الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 263 الرجوع إلى "الثقافة"

وظائف الدولة

Share

قرأت في " الثقافة " مقالا عن تدخل الدولة يقول كاتبه إنه راجع تاريخ الهند والصين واليونان في العصور القديمة ، فوجد أن دخل الدولة في حياة تلك الأمم أدي إلي أنحطاطها ، ولكنني لا أعرف في تاريخ تلك البلاد أنه قد قامت بها في العصور القديمة حكومات موحدة ، وأنه قد كان هناك يدخل من تلك الحكومات ، وإنما أترك جانبا الهند والصين ، فتاريخ تلك البلاد القديم لانعرفه لاأنا ولا غيري علي نحو يمكننا من الحكم على علاقة الدولة بالفرد ، وأما اليونان فأنا اعلم أنه لم يكن بها قديما غير مدن كأتينا وإبرطة وطيبة ، وكانت كل مدينة تكون دولة . وفي أهم تلك المدن وهي أتينا كان الشعب هو الدولة ؛ فالشعب كان الحاكم لنفسه المتدخل في أمر نفسه ، وكان في هذا مجد أثينا وقوتها لا ضعفها وأنحلالها

وأما القرون الوسطى فأمرها معروف ، إذ فيها ساد النظام الإقطاعي فلم تسكن هناك دول ، وإذن فلست أفهم كيف تدخلات تلك الدول التي لم توجد في حياة الشعوب ؟ ! وإنما الذي نعرفه هو ان " اتحادات المهن " هي الى وجدت وتحكمت في الأفراد .

بقيت العصور الحديثة ، ومن الغريب ان يقول الكاتب انه لم يجد " مؤلفا ولا مشرعا ولا كاتبا " دعا إلي تدخل الدولة بصراحة . وأنا طبعا كنت أتمنى أن أكون المجلي في هذا الميدان ، ولكنني لسوء الحظ قد سبقت إليه . سبقني إليه عشرات بل مئات من كبار المفكرين سبقنى شقلبيه ، ولويس بلان ، و كورنو ، وروديرتسى ، ولاسال وقنجر،  وكثيرون غيرهم ممن يجدهم الكاتب الفاضل في جميع الكتب التي تتحدث عن تاريخ المذاهب السياسية

والاقتصادية  (1) .

وأنا بعد لست بحاجة إلي أن ألفت النظر إلي ما في الآراء المبتسرة من خطر ، وليس أقتل لنهضتنا الحالية من النقل من الأوربيين في غير فهم واضح لاعتبارات التاريخ والبيئة فما قاله جوستاف ليبون عن سر تقدم الإنجليز السكسونين وتخلف الشعوب اللاتينية كلام قديم فلما تجد في أوروبا اليوم من يؤمن به ؟ فالزمن قد تغير ، وجميع الدول تسير الآن راضية أو كارهة نحو التدخل في كافة مرافق الحياة حتى الإنجليز أنفسهم في سبيل العدول عن مبدأ الحرية ، حتى لنستطيع ان نقول إن حزب الأحرار قد مات في انجلترا حيث ولد ، وإن نظريات سمت وريكاردو وغيرهما قد ودخلت في حكم التاريخ ، ثم إننا غير تلك الدول : تاريخنا غير تاريخهم ، وتربيتنا غير تربيتهم ، وأخلاقنا غير أخلاقهم ، وليس الأمر أمر مناقشات نظرية وتعميمات لا حق لنا فيها ، وإنما الأمر أمر حقائق واقعية ،

وإنه وإن يكن من المفهوم أن المجلات كالثقافة أو غيرها ليست منابر للتدريس ، إلا أنني مع ذلك سأحاول إيضاح معنى تدخل الدولة في حدوده وغاياته لسبب واحد ، هو أننا قد أوشكنا أن نبدأ فى صياغة برامج لأحزابنا تستند إلي أصول عامة في الحكم ، ولعله يكون من واجبنا وواجب غيرنا من المشتغلين بالمسائل العقلية ان يوضحوا السبل ويحذروا من الأخطاء حتى لا تفسد الغرائر والشهوات الفطرية حياتنا العامة .

مبدأ تدخل الدولة لم يعرف إلا في النصف الأخير من

القرن التاسع عشر ، وقد كان ظهوره كرد فعل لمذهب الحرية في الحياة الاقتصادية . ولكى يخرج من الجدل النظري الذي اشتبك فيه أنصار وخصوم كل من المذهبين ، دعنا نظر في بساطة إلي وظائف الدولة لتحدد موضع الخصومة .

هناك وظائف ثلاث لا ينازع أحد في وجوب نهوض الدولة بها وهي : (1)  الأمن الذي يحققه البوليس والخفراء (2) سلامة الوطن التي يحميها الحبش (3)  تطبيق القوانين بإشراف القضاء .

ولكن هذه الوظائف ليست كل شئ في حياة الأمة ،  فثمة الحياة الثقافية التي ينهض بها التعليم ، والحياة الاجتماعية بما تنبع من إقامة التوازن بين الطبقات المختلفة ورعاية حقوق كل طبقة ، وأخيرا الحياة الاقتصادية من إنتاج وتداول واستهلاك .

فأما الحياة الثقافية ، فلست أدري من الذي يستطيع أن يدعو الحكومة المصرية إلي عدم التدخل فيها حتى لا تنتحط الأمة ؟ ! يقول الكاتب إن الجامعات في إنجلتر من عمل الشعب . قد يكون . ولكن ماذا يريد ان نعمل في مصر ؟ هل ندعو حكومتنا إلي أن ترد جامعة فؤاد إلي حالتها الأولى اتظل جامعة أهلية ؟ هل نطالبها بإغلاق جامعة فاروق لتترك الشعب يفتحها مني شاء ؟ ولقد استشهد الكاتب برأي لفؤاد باشا سراج الدين عن وجوب نهوض الشعب بحركة التعاون . طبعا يجب على الشعب أن يكون تلك الجمعيات ؛ ولكن أما ترى أن فؤاد باشا شديد الاهتمام بقانون التعاون وببنك التعاون ، وبتنظيم التعاون ، وبمجلة التعاون التي يحاجنا الكاتب بآرائها ؟ ! وما معنى كل هذا ، أليس هو تدخل الدولة الذي سبقتني إليه الحكومة ؟ ! ثم أو ما تري أن الحكومة الحاضرة سياستها كلها تقوم على التدخل في كافة مرافق حياتنا التي أصابها ركود الإهمال الحكومي ؟ والتعليم بنوع خاص ، ألسنا نري الدولة تهم

بأن تتدخل فيما يفزعنا أن تتدخل فيه . لقد اعتزمت دولتنا أن نوجه الأجيال القادمة إلي ميادين النشاط المختلفة التي يصلحون لها ، فمنهم من سيوجه إلي مدرسة ثانوية صناعية أو تجارية أو زراعية أو نظرية ، وهذه خطوة شهدت الكتاب والسياسيين بل الأفراد العاديين يقتتلون حولها في فرنسا أيام الوزارة الاشتراكية وزارة ليون بلوم ، التي لم تجرؤ أن تجعل " التوجيه المهني " إجباريا مكتفية بجعله مجرد سبحة تسدي للأولاد والآباء . وإذا كنا قد وصلنا من التدخل في التعليم إلي هذه الدرجة فهل يأتي اليوم أحدنا فيقول إن أحد وزرائنا يحث الشعب على العمل ، وبذلك تكون سياستنا الآن عدم التدخل ؟ ! هذا فهم غريب وفقر في ملاحظة التيارات العامة في سياستنا . سياسة حكومتنا القائمة كلها سياسة تدخل ، وهي تذهب في هذا إلي حدود لا نقرها وربما ناقشناها في غير هذا المقال . وأما في إنجلترا أو أمريكا ، ففي البلاد الأولى إذا كانت وزارة المعارف لم تنشأ إلا سنة ١٨٩٩ فليس معنى هذا أنه لم تكن هناك هيئات حكومية تشرف على التعليم العام ؛ وكذلك الأمر في البلاد الثانية فليست هناك وزارة المعارف لأنهم تركوا التعليم لاختصاص السلطات المحلية في كل ولاية . ثم مالنا وإنجلترا أو أمريكا ، لنكن في بلادنا . ما هي حالتنا وكيف نقوم الفاسد فيها ؟ أنتركه للشعب أم ندعو الحكومة إلي العمل ؟ هل تترك الشعب يمحو الأمية وبنشر التعليم المهني ويؤسس الجامعات ؟ أي عاقل يقول هذا القول !

وفي الحياة الاجتماعية نري أن مصر بلغ فيها الظلم الإجتماعي حدا كبيرا ، وما أنا بحاجة إلى أن أثير القارئ بوصف حالات الفقر وحالات الثراء التي نلاحظ جميعا ما بينها من تفاوت مؤلم ؛ وإذا كان العالم كله قد سار نحو التدخل لإنصاف الطبقات المظلومة ، أنأتى نحن اليوم نقول

للدولة خذي بمبدأ الحرية ، مبدأ سمث ورديكاردو ودعي الفرد بعمل والتجارة تمر ؟ ! لقد أسفرت تلك النظرية عن الحالة التي يعانيها كثير من الشعوب ، وباليت القوي كان قوبا بنفسه ولكنه قوي بالوراثة ؟ فصاحب رأس المال يستغل العامل ، والمالك يستغل الفلاح ، والناشر يستغل الكاتب ، وليس لهؤلاء إلا أن تحميهم الدولة . لقد وضع العالم المتحضر تشاريع العمال ، وهذا هو التدخل ؛ واستخدم نظام الضرائب لتحقيق العدل الاجتماعي ، وهذا هو التدخل ؛ وأقام الهيئات تفصل بين صاحب العمل والعامل ، وهذا هو التدخل . والدولة بعد لم تعد حاكما مستبدأ بل اداة تنفيذ لإرادة الأمة . ثم من الذي سيضمن للفرد علاجه من المرض وقوته إذا أدركته الشيخوخة ، أو العاهة أو البطالة ، أنترك ذلك للشعب ؟ عجيب هذا المنطق ، منطق يكذبه الواقع ويكذبه العقل السليم

بقى النشاط الاقتصادي ، وهنا تدور المعركة ، ولكل فريق حججه التي تستحق النظر . فأصحاب الديمقراطية الحرة يرون أن المنفعة الشخصية هي أهم ضامن للنجاح في الحياة الاقتصادية ، والدولة كشخصية معنوية ينقصها هذا الحافز ، وهم يريدون أن يتركوا الفرد ينمي في نفسه روح البدء ، والقدرة على تحمل المسئوليات حتى يتربى تلك التربية الاستقلالية التى أشار إليها الكاتب ، ولكن المصلحة الفردية مصلحة أثرة مدمرة ، وهناك مصلحة الآمة ومصالح الأفراد الآخرين ، فإذا تعارضت مصلحة الفرد مع مصلحة الجماعة أو مصلحة الفرد مع مصلحة فرد آخر ، من يوفق بين هذه المصالح إن لم تكن الدولة ؟ انظر مثلا إلى شركات الاحتكار كشركات الماء والكهرباء ببلادنا ، ماذا يكون مصيرنا إذا لم تتدخل الدولة لحماية مصالحنا نحن المستهلكين ؟ ثم من قال إن المصلحة المباشرة إذا انعدمت فشل كل مشروع اقتصادي . أو ما نري إلي الشركات المساهمة

كيف يديرها عضو منتدب بمكافأة ، ويصل بها إلى ذروة النجاح ! بل او ما تري إلى جمعيات بديرها رئيس لا يكسب منها شيئا بذكر ومع ذلك نجحت اي نجاح ! فكن مثلا في لجنة التأليف . وابعد من ذلك دلالة الجمعيات الخيرية ، وها هنا إلي جواري مستشفى المواساة الذي تفاخر به الإسكندرية مدن أوروبا الكبرى . أو ما تعلم ان الذي بناء رجل خير طيب الله ثراء كان وكيلا بالجمرك بالإسكندرية ؟ ! وبقيت حجة أخيرة ، تقول إن الأفراد أو الشركات أقدر علي الإدارة من موظفي الدولة ، ولكن ها هي السلكة الحديدية في مصر ، وها هي شركات النقل ، من يستطيع ان يزعم ان شركات النقل أنجح من السكة الحديدية عندنا ؟

والآن فلننظر إلي أحوالنا الداخلية . لدينا ثروات معدنية ، وأراض يمكن أن تستصلح ، وقوي كهربائية يمكن أن تولد ، ومشروعات عامة من برع وطرق ومصارف وما إليها ، أنترك كل ذلك للشعب وننتظر حتي ينهض بها ؟ ! وهل نسينا مآسي كهرية مساقط أسوان ؟ وبعد كل ذلك يري من يفكرون في الهواء فيقولون : لا ؛ إن دعوة الدولة إلي التدخل معناه عدم تقتنا كأفراد بأنفسنا ؛ معناء أننا ضعاف ، وما إلى ذلك من كلام فارغ وأفرغ منه ما يجأر  به البعض من حرية الفرد ؛ كأننا في بلاد يحمي حرية الفرد فيها شئ يذكر ! لقد قلت في مقالي الذي ينتقده الكاتب إن من واجب الدولة أن تحمى الفرد من الدولة ذاتها بأحد امرين ، فإما ان تعطى القضاء العادي حق حمايته من الحكومة حماية فعالة ، وإما ان تنشئ فضاء إداريا يختص بتلك الحماية ، لأننا كما هو معلوم لا تملك الان هذه الحماية ولا تلك .

لقد حان الحين لأن تصحو إلي الواقع الذي يحوطنا ، وكفى تخبطا في نظريات غربية لا يجيد فهمها .

اشترك في نشرتنا البريدية