توفي الشاعر المغفور له الأستاذ علي الجارم بك يوم الثلاثاء الماضي، وقت شاء القدر أن يموت وهو يستمع إلى قصيدته في رثاء المغفور له محمود فهمي النقراشي باشا، وكان يلقيها ولده الأستاذ بدر الدين الجارم في حفلة تأبين النقراشي باشا بقاعة الجمعية الجغرافية الملكية، وكان يتلوا الأبيات مع ولده بصوت منخفض، وفجأة توقفت شفتاه ومال إلى الجالس بجواره، بينما كانت قصيدته (وداع) تلقى في وداع النقراشي، حمل إلى غرفة مجاورة لقاعة الاحتفال، ثم فاضت روحه.
والفقيد الكبير تخرج في دار العلوم سنة ١٩٠٨، ثم بعث إلى إنجلترا وعاد منها سنة ١٩١٢ أستاذاً في دار العلوم، وكان بعد ذلك مفتشاً في وزارة المعارف، ثم كبيراً لمفتشي اللغة العربية، ثم وكيلاً لدار العلوم، حتى أحيل إلى المعاش سنة ١٩٤٠. وقد أختير أول بالمجمع اللغوي أول أنشاءه سنة ١٩٣٤.
وللجارم مؤلفات قيمة معروفة في اللغة والأدب، وكان رحمه الله بقية مدرسة في الشعر تؤثر الجزالة والديباجة العربية المتينة. وكان معدوداً من شعراء العروبة المبرزين، المعبرين عن
آلامها وآمالها، وطالما تغنى بمجد العرب، وله في ذلك آيات خالدات.
و (الرسالة) إذ تنعى (الجارم) إنما تنعى علماً من أعلام الأدب والشعر في هذا العصر، وهي تشعر بالحسرة لفقده، وتشاطر المحزونين عليه آلامهم، وتسأل الله له واسع المغفرة والرحمة.
هل الحج يمحص الذنوب؟
قرأت في العدد ٨١١ من الرسالة الزهراء قول الأستاذ الزيات في كلمته (حج غير مبرور) إن المجرم اغتر بقول المتزيدين من جهلة الشيوخ: إن الحج وحده يمحص الذنوب ويمحو الخطايا. وفي العدد ٨١٣ تعليق للأستاذ محي الدين حمودة خالف فيه الأستاذ الزيات في وجهة نظره في الموضوع.
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضى الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) . وقد ورد في شرح هذا الحديث أن من حج من المسلمين ولم يأتِ زوجه ولم يعمل سيئة من شتم وسباب لرفقائه والمكارين رجع كيوم ولدته أمه مشابهاً للطفل يوم الولادة في البراءة من الذنب، وهو يشمل الصغائر والكبار المتعلقة بحقوق العباد، وهذا الأخير هو المسمي بالتبعات خلافاً للترمذي فقد خصه بالمعاصي المتعلقة بحقوق الله سبحانه دون
حقوق العباد، ثم الحج بعد ذلك لا يسقط الحقوق أنفسها. بل من كان لا يقيم الصلاة: ولا يؤتى الزكاة. ولا يصوم رمضان. ولا يكاد يتشهد كهذا المسلم الفاجر أو عليه كفارة أو نحو ذلك من حقوق الله أو دين للعباد لا تسقط عنه لأنها حقوق وجبت لله أو العباد لا ذنوب.
والحاصل أن العلماء في هذا الموضوع على رأيين: الرأي الأول، اتفقوا على عدم سقوط نفس الحقوق المطلوبة لله أو للعباد؛ فمن كان عليه حق الله كصوم أو صلاة أو زكاة أو عنق في كفارة، أو حق للعباد كدية أو مال مغصوب فهذه كلها لا يسقطها الحج.
الرأي الثاني. سقوط الذنوب المتعلقة بحقوق الله تعالى كذنب تأخير الصلاة والصوم عن وقتهما.
واختلف العلماء في الذنوب المتعلقة بحقوق العباد كذنب الغصب في الأموال على اختلاف أنواعها، والتعدي بالقتل والضرب فقال بعضهم يسقط ذلك بالحج، وقال آخرون. لا يسقطه إلا استرضاء صاحب الحق أو عفو الله تعالى.
والواقع أن العلماء الذين يقولون إن الحج يمحص الذنوب ويمحو الخطايا طائفة من الحشويين الجامدين الذين لم يعرفوا من الدين إلا اسمه ولا في القرآن إلا رسمه ويعتلون ذؤابة المنابر في الريف المصري منذ قرون وهم في جهلهم يعمهون.
(قنا)

