه وجه موللى كن ! أجل هى موللى التى يريد أن يراها مرة ومرة ومرة ؛ إنه يريد وجهها دائما ) لها بقية (

