في الرسالة الغراء (٦٦٦) في المقالة البليغة ذات العنوان (أين الأقلام) لصاحب الفضيلة العالم الأديب الأستاذ (الشيخ علي الطنطاوي) الدمشقي - هذا القول: (أين تلك الأقلام تفضح أكبر خدعة سربت إلينا، وترد
أفظع كذبة جازت علينا، وهي دعواهم أن من الخير أن نأخذ المدنية الغربية بكل ما فيها، وأن كل ما جاء من أوربة فهو خير ورشاد، وكل ما بقى لنا من الشرق فهو شر وفساد. وهذا من أقبح ما خلفه فينا الاستعمار.
فأين تلك الأقلام تدل الناس على مزايانا لنحتفظ بها، وشرور الغرب لنتجنبها، ونقيم لهم الميزان العادل، ونحكم فيهم الحكم السديد، فنرتفع عن أن نكون قردة مقلدين، ونرجع عقلاء مميزين، يعرفون ما يأخذون وما يدعون).
وقد ذكرني كلام القاضي الفاضل بشيء سمعته في خطبة خطيب في بيروت سنة (١٣٤٣ هـ) فرأيت روايته في الرسالة الكريمة، وهو يظاهر مذهب الشيخ.
سمعت ذلك الخطيب منذ ثلاث وعشرين سنة يقول: (. . . فقد اعتقدت(1) العربية العقد لبنيها وكنزت،
واحتشدت لهم في تأثير خير المال وورثت. فما أجن من ضيع هذا الميراث وما الأمة. وإذا استجديت (يا هذا) غيرك بعد فقدان ثروتك لا يجديك، وإذا انتميت إلى غير جدك وأبيك لا يعليك ذلك لكن يعطيك. وهل يسوغ لعاقل أن ينسى نفسه (ونفسه كريمة لديه يوم الذكر) ويجحد صنيعه أهله وقد أحسنوا إليه فيغدو مثلاً مضروباً في السفه واللؤم والكفر؟ ومن يجنح إلى الخسران وفي يده الريح، ومن يقبل الخذلان وقد ماشاه النجح؟ ومن يستحب على العدم، وأن تضمحل أمته في الأمم؟
فيا أيها العربي، إنك عربي ولا يراك سواك إلا عربياً، وإن شئت أن تأبق إباق من بيت عربيتك وتسل ثيابها، وتصرم أسبابها، فلن يعطيك الغرب ذلك ولن يضعك وأن أبيت إلا هنالك، وهو إما يلقاك حياً قمياً، وإما يلقاك عربياً قوياً، فيحتقرك ضعيفاً صغيراً، ويوقرك عظيماً كبيراً، ويتعبدك ذليلاً، ويؤاخيك جليلاً، فالبس البس جلد القوة، وجد كما جد الغربي، واستعد بما استعد، واعلم علمه واخبر فنه، وابل نظامه، وحقق (يا هذا) تحقيقه، وأسلك في الكون طريقه - وقبيح الشرق قبيح الغرب. فلا تجهل ولا تقبح ولا تقولن ذاك هناك، فثمة داء، وهناك دواء. فيا عليل أطلب هذا ودع السم - وجود عيشك تجويدة، وأتقن صنعك إتقانه؛ فلن يفلح بعد اليوم إلا التقن(2) واقتصد في دنياك اقتصاده، وجد إما وفر مالك جودة، وأخلص أخلص في كل عمل إخلاصه.
وذر السخفاء من العظاميين وانبذ عبيد الجهل، والزم العصاميين وخالص أهل الفضل، فليس من يهدم دعائم عربيتك كمن يشيد، ولا الأفين كالرجل الحازم الرشيد، وما جاهل أمر مثل عالمه. . .)

