الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 107الرجوع إلى "الرسالة"

وفاة دريفوس

Share

من أنباء فرنسا الأخيرة أن الكولونل ألفرد دريفوس قد  توفى في الخامسة والسبعين من عمره، ولم يشتهر في تاريخ فرنسا  المعار اسم بقدر اسم دريفوس، ولم يقترن باسم آخر مثل ما أقترن  به من الحوادث والحركات العظام؛ كان اسم دريفوس منذ أربعين  عاماً ملء الأسماع في فرنسا والعالم بأسره، وكانت القضية الشهيرة  التي ارتبطت باسمه، واتهم فيها ظلماً بالخيانة، أعظم قضية عرفها  التاريخ من حيث أتساع مداها، وتشعب نواحيها، وتعقد  إجراءاتها، وما أثارته مدى عشرة أعوام في فرنسا من الأحقاد  والشهوات التي كادت تزلزل أسس الحياة العامة فيها وتثير ضرام  الحرب الأهلية. وقد كان دريفوس يهودياً، وهو سر المسألة  كلها؛ فقد كانت الخصومة السامية أو حركة العداء ضد اليهود

يومئذ على أشدها في معظم البلاد الأوربية، وكانت الكنيسة  والعسكرية في فرنسا تضطرمان بهذا العداء، وكانت قضية  دريفوس نفثة من نفثات هذه الحركة التي أريد بها القضاء على  اليهودية في السياسة والجيش فاتهم دريفوس الضابط  اليهودي   (سنة ١٨٩٦)  بالخيانة العليا، وبأنه يقدم إلى بعض البلاد  الأجنبية   (ألمانيا)  معلومات عن الدفاع الفرنسي، وضبطت  ورقة سميت فيما بعد   (بالبردرو)  نسبت إلى دريفوس، وحوكم  الضابط البريء وقضي عليه ظلماً بالنفي إلى جزيرة الشيطان؛  ولكن العدالة لم تعدم أنصاراً؛ فقد أثار خصوم العسكرية  وخصوم الكنيسة على هذا القضاء الظالم دعاية شديدة؛ وبذلت  جهود قضائية وسياسية فادحة لتبيان براءة الضابط اليهودي،  وتبين فيما بعد أن   (البردرو)  وقد زُور عليه؛ وما زالت المعركة  بين     (الدريفوسيين)   وبين الوطنيين خصومهم تضطرم وتنتقل  من دور إلى دور حتى تقرر إعادة النظر في القضية مرةً بعد مرة؛  ونزل إلى المعركة كتاب عظام مثل فرانسوا كوبيه في جانب  الوطنيين، وأميل زولا في جانب     (الدريفوسيين)  ؛ وأرسل  أميل زولا صيحته الشهيرة:   (إني أتهم!) ؛ أي يتهم القضاء  والعسكرية بالتآمر والتزوير، واستمرت المعركة نحو عشرة أعوام  أعيد النظر خلالها في القضية عدة مرات، وانتهت أخيراً محكمة  النقض بأن قضت ببراءة الضابط اليهودي   (سنة ١٩٠٦)  وردت  إليه مراتبه وحقوقه، وأسدل الستار على تلك المأساة الشهيرة  التي هزت حياة فرنسا العامة أعواماً طوالاً.

هذا وسنفرد في فرصة قادمة فصلاً خاصاً لهذه القضية  الشهيرة، التي تعتبر من أعظم قضايا التاريخ.

اشترك في نشرتنا البريدية