الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 688الرجوع إلى "الثقافة"

ولز ومنزلة القصة فى الأدب

Share

تحدث ولز في المقال السابق عن النهضة الشعرية التي فجر ينابيعها في القرن التاسع عشر كبار الشعراء الإنجليز ثم انشأ يتكلم عن القصة في انجلترا والمانيا وفرنسا ؛ وها هو ذا يتابع حديثه في اللون الرومانسي من القصة : " وقد كتب عنها الكاتبون في ألمانيا كتابات هائلة غزيرة ، ولكنها عمت كل أوربا ، وادعي بعضهم أن شكسبير كاتب رومانسى ، وقامت كذلك فلسفة رومانسية ولاهوت رومانسي تجلى فيهما السخف والغباء ، وظهر في الإنجليزية قدر جسيم من روايات في أزياء القرون السالفة وهي القرين الذهني لعملية ابتعاث العمارة القوطية في انجلترا ؟ واستطاع سماسرة البورصة والمتعبون من رجال الأعمال أن يجدوا فرجة ينسون بها مسئوليات مناشطهم التجارية ، وينسون بها الوجود كله والموضع الذي يسيرون إليه - بإن كان ثمة موضع يظنون أنهم يسيرون إليه - بأن يستغرقوا في احلام يرون فيها أنفسهم الصلبيين البواسل والجنود الكماة والقراضية المخيفين والمنقذين للأنسات اللوائي ألمت بهن النوازل ، وهي الشخصيات التي كانت تلك القصص تتخذ منها أبطالها ، ولم يكن هناك من يدعي تحليل مظاهر ومغزي زمان تلك القصص المرتدية أزياء الماضي ، وكان ذلك هو موطن السحر فيها ، فكانت هي الملجأ الذي تلتجيء إليه عقول ترغب بكل قوتها في ألا تفكر . وكانت عقلية أبطال القصة هي عقلية الطبقة الوسطى الفنية ، بعد تصفيتها ورفعها إلى المثل العليا .

" وقد اعترف روبرت لويس ستيفنسون ( ١٨٥٠ - ١٨٩٤ ) آخر أفراد أسرة سكوت من الكتاب الرومانسبين ، بأنه كان يستطيع أن يأتي بخبر مما أتي ، ونعت نفسه بلقب " البغي العقلى"  وهو ما كان عليه شأنه في واقع الأمر ، وهذا القصص المرتدي للأزياء العتيقة كتب أيضا في قارة أوربا ، ولكنه لم يصبح هناك البتة صناعة جدية كما أصبح في بلاد المجموعة الإنجليزية ، لأن التطور

السريع لطبقة متوسطة ثرية ميالة إلى القراءة ، حدث في القارة الأوربية في زمن متأخر ، وفي ظروف أشد استثارة للأذهان .

" وهناك تطور حديث جداً ربما لحظا فيه أنه بعد حدوث فترة توقف في نمو القصة ، يشير إليه ظهور شئ من النزوع إلى جمع ثلاث روايات في مجلد أو توسيعها بنتمات لها ، ظهر توسيع آخر قريب لهذا الشكل ، ويلوح أن القصة متجهة فبما يحتمل إلي أن تصبح صورة للعالم بأجمعه ترى خلال أعين فرد طرازي ؛ وأشد هذه الروايات الطويلة الجديدة جدارة بالإعجاب رواية جان كريستوف من تأليف رومان رولاند ، التي نشرت في عشر مجلدات متعاقبة ؛ ومما يتصل اتصالا وثيقاً بهذا التوسع ، ظهور الكتب الهائلة التى لا شكل لها ولا نهاية كتب الذكرى والتعليق والوصف التي يمثل طراز كتابها بروست ( المتوفي سنة ١٩٢٢ ) ؛ وهناك شخص يكاد يقف وحيداً في أدب العالم أجمع في هذا العصر هو أناتول فرانس ( ١٨٤٤-١٩٢٤ ) - الذي تبدي راويته " قصص برجرية المسلسلة نفس النزعة إلي أن يحل محل الرواية المعزولة تعليق سار على الأشياء عامة . والأنسة دوروتي ريكاردسون التي تكتب بغزارة مشرقة معبرة عن جدول ضيق من الخبرة الرقراقة ، وكاتبة ريما جاز لنا أن نسمها " جن أوستن " القصة غير المحدودة .

" وهناك تغير شائق بتداخل القصة مع انتقال الزمن بالقرن التاسع عشر إلى العشرين ، هو الريادة المطردة في المناقشات الاجتماعية والسياسية والدينية ؛ وذلك أن الروائيين من طراز ديكنز وثا كاري كانوا يكتبون لجمهور فكراه وقيمه الاجتماعية مستقرة أتم استقرار . فإنهم لا يناقشون شيئا ؛ بل يفترضون المناظر الأخلاقية ويركزون الاتجاه على الخلق ، أعني على الجبلات والطباع الشخصية ؛ ولم يكن ثا كاري يناقش بل يعظ ؛ والوعظ أمر يخالف المناقشة اكبر الخلاف . وكانت الشخصيات ومسلكها في رواية القرن

التاسع عشر قوام مادة الموضوع كلها . على أن حالة عدم الاستقرار الدهني في الزمن الحاضر تجد نفسها منعكسة في القصص على صورة مناقشة للفكرات ، وتدخل الفكرات والنظريات إلى صميم الدراما . فتجعل الاهتمام واللذة أوفي وأتم ، وإن أسدلت شيئا من الغموض على ذلك الصنف المشدد من صوغ الشخصية على قدر من الحياة يعظم مالها في الواقع وهو أعلى ما تمتاز " القصة في العهد الفكتوري .

" وليس هناك من يشك أن في الإمكان أن يلمس الإنسان في أدب العصور الخوالى ابتدا من الحمار الذهبي : فما تلاه ، تسلفا وتوقعا لكل هذه التطورات في القصة العصرية في اتجاه نقد جوال سهل هين للحياة ووجهات النظر فيها ؛ ولكن شيئا من هذه التوقعات في ناحيتي الشكل والحجم لم يظهر في أي شئ يماثل الأضرب المنوعة والحجم الضخم الخاصين بكتابات القرن التاسع عشر التي هي روايات إلى حد ما ، ولا يكاد يكون لأي منها تلك الصفة الخاصة ، وأعني بها الحكم الحر غير الموجه في شئون الحياة جملة وتفصيلا ، وهي الصفة التي تميز الذهن في القرن التاسع عشر عنه في كل الأدوار السابقة .

" وكان قيام المسرحية ( الدراما ) يعتمد حتى ذلك الحين على وجود جماعة إنسانية مستقرة ، لها عادات ومعتقدات ثابتة ، تستطيع أن تمدها بجمهور نظارة مستمر عامر القلب بالعطف عليها . وكان من الطبيعي الموائم لعصر من الفوضي ومن إعادة التعمير في المسائل الاجتماعية ، أن يتفوض ما استقر في الناس من عادات الذهاب إلى المسارح ، وأن ينقضي نصف قرن أو يزيد تكاد تنقطع فيه الحشود المنوعة الأشكال من الناس اللذين كانوا يفكرون ويناقشون ويبحثون عن الجديد من الأشياء ، عن أن يكون لهم من يمثلهم في جمهور نظارة ذلك الزمان ؛ ومر المسرح الأوربي في دور تفاهة وانحطاط كرامة وقيمة . وأخذ يدارج الروايات والرومانسيات الشعبية في نزعتها إلى تمكين الناس من قضاء الوقت في سمر لطيف .

" وكانت المسرحية ( الدراما ) الفرنسية رشيقة وإن كانت جوفاء . وكذلك كان شأن الدراما في انجلترا ، وإن لم تصل مطلقا إلى درجة الرشاقة الفرنسية . وإنما أخذت القوي العظيمة التى كانت تطالب بالمناقشات والفكرات تبدى أثرها

في العالم الدرامي بغاية التدرج وفي وجه معارضة هائلة من النقاد ، وكان إبسن النرويجى ( ١٨٢٨-١٩٠٦ ) هو الشخصية الفعالة المركزية التى يفضلها عادت الدراما إلى الاتجاه نحو مناقشة الحقيقة المعاصرة ، وكان لنزوة باري ( Barrie)  اللطيفة أثر كبير في تحطيم التقاليد الجامدة للمسرحية المحبوكة ، كما كانوا يسمونها في انجلترا ، ثم شرع برنادشو (shaw ) المولود ( في سنة ١٨٥٦ ) يكافح في بطء مرتفعا إلى أوج التفوق والنفوذ ؟ ومن أبرز الدراميين الألمان في هذا الدور الجديد دور الإخلاص والقوة ، هو بتمان المولود ( في سنة ١٨٦٢ ) وسودرمان المولود ( في سنة ١٨٥٧ ) ، وقد أوقفت الحرب حركة النشاط الدرامي ردحا من الزمان ، ولكن انتهاءها أطلق فيضاً عميا من النشاط الحي المبشر بالخير على كل من جانبي المحيط الأطلسي ، وينعم المسرح في كل من أوربا وأمريكا في الوقت الحاضر بظل وارف قوي من الاستحداث والتجديد .

فإذا وجهنا النظر إلي تطور الأدب الأمريكي ، وجب علينا أن نميز بين دورين متباينين أشد التباين : أولهما دور السيادة الأوربية ، ما بين انجليزية وفرنسية ، وثانيهما دور الفكاك وانطلاق السراح . فقد مضي على المناشط الأدبية الأمريكية حين طويل من الدهر كانت فيه تتركز في نيوانجلند ، ولم تكن إلا محض فرع - وإن يكن فرعاً عفياً جداً - من الأدب العام الإنجليزي والأوربي ، وكان مركز ذلك مدينة بوسطون ، وأكثر كتاب هذا الدور من الحديث في إعلان الاستقلال ، ولكن ليس يلوح عليهم أنهم أدركوا أن الاستقلال قد حدث ووقع طالما كان سلطان الشكل والمنهاج باسطاً جناحه ، وكانت لأمريكا أذواقها المميزة ، وكانت أسرع إلى التقاط كارليل من انجلترا ، وأخذت ترسل نغمة من عندياتها تتجلي في مقالات إمرسون ( ١٨٠٣-١٨٨٢ ) ؛ على أن لو تجفلو لم يكن إلا مجرد شاعر  إنجليزى تصادف أن ولد في أمريكا ، وكان يكتب في موضوعات أمريكية ، وكان إدجار ألآن بو ( ١٨٠٩-١٨٤٩ ) يتبع طرائق أوربية أكثر منها أنجليزية ، وأبدي هو ثورن ( ١٨٠٤-١٨٦٤ ) أن به لمسة من شعوذة تبو تونية لها وعيها الذاتي ، وكذلك كتب و . د . هاولز ( ١٨٣٧-١٩٢٠ ) سلسلة من الروايات

المتزمنة الممتازة بطريقة تدرجه مع توماس هاردي تحث جنس المدرسة الفرنسية في تصنيف عام للرواية ، وكان هنري جيمس ( ١٨٤٣-١٩١٦ ) أمريكياً ولكنه لم يكن يكتب على شاكلة الإنجليز ولا شاكلة الأمريكان ، بل كأمريكي انتقل إلى بيئة أوربية ، وكانت مناظره على الدوام أوربية ، وكان موضوعه الاثير لديه هو الاصطدام بين الأمريكي الساذج وبين معقدات المدنيات القديمة ، ولعل أشد كتاب القرن التاسع عشر اصطياغا بالروح الأمريكية مارك نوبن .

" ولم يحدث إلا بعد بزوغ فجر القرن الجديد أن شرع الكتاب الأمريكيون بوصفهم هيئة في مهاجمة ظواهر الحياة الاجتماعية الجديدة ومشكلاتها في أمريكا ، مهاجمة يتجلي فيها شئ يشبه القوة الطليقة الموجودة في خير ما أثر عن أوربا من تقاليد ، وإنما تظهر كتب من أمثال الشارع الرئيسى (main street ) - وبابيت لستكلبر لويس والتراجيديا الأمريكية لدرايزر ، الذكاء الأمريكي مهتما بأمريكا اهتماماً مباشراً بحتاً غير ناظر بعد ذلك أبداً صوب الشرق ، يطلب المنهاج والاستحسان من أوربا . والواقع أن الشعر ورسائل الغرام الأمريكية قد أصبحت مستقلة استقلالا توشك أن تبدو فيه روح العدوان ، ويحاول أمثال منكن من الكتاب الناقدين أن يروعوا العالم بما يمتازون به من الفشاية ورقة الرؤيا ، بمحاولات يتجلي فيها الجد والإجلاب والحدة ، وكذلك يتكشف كتاب من أمثال شروود اندرسون وجيمس برانش كايل عن جدة وقوة ابتكار تبشر بكل خير ؛ ومع أنه لا يوجد حتى الآن في عالم الأدب الأمريكي العصري أسماء عظيمة ممتازة تلفت الأنظار ، ولا إنتاج متقن إتقاناً كبيراً ، فإنه من العسير على المرء إذا واهي ما عليه حال ذلك الجمهور الكبير الجديد من القراء من الثراء والوفرة والتطلع الضخم ، أن يعتقد أنه لن يكون هناك للفور هيئة جسيمة لإنتاج ادبي من الطراز الأول تظهر استجابة لطلب الفرص الأمريكية .

" وليس من اليسير في الوقت الحاضر على كاتب أوربي أن يقدر درجة جودة الأدب الهندي إبان القرن الأخير  .

فإن الحكم البريطاني يجنح إلي تجاهل الجهد الذهنى الهندي أو التقليل من شأنه ، وليست توجد إلا ترجمات قليلة من بين ذلك العدد الجسيم من الحكايات والقصص المكتوبة باللغة

الوطنية حول الحياة المعاصرة والتي أنتجت في السنوات الأخيرة . ولرابندرانات طاغور ( ١٨٦١-١٩٤١ ) شهرة عظيمة في الغرب ، على أنه معروف بوصفه شاعراً أكثر منه روائياً ، وكاتباً في شئون الحقوق الشرعية الدولية . ويلوح أن الشرق يتعقب خطي الغرب ، في تطوراته الاقتصادية والاجتماعية ؛ ويوم تصبح القوي العظيمة التي كونت القصة العظيمة والقصة القصيرة والأقصوصة . والقصيدة الغنائية القصيرة . وهي الأشكال القائمة للتعبير الأدبي في الغرب - ذات أثر فعال في آسيا ، فلعلها تنتج نتأئج مماثلة . وتنطوي اليابان والصين على حركة اختهار ذهني كبيرة جدا ، وما يزال فن الترجمة والتأويل وتنظيمهما بين الشرق والغرب - فجين غير متطورين ، ولكنها أمور يلحقها التحسين والتوسع السريع ؟ وقد لا يكون بعيداً ذلك الزمان الذي يصبح فيه كتاب المنثور - على الأقل إن لم يكن كتاب الشعر الغنائي - يتقدمون منذ فجر حياتهم العملية تقريباً إلى جمهور من القراء يعم أرجاء العالم كله .

" فأما البحث العلمي والفكر الفلسفي والنشاط الأدبي العام في هذه المدة التى تأملناها ، فكانت أوفر كثيراً ، وأعلى كثيرا في كتبها عامة وتصل إلى يد عدد أوفر من الناس ، ونسبة أكبر من سكان العالم تفوق ما كان عليه الحال من قبل ، وليس هناك أبداً ما يدل على أي توقف جسيم في هذا الفيض الذهني المطرد الاتساع . "

هذا هو مقال ولز ، ومن دواعي الأسف أنه لم يتعرض لأدب هذا الركن العربي من العالم بكلمة واحدة ، ولعل مرد ذلك أن الكتاب سطر في عام ١٩٢٠ والأدب العربي الحديث يعد في المهد ، والرائع القوي منه كأشعار شوقي وحافظ قدير الطابع عتبق الثوب لولا تجدد بعض موضوعاته ، والقصة ناشئة أو تكاد ، والروائيون في مطالع تدربهم ، لم يستو لهم بعد التدريب الفني والأستاذية القوية التي تهيأت في منتصف القرن العشرين المرحومين إبراهيم رمزي بك وإبراهيم المازني ، ولأمثال الدكتور طه حسين باشا ومحمود تيمور بك وتوفيق الحكيم بك ، وغيرهم من كتاب القصة الأقوباء الذين لم يتح بعد للعالم الغربي أن يطلع على ثمرات قرائحهم ، ولو أتبح له لضمهم إلى زمر الخالدين .

اشترك في نشرتنا البريدية