تنعي " الثقافة " لقرائها أستاذا جليلا ، وعالما كبيرا هو الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر ، فترك بموته فراغا قل أن يملأ
كان تلميذا للأستاذ الشيخ محمد عبده ، وكان خلفا له ، ذكي حاد الذكاء ، فصيح جزل البيان ، يؤثر في السامع ببيانه ونبرات صوته وجودة أدائه وما يشع من قوة نظراته ، لبق يعرف ما يقال ومتى يقال وكيف يقال ، فلو جالسه ادق الناس مدنية وأعرف فهم بطرق اللباقة وشروطها لأنس به ، وارتاح إليه وأخذه الاعجاب به ، واسع الافق في التفكير ، حر النظر لا يتقيد إلا بأصول الدين . جمع إلي المعرفة الدينية الواسعة معرفة بالدنيا واسعة ، يعرف في السياسة كما يعرفها ذووها ، وفي وجوه الإصلاح الاجتماعي ما يعرفه كبار
المصلحين ، وفي التيارات الواضحة والخفية في العالم العربي ما يعرفه الخبيرون .
كل هذه الصفات تجلت للناس في حياته العامة والخاصة وفيما أسند إليه من أعمال .
أول ما ظهرت مواهبه أيام كان قاضي قضاة السودان فنظم القضاء فيه على اسس جديدة ، ووضع له لوائح الاصلاح . وكان موقف قاضي القضاة دقيقا لأنه كثيرا ما يمس الشؤون السياسية من قرب أو بعد ، والسياسة السودانية معقدة ملتوية ، فعرف كيف يسير سفينته في هذه الأمواج وخرج من وسطها آمنا بما استطاع من إصلاح .
وعاش في السودان عيشة من يصون عرضه بماله ، ويعتز بكرامته وكرامة منصبه ولو أنفق في سبيل ذلك كل
ما في يده من مال ووسائل ، ومن أجل ذلك أجمع على تقديره المتخاصمون ، وصادقه المتخالفون ، وخلف السودان يوم تركه ذاكرا له بالحمد والثناء والعرفان بالجميل .
وظهرت مواهبه كذلك يوم تولى القضاء الشرعي في مصر فعرف بنزاهته وتمسكه بالحق ، وفهمه للأمور فهما صحيحا وإصراره علي مبادئه مهما سبب له ذلك من أضرار .
وولي مشيخة الأزهر ، وهو منصب شائك محفوف بالمصاعب ، فدعاة للقديم أقوياء ، ودعاة للجديد أقوياء ، وظروف وملابسات لها حكمها واعتبارها ؛ وهو إلى ذلك منصب له أعباء دينية واعتبارات سياسية ونواح إدارية ؟ وعلى الجملة فهو منصب تتحارب فيه الدنيا والآخرة وتتجاذبه المبادئ التي تمس الأرض والتي تمس السماء ؛ ولذلك تعب فيه كل من حمل عبثه ، فمن استسلم تعب ، ومن جاهد تعب ، ومن اراد الإصلاح رمي بالشطط ، ومن ترك الأمور تجري كما تجري رمي بالجمود ، هكذا لقي كل من تولى الأزهر
ولما وليه الشيخ المراغي وضع نصب عينيه أستاذه الشيخ محمد عبده ، فكان يشيد به في خطبه وأحاديثه ويترسم خطي إصلاحه ، ويفكر في الخطط والمناهج التي تسمو بالأزهر إلى أرقي مكان ، ولكن ما كل ما يتمني المرء يدركه .
وقد ظهرت حرية تفكيره في القوانين التي أريد إصلاحها من إرث ووصية ووقف ، فكان في لجنته مرنا لا يتقيد بمذهب خاص ، وإنما يتقيد بأصول الدين ، ويلق نظرة فاحصة على حالة الأمة الاجتماعية وعلى ما تتطلبه من عدالة ، ثم يختار من آراء أئمة الفقه ، ما يتفق وهذا الموقف وهذه العدالة
وتتجلي سعة ـفقه بما كان يلقي من دروس في التفسير تتفق وذوق العصر وعقليته وثقافته ، إلى طلاقة لسان وجودة أداء وحسن اختيار .
فرحمه الله رحمة واسعة . وجزاه على حسن صنيعه أحسن الجزاء .

