توفي في الثالث عشر من هذا الشهر المستر ه .ج . و لز العالم والقصصي والكاتب الاجتماعي الكبير في الثمانين من عمره بعد ان خلف وراءه سجلا حافلا من الأعمال الأدبية ما بين تواريخ وقصص وروايات قصصية وسينمائية ومقالات عملية وأدبية ومحاضرات وأبحاث اجتماعية وسياسية يخطئها الحصر .
ولد هربرت جورج ولز في برملي من أعمال كنت في ٢١ سبتمبر سنة ١٨٦٦، وكانت أسرته تنتمي إلى الطبقة المتوسطة الفقيرة ، وقد أمكنته نشأته هذه من معرفة أحوال هذه الطبقة وأخلاقها وعاداتها في عصر الملكة فيكتوريا ، فاستطاع بذلك أن يصفها في قصصه ورواياته الشهيرة وصفا صادقا ، حتما تسري فيه روح العطف والفكاهة .
واضطرت الأسرة ظروفها الاقتصادية السيئة إلي إخراج هربرت من المدرسة في الثالثة عشرة من عمره للعمل عند بائع عقاقير ثم عند بزاز الكنه استطاع أن يواصل الدراسة وأن ينتقل بفضل ما منح من مساعدات
وإعانات إلي الجامعة حتى أتم دراسته العليا ، وحصل في عام ١٨٨٨ على درجة بكالوريوس في العلوم من جامعة لندن مع مرتبة الشرف من الدرجة الأولى في علم الحيوان
واشتغل بعدئذ بضع سنين بالتدريس والمحاضرة في علم الأحياء ، ولكن شغفه بالكتابة اخذ يزداد رويدا رويدا حتى ألجأ إلى ترك التدريس والمحاضرات إلى الصحافة في عام ١٨٩٣ . وبعد سنتين من ذلك الوقت نشر كتابه الاول وهو أحاديث مختارة مع عمselect conversation with an uncle
وكانت حياة ولز من ذلك الحين هي قصة تطوره العقلي الذي نستدل عليه من كتبه الكثيرة ، وهو تطور بلغ من الكمال حدا جعل أبانول فراثس يقول عنه فيما بعد إنه " أعظم قوة ذهنية في الناطقين باللغة الإنجليزية " وفي نفس العام السالف الذكر نشر ولز أولى رواياته الناجحة " آلة الزمانthe time machine فكشفت عن عقل علمي ناضح وخيال واسع قوي ونائب؛ وتتلخص القصة في أن العلماء قد استطاعوا أن يخترعوا آلة تنقل الإنسان من الزمن الحاضر إلى الماضي وإلى المستقبل كما تنقله وسائل النقل العادية في الفضاء ، فيطل من هذه الآلة على أحداث الماضي والستقبل . وتبدو في هذه الرواية الأولى ميوله الاشتراكية وكرهه للنظام القائم في العالم في وقته ، كما يتضح ذلك من الصورة التي رسمها البعض شخصيات الرواية ،
ويحدثنا ولز في سيرته التي كتبها لنفسه بأنه اعتنق مبادئه الاشتراكية بقراءته لأفلاطون ، ولكنه اختط لنفسه من صغره خطة اشتراكية مستقلة عن سائر الاشتراكيين ، وظل طوال حياته محتفظا بهذا الاستقلال بيد أن حيويته ونشاطه الذهي الشديد جعلاه سريع التنقل من موقف إلي موقف ، يبدل آراءه من حين إلى حين غير أنه كانت له وراء هذه العقلية المثقفة التي حيرت أصداءه وأعداءه على السواء فلسفة واسعة لا تتبدل
أبدا فقد كان ولز يشعر شعورا عميقا بأن عليه رسالة إصلاح اجتماعي شامل يجب ان يؤدبها ، وقد بذل في ادائها من الجهد والحماسة الشئ الكثير . لقد كان ولز قليل الثقة بالعواطف شديد الإيمان بالعقل . نعم إنه كان يصب كرهه وحبه في حماسة وقوة ، ولكنه كان ينصاع على الدوام لحكم العقل . ولعل هذه النظرة كانت كبرى أخطائه ، فلم يكن يطيق ما في حياة الناس العادية من حمق وسخافة ، ولقد اعماه عدم صبره على هذا الحمق وهذه السخافة واحتقاره لهما عما في الطبيعة البشرية من حقائق لا يصح إغفالها بحال من الأحوال .
من أجل هذا بدأ ولز حياته الأدبية داعية من الدعاة وظل كذلك إلى آخر ايامه ؛ لقد كانت له مواهب يستطيع إذا شاء ان يصير بها أعظم كاتب روائي في عصره ، ولكن الاشتغال بالفن للفن نفسه كان مبدأ بغيضا له ؛ ولما سأله في ذلك صديق له أديب كان جوابه : " أما أنت فإن الفن لديك كالتصوير غاية في ذاته ، أما أنا فان الأدب عندي كفن البناء مجرد وسيلة لغاية
ومن هذه الفكرة نشأت سلسلة الروايات التي تعد أعظم الآثار في الأدب الحديث ، ونعني بها تلك الروايات التي تتابعت بعد" آلة الزمن" ومنها "الرجل الخفي" the invisible manوقد مثلث علي المسرح بنجاح في عام ١٩٣٤ و "حرب العوالم " the war of the world و "أول من سكن الفمر" the first man in the moon و " طعام الآلهة "the food of the gods و " حرب الهواء the war in the air( ١٩٠٨ ) - وفي هذه الرواية الأخيرة تنبأ بالحرب العالمية الأولى ووصفها كم لو كانت قد وقعت فعلا - و " العالم المحرر the world set free ١٩١٤ ) . وتمتاز كلها بتقدير كاتبها لأنار العلم وما يستطيع العالم أن يفيد منه ، كما تمتاز بالأسلوب القصصي القوي
والسخرية اللازمة . ولاشك في ان نشأة الكاتب العلمية قد أفادته كثيرا في هذه الناحية
وكتب ولز طائفة من القصص تكشف كلها من فكاهته وعن سيطرته على فن القصة القصيرة ، وتظهر فيها كما تظهر في رواياته قدرته على وصف حياة الناس الاجتماعية ونقدها.
وتشمل كتابات ولز في خلال الحرب الكبرى الأولي عدة روايات منها " الحرب التي ستنهي الحرب " و "السلام العالمي " وروايات أخري منها رواية "العام الرابع" التي وصف فيها عصبة الأمم وكشف عن عيوبها ونقائصها . ولم تكن الآراء التي تضمنتها هذه الروايات ولا النتائج التي أراد من قارئه أن يستخلصها منها صائبة على الدوام ، ولكن شجاعته قد جعلته لا يتردد مطلقا في أن يعترف بخطائه متى تبينه من أجل هذا رفعه واطنوه بعد نهاية الحرب الأولى إلي مصاف الزعماء في الحركة الفكرية التي أوحت بها المثل والآمال الجديدة التي ظن أن العالم سيقوم على قواعدها ويتبين الإنسان فيما كتبه بعد الحرب الأولى خيبة أمله في هذه المثل والأمال الجديدة ؛ فبينما يري الإنسان هذه المثل والآمال تتجلي بأجلي مظاهرها في روايتي " إنقاد المدنية the salvagingcivilisation 1921 رجال كالآلهة men like gods 1923، وهما اللتان يعدهما بعض النقاد أجمل صورة تصورها إنسان لعالم المستقبل ، إذ هو يعود بعدئذ إلي ألمه المرير من المجتمع وغضبه الشديد ، ويرى ذلك واضحا كل الوضوح في رواية " الحلم " ١٩٢٤ ، و " الدمقراطية يعاد تنظيمها من جديد democracy under revision 1927، و محاضرات السربون و الطريق الذي يسير فيه العالم the way the the world is goingو " بعد الدمقراطية after democracy1932 وصورة الأشياء المقبلة the shape 1933 of things to come وتدل هذه كلها على أن
ولز وإن ظل محتفظا بحماسته ومثله العليا قد ترعزع إيمانه بالإنسانية . وهذا الكتاب الأخير the shape of things to come من أمتع كتب ولز أجدرها بالقراءة وهو يحتوي على سلسلة من الموضوعات المختلفة تجمع بينها كلها فكرة واحدة ، هي الصورة التي يرى ولز أن العالم سيكون عليها في النصف الثاني من هذا القرن .
وقد كشف ولو في بعض فصول الكتاب عن مساوي معاهدة قرساي ، وعن عبوب النسوية التى أعقبت الحرب الأوربية الأولى ، وعن رأيه في الدول الجديدة التي أظلمتها هذه النسوية ، وتنبا بالحرب الأوربية الثانية قبل ست سنين من تطاير شررها ، وحدد تاريخها بدقة متناهية لم يخطئ فيه إلا ببضعة أشهر ، وعين سببها المباشر وهو النزاع على المر البولندي ، وإن كان قد أخطا في مداها وفي الطريقة التي انتهت بها.
على ان تزعزع إيمانه في الإنسانية لم يؤثر في عبقريته أو يقلل من نشاطه . فقد كان يفكر من زمن بعيد في كتابة قصة الإنسانية الطويلة بأسلوب جديد ، وانجز الحلقة الأولى من مشروعه الضخم رغم مشاغله الكثيرة بعد الحرب العالمية الأولى بزمن قليل ، وهذه الحلقة هي تاريخه الشامل الواضح المعروف باسمthe outline of history 1920وقد نحا ولز في كتابه هذا منحي جديدا ، فكتب تاريخ العالم الفلكي والحيولوجي والخيواني والبشري ، ولم بقصره على التاريخ القومي وعلى الحروب والفتوح.
ولكي بفهم الإنسان المبادئ التي اتبعها وأزفي كتابة تاريخه هذا وفي كتابه الآخر a short history of the world يجب ان يقرأ محاضرته التى ألقاها على جماعة المدرسين في أستراليا وزيادتة الجديدة والتي نشرها في كتابin search of hot waters تحت عنوان السم الذي يسعى تاريخاthe poison called history ويقول في هذه المحاضرة إن الطريقة الخاطئة التي يدرس
بها التاريخ في الوقت الحاضر واقتصارها علي دراسة التاريخ القومي هي أكبر الأسباب في المنازعات والحروب التي ستقضي لا محالة على المدنية الحاضرة . ذلك أنها تضفي علي الغزاة والفاتحين من المجد ما يغري بالنسج على منوالهم ، وتذكي في نفوس الشعوب الروح القومية الضيقة العارمة ويستطرد إلي مشكلة اليهود فيقول : إن الطريقة التي يدرس بها تاريخهم كما ورد في التوراة ، والتي تؤكد أنهم شعب الله المختار ، وان فلسطين هي أرضهم الموعودة - هذه الطريقة هي التي جرت على اليهود أعظم النكبات وحالت بينهم وبين الإدماج في الأمم التي عاشوا بين ظهرانيها وجعلتهم فئة منعزلة يرتابون في غيرهم ، ويرتاب غيرهم فيهم وهو يري ان التاريخ يجب ان يدرس كما تدرس الكيمياء والطبيعة وعلم الأحياء ، ويضرب مثلا لهذا تاريخ المعادن ، وتاريخ الصناعات ، وتاريخ اللغات ، وتاريخ العلوم ، وتاريخ الحركات الاجتماعية الكبرى وما إلى ذلك هذه في نظره هي النواحي التي يجب أن يعني بها في .دراسة التاريخ
وكانت الحلقة الثانية في قصة الإنسانية هي كتاب المعروف بعلم الحياةthe sceince of life 1929 وقد اشترك معه فيه جوليان هكسلي juiian huxley وج ب ولز g p wells وهو قصة مفصلة لتطور الأحياء أما الحلفة الثالثة فهي عمل الإنسان وثروته وسعادته the work weaith & happiness of mankind 1932ويشتمل على خلاصة وافية لعلم الاجتماع
وكان ولز من أنصار " الدولة العالمية" ومن أقوي الداعمين لها . ذلك أنه قد أدرك من زمن طويل ان المنازعات التافهه بين بني الإنسان من الناحيتين الاقتصادية والسياسية هي السبب الاكبر فيما يحل بالعالم من خسائر فادحة ) الأموال والأرواح تنقضي إذا استمرت على المدنية . ولهذا كرس ولز حياته للدعوة إلى قيام الدولة العالمية . والطريقة
التي تصورها لإنشاء هذه الدولة هي تنظيم الذكاء العالمي كما يبدو في رؤساء المنشات التجارية والصناعية الكبرى وفي العلماء ورجال الأعمال الفنيين . ولقد رسم صورة لهذه الدولة في كتابه (صورة الأشياء المقبلة ) وبخاصة في الفصل المعنون سمو المقصدinterest sublimation of وتألفت في عام ١٩٢٩ جميعية ه ج ولز لتحقيق هذا الغرض واتخذت مبادئ الكاتب الكبير قاعدة لأعمالها
وكان ولز واسع الأفق ، كثير الإطلاع ، عظيم المعرفة ، متعدد نواحي الذكاء كثير الأفكار ، عظيم القدرة على نشرها وإيضاحها . وكان هذا كله سبب ما وصل اليه من عظمة . وكان ولز من الرجال الذين احتفظو في شيخوختهم بحدة آرائهم وقوة عقلهم وسلامة تفكيرهم .
ولا يسعنا ان نختم هذا المقال دون أن نشير فيه إلى
بعض أمور طريفة قد لا يعرفها إلا القليلون ، منها ان ولز كان صديقا حميما للمرحوم حمد باشا الباسل كما أكد لي أحد الأصدقاء وان الكاتب الكبير أهدى إلي حمد باشا طائفة من كتبه ، ومنها ان كتابين من أهم كتب ولز قد ترجما إلي اللغة العربية وسيصدران بعد قليل ، احدهما طعام الآلهة ، والآخر نظام العالم الجديد the new world orderوأن مقالين من مقالاته قد ترجما ونشرا فعلا ضمن مجموعة " المقالات المختارة " التى أصدرتها لجنة التأليف ، وهما : سمو المقصد وحرب الجراثيم ومنها أن ولز وشو كان بينهما كثير من المنافسة والدعاية ، وقد وصفه شو بقوله : إنه هو الرجل الذي مات في سن الأربعين ودفن في سن التمانين . وكان في ذلك صادق النبوءة ، إذ بلغ ولز الثمانين من عمره لا تنقص إلا شهرا وبضعة أيام .
