قلت في مقالك عن حافظ وشوقى " ينظر الناقد إلى الشخصية الأدبية على أنها مادة لفته ، وموضوع من موضوعات بحثه ، ولذلك قلما نجد في تاريخ الأدب شخصية قد أغفلها النقد ولم يعتمد عليها طالما كانت النماذج ضرورة من ضرورات العمل القديم وأساساً من الأسس المذهبية في القدم ، فماهي الأسس المذهبية في النقد ؟ وما معنى النماذج التي هي ضرورة من ضرورات العمل القديم ؟ وما هي المدارس القديمة ؟
أشكر لك خطابك . . فإنه يتيح لي فرصة الرجوع إلى نفسي مرة أخرى . إذ أن الكاتب عادة يشبه الطاحونة التي تدور في اتجاه واحد وقلما تعود . وقد جاءت كلماتي التي تساءلت عنها في مقال حافظ وشوقى عرضاً ؛ ولذلك لم آبه في ذلك الحين لمراجعتها وتحديدها وتوضيحها التوضح اللازم . وقد كانت محتاجة ولا شك إلى زيادة بيان ، وذلك هو ما آثار بنفسك الرغبة في الوقوف الدقيق على معاني الكلمات حتى يظهر المعنى المقصود .
وأبدأ هذه المرة بإعطاء مثل يوضح لنا معاني الكلمات التي أشرت إليها : من المتفق عليه أن يوجد من بين المشتعلين بالأدب قوم يختصون بالنقد ويحاسبون أصحاب الأعمال الأدبية على ما ينتجون . ولا يمكن أن تنبني أحكام
هؤلاء النقاد على الاهواء الطارئة والمجاملات الشخصية ، وإنما تنبني أحكامهم على أسس مذهبية في النقد . وهذه الأسس هي عبارة عن الدعائم التي يستند إليها الناقد والمبادئ التي يرجع إليها في تعزيز مؤاخذاته لصاحب الؤلف أمام الجمهور القارئ . ولا يمكن أن يتشابه النقاد جميعا في مقاييسهم ، ويستحيل أن يصدروا كلهم عن أصل فكري واحد وعن قواعد مكررة . . وإنما ينقسم النقاد فيما بينهم وبين أنفسهم إلى فرق وشيع . . كل حسب مفهومه الخاص للعمل الفني وطريقة تقديره المؤلف المعروض . ولذلك قلنا إن هذه الأسس مذهبية ، بمعنى أنها تختلف بإختلاف المذاهب النقدية التي يدين بها كل ناقد على حدة . فالمذاهب النقدية - شأنها شأن المدارس الأدبية - يختلف بعضها عن بعض ، ويتميز بعضها من بعض ، وتقوم الفروق بين كل منها تبعاً للأسس الخاصة التي يعتمد عليها أنصار كل مذهب .
ولكن لاحظ شيئا . وهو أن هذه الأسس الفكرية التى يتشبع لها أنصار المذهب النقدي المعين محتاجة أشد الحاجة إلى الشواهد التي تؤيدها والأعمال الأدبية التي ناصرها . أى أنها بعبارة أخري محتاجة إلى النماذج الفنية التي توضح الفكرة النقدية وتجعلها حقيقة ملموسة . إذ أن الأفكار النقدية لا قيمة لها على الإطلاق ما لم ترتكن إلي نماذج من أعمال الأدباء والشعراء تثبت بها حقيقة اتجاهها وتؤكد بها صدق الادعاء الذي تدعيه . فالأساس النقدي محتاج إلى نموذج ترتسم عليه كل الصفات التي يتطلبها أصحابه في العمل الفني ، وتتوفر فيه واقعيا كل العناصر المراد تأييدها أو رفضها . وبذلك لا يتهم القارئ ناقد العمل الفني بأنه خيالي ، يقترح فحسب بغير عملية تجريبية تؤيد صدق دعواه .
وقد طلع العقاد على أدباء هذا الجيل بمجموعة من المقاييس الأدبية التي جعلها حكما في تفرقته بين الشعر الصحيح وغير الصحيح . فاتهمته الغالبية بأنه مفكر لا يزيد على كونه صاحب أفكار نقدية وحسب . فما كان
منه إلا أن أخرج كتاب ابن الرومي وشعراء مصر كتطرقات عملية لافكار وتحليلات ظنوا استحالة تمثلها في الواقع . فهذا هو ما عنيناه بالنماذج . أما سؤالك عن المدارس النقدية فيحتاج إلى إجابة قد تطول بنا إذا أردنا تحديدها وذكر أسمائها وتعيين أشياءها . ولكنك قد عرفت مما تقدم أن المدارس النقدية هي الفئات التى تختصم حول مباديء نقدية معينة . ونحن في مصر جديرون بأن نسأل هذا السؤال لأننا لم نألف هذا الجو . والمدرسة النقدية الوحيدة التي تكونت لدينا هي التي ضمت أفلام العقاد والمازني وشكري ، ولكنها فيما اعتقد قد انتهت من مهمتها ولم يبق إلا القيام بشرح وتطبيقات وتوسيع في جوانب الفكرة التي قامت عليها .
وقد كنت أود أن أحدثك عن مدارس الغرب في النقد ، ولكنى سأدع هذا لمناسبات أخرى . وأرجو أن تجد فيها فائدة تليق بروحك التواقة إلى المعرفة .

