تحدث ولز في المقال السابق عن النهضة الشعرية التي فجر ينابيعها في القرن التاسع عشر كبار الشعراء الإنجليز ثم انشأ يتكلم عن القصة في انجلترا والمانيا وفرنسا ؛ وها هو ذا يتابع حديثه في اللون الرومانسي من القصة : " وقد كتب عنها الكاتبون في ألمانيا كتابات هائلة غزيرة ، ولكنها عمت كل أوربا ، وادعي بعضهم أن شكسبير كاتب رومانسى ، وقامت كذلك فلسفة رومانسية ولاهوت رومانسي تجلى فيهما السخف والغباء ، وظهر في الإنجليزية قدر جسيم من روايات في أزياء القرون السالفة وهي القرين الذهني لعملية ابتعاث العمارة القوطية في انجلترا ؟ واستطاع سماسرة البورصة والمتعبون من رجال الأعمال أن يجدوا فرجة ينسون بها مسئوليات مناشطهم التجارية ، وينسون بها الوجود كله والموضع الذي يسيرون إليه - بإن كان ثمة موضع يظنون أنهم يسيرون إليه - بأن يستغرقوا في احلام يرون فيها أنفسهم الصلبيين البواسل والجنود الكماة والقراضية المخيفين والمنقذين للأنسات اللوائي ألمت بهن النوازل ، وهي الشخصيات التي كانت تلك القصص تتخذ منها أبطالها ، ولم يكن هناك من يدعي تحليل مظاهر ومغزي زمان تلك القصص المرتدية أزياء الماضي ، وكان ذلك هو موطن السحر فيها ، فكانت هي الملجأ الذي تلتجيء إليه عقول ترغب بكل قوتها في ألا تفكر . وكانت عقلية أبطال القصة هي عقلية الطبقة الوسطى الفنية ، بعد تصفيتها ورفعها إلى المثل العليا .
" وقد اعترف روبرت لويس ستيفنسون ( ١٨٥٠ - ١٨٩٤ ) آخر أفراد أسرة سكوت من الكتاب الرومانسبين ، بأنه كان يستطيع أن يأتي بخبر مما أتي ، ونعت نفسه بلقب " البغي العقلى" وهو ما كان عليه شأنه في واقع الأمر ، وهذا القصص المرتدي للأزياء العتيقة كتب أيضا في قارة أوربا ، ولكنه لم يصبح هناك البتة صناعة جدية كما أصبح في بلاد المجموعة الإنجليزية ، لأن التطور
السريع لطبقة متوسطة ثرية ميالة إلى القراءة ، حدث في القارة الأوربية في زمن متأخر ، وفي ظروف أشد استثارة للأذهان .
" وهناك تطور حديث جداً ربما لحظا فيه أنه بعد حدوث فترة توقف في نمو القصة ، يشير إليه ظهور شئ من النزوع إلى جمع ثلاث روايات في مجلد أو توسيعها بنتمات لها ، ظهر توسيع آخر قريب لهذا الشكل ، ويلوح أن القصة متجهة فبما يحتمل إلي أن تصبح صورة للعالم بأجمعه ترى خلال أعين فرد طرازي ؛ وأشد هذه الروايات الطويلة الجديدة جدارة بالإعجاب رواية جان كريستوف من تأليف رومان رولاند ، التي نشرت في عشر مجلدات متعاقبة ؛ ومما يتصل اتصالا وثيقاً بهذا التوسع ، ظهور الكتب الهائلة التى لا شكل لها ولا نهاية كتب الذكرى والتعليق والوصف التي يمثل طراز كتابها بروست ( المتوفي سنة ١٩٢٢ ) ؛ وهناك شخص يكاد يقف وحيداً في أدب العالم أجمع في هذا العصر هو أناتول فرانس ( ١٨٤٤-١٩٢٤ ) - الذي تبدي راويته " قصص برجرية المسلسلة نفس النزعة إلي أن يحل محل الرواية المعزولة تعليق سار على الأشياء عامة . والأنسة دوروتي ريكاردسون التي تكتب بغزارة مشرقة معبرة عن جدول ضيق من الخبرة الرقراقة ، وكاتبة ريما جاز لنا أن نسمها " جن أوستن " القصة غير المحدودة .
" وهناك تغير شائق بتداخل القصة مع انتقال الزمن بالقرن التاسع عشر إلى العشرين ، هو الريادة المطردة في المناقشات الاجتماعية والسياسية والدينية ؛ وذلك أن الروائيين من طراز ديكنز وثا كاري كانوا يكتبون لجمهور فكراه وقيمه الاجتماعية مستقرة أتم استقرار . فإنهم لا يناقشون شيئا ؛ بل يفترضون المناظر الأخلاقية ويركزون الاتجاه على الخلق ، أعني على الجبلات والطباع الشخصية ؛ ولم يكن ثا كاري يناقش بل يعظ ؛ والوعظ أمر يخالف المناقشة اكبر الخلاف . وكانت الشخصيات ومسلكها في رواية القرن
التاسع عشر قوام مادة الموضوع كلها . على أن حالة عدم الاستقرار الدهني في الزمن الحاضر تجد نفسها منعكسة في القصص على صورة مناقشة للفكرات ، وتدخل الفكرات والنظريات إلى صميم الدراما . فتجعل الاهتمام واللذة أوفي وأتم ، وإن أسدلت شيئا من الغموض على ذلك الصنف المشدد من صوغ الشخصية على قدر من الحياة يعظم مالها في الواقع وهو أعلى ما تمتاز " القصة في العهد الفكتوري .
" وليس هناك من يشك أن في الإمكان أن يلمس الإنسان في أدب العصور الخوالى ابتدا من الحمار الذهبي : فما تلاه ، تسلفا وتوقعا لكل هذه التطورات في القصة العصرية في اتجاه نقد جوال سهل هين للحياة ووجهات النظر فيها ؛ ولكن شيئا من هذه التوقعات في ناحيتي الشكل والحجم لم يظهر في أي شئ يماثل الأضرب المنوعة والحجم الضخم الخاصين بكتابات القرن التاسع عشر التي هي روايات إلى حد ما ، ولا يكاد يكون لأي منها تلك الصفة الخاصة ، وأعني بها الحكم الحر غير الموجه في شئون الحياة جملة وتفصيلا ، وهي الصفة التي تميز الذهن في القرن التاسع عشر عنه في كل الأدوار السابقة .
" وكان قيام المسرحية ( الدراما ) يعتمد حتى ذلك الحين على وجود جماعة إنسانية مستقرة ، لها عادات ومعتقدات ثابتة ، تستطيع أن تمدها بجمهور نظارة مستمر عامر القلب بالعطف عليها . وكان من الطبيعي الموائم لعصر من الفوضي ومن إعادة التعمير في المسائل الاجتماعية ، أن يتفوض ما استقر في الناس من عادات الذهاب إلى المسارح ، وأن ينقضي نصف قرن أو يزيد تكاد تنقطع فيه الحشود المنوعة الأشكال من الناس اللذين كانوا يفكرون ويناقشون ويبحثون عن الجديد من الأشياء ، عن أن يكون لهم من يمثلهم في جمهور نظارة ذلك الزمان ؛ ومر المسرح الأوربي في دور تفاهة وانحطاط كرامة وقيمة . وأخذ يدارج الروايات والرومانسيات الشعبية في نزعتها إلى تمكين الناس من قضاء الوقت في سمر لطيف .
" وكانت المسرحية ( الدراما ) الفرنسية رشيقة وإن كانت جوفاء . وكذلك كان شأن الدراما في انجلترا ، وإن لم تصل مطلقا إلى درجة الرشاقة الفرنسية . وإنما أخذت القوي العظيمة التى كانت تطالب بالمناقشات والفكرات تبدى أثرها
في العالم الدرامي بغاية التدرج وفي وجه معارضة هائلة من النقاد ، وكان إبسن النرويجى ( ١٨٢٨-١٩٠٦ ) هو الشخصية الفعالة المركزية التى يفضلها عادت الدراما إلى الاتجاه نحو مناقشة الحقيقة المعاصرة ، وكان لنزوة باري ( Barrie) اللطيفة أثر كبير في تحطيم التقاليد الجامدة للمسرحية المحبوكة ، كما كانوا يسمونها في انجلترا ، ثم شرع برنادشو (shaw ) المولود ( في سنة ١٨٥٦ ) يكافح في بطء مرتفعا إلى أوج التفوق والنفوذ ؟ ومن أبرز الدراميين الألمان في هذا الدور الجديد دور الإخلاص والقوة ، هو بتمان المولود ( في سنة ١٨٦٢ ) وسودرمان المولود ( في سنة ١٨٥٧ ) ، وقد أوقفت الحرب حركة النشاط الدرامي ردحا من الزمان ، ولكن انتهاءها أطلق فيضاً عميا من النشاط الحي المبشر بالخير على كل من جانبي المحيط الأطلسي ، وينعم المسرح في كل من أوربا وأمريكا في الوقت الحاضر بظل وارف قوي من الاستحداث والتجديد .
فإذا وجهنا النظر إلي تطور الأدب الأمريكي ، وجب علينا أن نميز بين دورين متباينين أشد التباين : أولهما دور السيادة الأوربية ، ما بين انجليزية وفرنسية ، وثانيهما دور الفكاك وانطلاق السراح . فقد مضي على المناشط الأدبية الأمريكية حين طويل من الدهر كانت فيه تتركز في نيوانجلند ، ولم تكن إلا محض فرع - وإن يكن فرعاً عفياً جداً - من الأدب العام الإنجليزي والأوربي ، وكان مركز ذلك مدينة بوسطون ، وأكثر كتاب هذا الدور من الحديث في إعلان الاستقلال ، ولكن ليس يلوح عليهم أنهم أدركوا أن الاستقلال قد حدث ووقع طالما كان سلطان الشكل والمنهاج باسطاً جناحه ، وكانت لأمريكا أذواقها المميزة ، وكانت أسرع إلى التقاط كارليل من انجلترا ، وأخذت ترسل نغمة من عندياتها تتجلي في مقالات إمرسون ( ١٨٠٣-١٨٨٢ ) ؛ على أن لو تجفلو لم يكن إلا مجرد شاعر إنجليزى تصادف أن ولد في أمريكا ، وكان يكتب في موضوعات أمريكية ، وكان إدجار ألآن بو ( ١٨٠٩-١٨٤٩ ) يتبع طرائق أوربية أكثر منها أنجليزية ، وأبدي هو ثورن ( ١٨٠٤-١٨٦٤ ) أن به لمسة من شعوذة تبو تونية لها وعيها الذاتي ، وكذلك كتب و . د . هاولز ( ١٨٣٧-١٩٢٠ ) سلسلة من الروايات
المتزمنة الممتازة بطريقة تدرجه مع توماس هاردي تحث جنس المدرسة الفرنسية في تصنيف عام للرواية ، وكان هنري جيمس ( ١٨٤٣-١٩١٦ ) أمريكياً ولكنه لم يكن يكتب على شاكلة الإنجليز ولا شاكلة الأمريكان ، بل كأمريكي انتقل إلى بيئة أوربية ، وكانت مناظره على الدوام أوربية ، وكان موضوعه الاثير لديه هو الاصطدام بين الأمريكي الساذج وبين معقدات المدنيات القديمة ، ولعل أشد كتاب القرن التاسع عشر اصطياغا بالروح الأمريكية مارك نوبن .
" ولم يحدث إلا بعد بزوغ فجر القرن الجديد أن شرع الكتاب الأمريكيون بوصفهم هيئة في مهاجمة ظواهر الحياة الاجتماعية الجديدة ومشكلاتها في أمريكا ، مهاجمة يتجلي فيها شئ يشبه القوة الطليقة الموجودة في خير ما أثر عن أوربا من تقاليد ، وإنما تظهر كتب من أمثال الشارع الرئيسى (main street ) - وبابيت لستكلبر لويس والتراجيديا الأمريكية لدرايزر ، الذكاء الأمريكي مهتما بأمريكا اهتماماً مباشراً بحتاً غير ناظر بعد ذلك أبداً صوب الشرق ، يطلب المنهاج والاستحسان من أوربا . والواقع أن الشعر ورسائل الغرام الأمريكية قد أصبحت مستقلة استقلالا توشك أن تبدو فيه روح العدوان ، ويحاول أمثال منكن من الكتاب الناقدين أن يروعوا العالم بما يمتازون به من الفشاية ورقة الرؤيا ، بمحاولات يتجلي فيها الجد والإجلاب والحدة ، وكذلك يتكشف كتاب من أمثال شروود اندرسون وجيمس برانش كايل عن جدة وقوة ابتكار تبشر بكل خير ؛ ومع أنه لا يوجد حتى الآن في عالم الأدب الأمريكي العصري أسماء عظيمة ممتازة تلفت الأنظار ، ولا إنتاج متقن إتقاناً كبيراً ، فإنه من العسير على المرء إذا واهي ما عليه حال ذلك الجمهور الكبير الجديد من القراء من الثراء والوفرة والتطلع الضخم ، أن يعتقد أنه لن يكون هناك للفور هيئة جسيمة لإنتاج ادبي من الطراز الأول تظهر استجابة لطلب الفرص الأمريكية .
" وليس من اليسير في الوقت الحاضر على كاتب أوربي أن يقدر درجة جودة الأدب الهندي إبان القرن الأخير .
فإن الحكم البريطاني يجنح إلي تجاهل الجهد الذهنى الهندي أو التقليل من شأنه ، وليست توجد إلا ترجمات قليلة من بين ذلك العدد الجسيم من الحكايات والقصص المكتوبة باللغة
الوطنية حول الحياة المعاصرة والتي أنتجت في السنوات الأخيرة . ولرابندرانات طاغور ( ١٨٦١-١٩٤١ ) شهرة عظيمة في الغرب ، على أنه معروف بوصفه شاعراً أكثر منه روائياً ، وكاتباً في شئون الحقوق الشرعية الدولية . ويلوح أن الشرق يتعقب خطي الغرب ، في تطوراته الاقتصادية والاجتماعية ؛ ويوم تصبح القوي العظيمة التي كونت القصة العظيمة والقصة القصيرة والأقصوصة . والقصيدة الغنائية القصيرة . وهي الأشكال القائمة للتعبير الأدبي في الغرب - ذات أثر فعال في آسيا ، فلعلها تنتج نتأئج مماثلة . وتنطوي اليابان والصين على حركة اختهار ذهني كبيرة جدا ، وما يزال فن الترجمة والتأويل وتنظيمهما بين الشرق والغرب - فجين غير متطورين ، ولكنها أمور يلحقها التحسين والتوسع السريع ؟ وقد لا يكون بعيداً ذلك الزمان الذي يصبح فيه كتاب المنثور - على الأقل إن لم يكن كتاب الشعر الغنائي - يتقدمون منذ فجر حياتهم العملية تقريباً إلى جمهور من القراء يعم أرجاء العالم كله .
" فأما البحث العلمي والفكر الفلسفي والنشاط الأدبي العام في هذه المدة التى تأملناها ، فكانت أوفر كثيراً ، وأعلى كثيرا في كتبها عامة وتصل إلى يد عدد أوفر من الناس ، ونسبة أكبر من سكان العالم تفوق ما كان عليه الحال من قبل ، وليس هناك أبداً ما يدل على أي توقف جسيم في هذا الفيض الذهني المطرد الاتساع . "
هذا هو مقال ولز ، ومن دواعي الأسف أنه لم يتعرض لأدب هذا الركن العربي من العالم بكلمة واحدة ، ولعل مرد ذلك أن الكتاب سطر في عام ١٩٢٠ والأدب العربي الحديث يعد في المهد ، والرائع القوي منه كأشعار شوقي وحافظ قدير الطابع عتبق الثوب لولا تجدد بعض موضوعاته ، والقصة ناشئة أو تكاد ، والروائيون في مطالع تدربهم ، لم يستو لهم بعد التدريب الفني والأستاذية القوية التي تهيأت في منتصف القرن العشرين المرحومين إبراهيم رمزي بك وإبراهيم المازني ، ولأمثال الدكتور طه حسين باشا ومحمود تيمور بك وتوفيق الحكيم بك ، وغيرهم من كتاب القصة الأقوباء الذين لم يتح بعد للعالم الغربي أن يطلع على ثمرات قرائحهم ، ولو أتبح له لضمهم إلى زمر الخالدين .

