الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 687الرجوع إلى "الثقافة"

ولز ومنزلة القصة فى الأدب

Share

كتبت فى الصيف الماضى كلمة فى أحد أعداد الثقافة عنوانها " مستقبل الأدب فى مصر " رددت فيها على محاضرة ألقاها أحد الأدباء بمحطة الإداعة المصرية وأكثر فيها من ذكر الديباجة والجزالة حتى لقد حصر فيهما مستقبل الأدب العربى ، وأظهرت أن حسن الديباجة وما إلى ذلك من نعوت إن هى إلا رداء للموضوع الأدنى المراد بسطه ، وأن الأدب فى العالم كله قد أنحط فرع الشعر فيه وازدهرت المقالة نتيجة لرقى الصحافة ، وأن القصة هى آخر ما بلغه الفن الأدبى من رقى فى العصر الحديث .

وقد وجدت فى المجلد الرابع ( الذى يطبع الآن ) من كتاب معالم تاريخ الإنسانية للعلامة ه ج ولز فصلا لخص فيه تاريخ الأدب العالمى إبان القرن التاسع عشر ومستهل العشرين فآثرت أن أتحف به قراء الثقافة لما رأيته فيه من إيجاز جميل وفائدة عميقة ونفاذ إلى الغاية .

جعل ولز عنوان ذلك الفصل " القصة تبوأ منزلة الصدارة فى الأدب " مما يؤيد ما ذهبنا إليه فى تلك المقالة من أن القصة سواء أكانت طويلة أم قصيرة أم أقصوصة ، إنما هى الذروة التى بلغها الأدب فى عصرنا هذا . على أن ولز لا يعد كل حكاية قصة إذا هى خلت من المقومات الفنية التى بعدها شرطاً ضروريا لقيام القصة . وهى تمثيلها تمثيلا صحيحاً لحياة الناس وتحليلها لنفسياتهم وعواطفهم ، وإظهارها لإحساساتهم وأهوائهم ودوافعهم ، ووصفها لطرائق عيشهم من واقع حقيقتها ، وما على الآن إلا أن أخلى بين القارئ وبين ولز إذ يقول :

" من المحال فى هذا المكان الذى بين أيدينا الآن أن ندلى إليك إلا بشئ لا يتجاوز أيسر البيانات وأشدها تبسيطا تذكرها عن ذلك الفيض العظيم فى الناشط الأدبية التى حاولت القوى الجديدة فى قرن التوسع ذاك أن تعبر بها

عن نفسها . وقد سبق أن عالجنا الفكرات الرئيسية لمؤسسى الاشتراكية ومكونيها وتأثير النظرة العلمية النامية على الفكرات الدينية والسياسية والاجتماعية . على أنه من المستحيل علينا أن نفى بكامل حقوق الأهمية الدائمة والتأثير المتواصل لمفكرين عمليين من أضراب آدم سميث ( ١٧٢٣ -١٧٩٠ ) ومالتوس ، ( ١٧٦٦-١٨٣٤ ) وخلفائهما ، أو لذلك النظر والتأمل العميق النفاذ أمثال ما جاء به شوبنهور ( ١٧٨٨-١٨٦٠ ) ونيتشه ( ١٨٤٤-١٩٠٠ ) فى ألمانيا ، ثم يجئ هيجل ( ١٧٧٠-١٨٣١ ) وهو أشبه ما يكون بصنف جذاب مغر يرد فى أسفل قائمة أطعمة طويلة جداً ، ولا بد لنا من تركه . ولقد انحرف بتيار الفكر العصرى انحرافاً عجيباً جداً ، ولكنه ينتعش من تأثير إنحرافه .

كذلك ليس فى طوقنا أن نناقش هاهنا مفارقات الذوق وسخافات التأويل التى جعلت من اللورد بيرون ( ١٧٨٨-١٨٢٤ ) ذلك الهجاء الركيك الشعر الذى يضم بين جوانحه فلسفة منسكع من رجال المدن ولا يزيد - شخصية عظيمة فى فكرة القرن التاسع عشر عن الأدب فى كل أرجاء أوربا ، كذلك لسنا بواضعين جينه ( ١٧٤٩ - ١٨٣٢ ) فى كفة الميزان ، وهو من ظل طيلة سنين عديدة رب ألمانيا الذهنى والجمالى . فلقد فقد تلك المنزلة الرفيعة من زمن بعيد بعد أن نثر على العقل الألمانى ثروة عظيمة من الأدب الكلاسيكى المنقول . كان عظيماً رشيقاً مجتهداً ، كان هو الجامع النبيل فى ميادين الأدب كما كان بيرون فيها هو الثائر النبيل .

" وقد استهل القرن بتفجير جسيم فى ينابيع الشعر ، فى بريطانيا بوجه خاص ، كان شعرا ذا خصائص مميزة خاصة به ، إذ يتجلى فيه إدراك جديد للطبيعة بوصفها ذات

علاقة عاطفية بالإنسانية ، وإغفال للعقائد غير مقصود ولا مدرك ، ثم اقتراب مطلق إلى أعمق مسائل الحياة ليس إلى رده من سبيل ، وكأنما انفلت الشاعر وهو لا يكاد يشعر من سلب المعتقدات المقررة المعتنقة إلى عالم طليق .

وإن لقصائد هذا الدور عامة لغة قصصية ربما رقت فأصبحت نسيماً هفهافاً - وإنها لتتهادى وعليها من الرشاقة وحب الجدل وكثرة التنوع أبراد جميلة زاهية . وأسماء شبلى ( ١٧٩٢-١٨٢٢ ) وكينس ( ١٧٩٥-١٨٢١ ) ووردشورث ( ١٧٧٠-١٨٥٠ )  إنما هى أبرز أسماء فى هذا العصر ، عصر التعبير الشعرى الانجليزى . ولقد كان وردشورث بما جبل عليه من روح فنان منوعة الأشكال هو الطائر المغرد بالمذهب التصوفى الحلولى الذى يعبد الله فيما أبدعته يده من طبيعة ، والشادى بذلك الإحساس العميق بالله فى الطبيعة . وكان شيلى أول الشعراء العصريين وأعظمهم . وكان مشبع الذهن بالفكرات العلمية ، وكان إدراكه للسمة الوقتية التى عليها النظم السياسية فى زمانه يسبق فكرة كل معاصر به بمراحل عديدة . ثم اطرد الدافع الشعرى فى انجلترا فى الجيل المثالى بقدر أعظم من الألحان والجمال وحظ أدنى من بعيد التضمين على يد تنيسون ( ١٨٠٩-١٨٩٢ ) ، الذى نال محبة عظيمة من الناس ، وتزلف الملكة فكتوريا ، وكان أول من نال لقب اللوردية من أجل شعره من الشعراء الانجليز . وقصيدته " موت آرثر " خليقة أن نقف بإزاء فن عمارة ذلك الزمان . ولم تكن شهرة لويجيفلو ( ١٨٠٧-١٨٨٢ ) راجعة إلى أنه الكفو الأمريكي لنبسون قدر ما تعود إلى ترجيعه صوته .

" وارتقى الشكل المسمى بفن القصة النثرى - متطوراً على درجة أعظم بطئا وفى وجه معارضة وتثبيط من الهيئات المدرسانية والأكاديمية والنقدية - فيما شيئاً فشيئاً حتى أصبح والشعر بمنزلة سواء ، ثم ما لبث أن استعلى عليه وكان ذلك الشكل هو ما كان الناس يقرأون حقاً ، وكان هذا هو ما يطلبه الزمان . وأخذ الكتاب النثرى العظيم المتحدث عن الحياة . والذى يخلط التسلسل القصصى مادته ، والذى تسلفه من قبل رايليه . ونهض به ما أنتجه

فيلدنج وسترن من روايات غير مطردة السياق ، يبرز فى مهل إلى حال من الاكتمال وإلى منزلة اعتراف الناس به مع تقدم الزمن بالقرن ، ومع اطراد نموه طولاً وقوة ، ظهرت القصة القصيرة والأقصوصة إلى جواره .

" وكانت القصص الأولى قصص حوادث ودراسات للأخلاق ، وترجع بنا فانى برتى ( ١٧٥٢-١٨٤٠ ) إلى عالم الدكتور جونسون . وجاءت جين أوستن ( ١٧٧٥ - ١٨١٧ ) تعمل داخل حدود ضيقة ، فواصلت النهوض بتقاليد الملاحظات التسوية حين آن فى النهاية أو ان التعبير عنها . ومن قيود وتضييقات هذا الضرب من الحكاية المتعلقة بالأخلاق والإحساسات ، تمضى القصة الإنجليزية فتحطم أغلالها بالتدريج مع خروج ذهن ذلك العصر على ما كان يحده من أصفاد .

" وهناك شخصية عظيمة جداً كبيرة الأثر فى نوسيع الرواية تتمثل فى الكاتب الألمانى جان بول ريختر ( 1763 - ١٨٢٥ ) . فإن قصصه مجرد سمط تسلك فيه انحرافات عن السياق مزخرفة مرصعة بالجوهر . وثمة كاتب ألمانى كبير آخر هو هينى ( ١٧٩٧-١٨٥٦ ) . وقد أثر ريختر فى مؤلفات الكاتب الإنجليزى نوماس كارليل أعمق التأثير . وعن طريق كارليل اتصل تأثير ريختر الجدل غير المطرد السياق بشارلس دكنز ( ١٨١٢-١٨٧٠ ) وجرج مرديت ( ١٨٢٨-١٩٠٩ ) . وكان نا كارى ( ١٨١١ - ١٨٦٣ ) المنافس الكبير لديكنز يحمل قراءه ويهيم بهم فى الأرض ويغمرهم بالتفلسف ممسكاً بتلابيبهم على شاكلة أقرب إلى الانتهال من طريقة سترن منها من الطريقة الألمانية . وقد مثل شارلس ريد فى روايته الدير والبيت النزاع الذى ما يزال قائماً بين البروتستانت والكاثوليك فى أوربا فى ثنايا رومانس عظيمة . وألقى كل من ثاكارى وكارليل نزعتهما إلى مناقشة الحياة مناقشة حرة تقتادهما مبتعدة بهما عن أشكال الرواية الصريحة إلى التفسير والتعليق على الأدوار التاريخية . وإن هناك لرابطة طبيعية ضرورية بين الرواية العظيمة ذات الطراز الإنجليزى وبين التاريخ . وكان كتابا كارليل الثورة الفرنسية وفردويك الكبير يقرآن كما تقرأ الروايات ، ولقى ماكولى ( ١٨٠٠-١٨٥٩ )

نجاحاً باهراً بكتابه تاريخ الفترة الاستيوارية الأخيرة والحق أن الذنب فى عدم إقبال جمهرة الناس على قراءة التاريخ يقع على عاتق المؤرخين لا الجمهور . فإن أمثال ليتون ، واستراكى ، وجود الله وبيلوك من نوابغ كتاب التاريخ محبوبون فى انجلترا وأمريكا كحب مؤلفى الروايات سواء بسواء .

" فأما فى فرنسا فإن نفس الضرورات والتطلعات التى وسعت الرواية الانجليزية من قصة مجردة إلى صورة للحياة وتفسير لها قد ألهمت بلزاك ( ١٧٩٧-١٨٠ ) إلى القيام بذلك الجهد الجليل " الكوميديا الإنسانية " .

وعلى مبعدة مسافات كبيرة أدنى من بارال يجئ خلفه زولا ( ١٨٤٠-١٩٠٢ ) . ويكتب كتابه طبقات عائلة روجون ماكار - الشبيه بمؤلفات باراك وهو مجموعة من الروايات ثائر حظ أسرة فرنسية وفيرة العدد مدى أجيال عديدة ، ويقف شخص فكتور هوجو ( ١٨٠٢-١٨٨٥ ) فريداً فى زمانه ، وهو صاحب ذهن فياض جرئ زاهر يبلغ فى بعض الحين حد البهرجة المسرفة ، فيقذف بالتمثيليات ، والقصائد والروايات والبحوث السياسية . ولكن الواقع أنه حدث فى فرنسا أن سلطان الأكاديمية والتقاليد الكلاسيكية وتقاليد النظام المدرسانى ، قد روضت على الجملة فن الرواية وأخضعته ، رغم أنها لم تستطع أن تكبح هذه الحالات الاستثنائية . قال البيداجوجيون ينبغى للرواية أن تتخذ شكلا ، ولا بد لها من أن تكون صحيحة ، ويجب الا تخرج عن مطرد السياق ، ويجب أن تكون مؤدية غير شخصية فى منوالها . وبذلك اعتيقت الرواية الفرنسية وهى فى طريقها إلى حريات التجريب المحدودة ، التي كان ينعم بها الروائيون الإنجليز . وفلوبير ( ١٨٢١-١٨٨٠ ) وهو يكتب مضيفاً عليه بهذه الحدود الثابتة - هو أشد الكتاب الفرنسيين لباقة وصقلا وإتقانًا.

" وينتمى توماس هاردى ( ١٨٤٠-١٩٢٨ ) آخر الروائيين العظام فى العصر الفيكتورى إلى هذه المدرسة الفرنسية الكلاسيكية أكثر مما ينتمى إلى تقاليد الرواية الإنجليزية . ولقد ثار فى أخريات أيامه على القيود التى غل نفسه بأغلالها ، ثم هجر الرواية هجراناً تاماً ، ثم بلغ أوج

عظمته الفنية بكتابه الأمراء ، وهو تمثيل وعرض المغامرة النابليونية بأكملها فى صورة دراما وهذا مثال جديد على الوشائج الوثيفة التى تربط بين الروائى العظيم وبين المفسر للتاريخ

فالرغبة فى المعرفة بالحياة وما يحدث لها ، والنزوع إلى استجواب الحياة استجواباً وثيقاً حاداً ، تلك الرغبة التى جعلت البريطانيين يضيقون ذرعاً بقيود الشعر وتضييقاته الشكلية ورفعت الرواية ( القصة ) وأشكالها القريبة إلى مرتبة السيادة الأدبية ، - قد انتشرت فى كل الأقطار الأوربية ، فأنتجت ألمانيا والروسيا ، وإسكندرياوة بوجه خاص ، أدبًا عظيما صاغته فى شكل روايات . وأبرز اسم بيدو بين حشد حاشد من الروائيين المبدعين الألمان هو اسم جوستاف فريتاج ( ١٨١٦-١٨٩٥ ) . وانتجت النرويج مؤلفها بيورنسون ( ١٨٣٢-١٩١٠ ) ؛ وأشرقت فى الروسيا مجموعة كبيرة من النجوم المتألفة تبدأ بجوجول ( ١٨٠٩-١٨٥٢ ) وتنتهى بدستوتسكى ( ١٨٢١-١٨٨١ ) وترجنيف ( ١٨١٨-١٨٨٣ ) وتولستوى ( ١٨٢٨-١٩٠٠ ) . وتشيكوف ( توفى ١٩٠٤ ) .

" على أنه لم يكن جميع القراء فى القرن التاسع عشر تواقين مستطلعين . إذ كان يمازج الأنماط والطبقات المليئة الأذهان بالشكوك والتقدم ، أنماط وطبقات اجتماعية غير ناشطة تقاوم الفكرات الداعية إلى التقدم مقاومة فعالة .

وإلى جوار ذلك وفى قدر عظيم تام متزايد من التأليف التى كانت تستثير العقول وتنبها ، ظهر فى أوربا وأمريكا على السواء ، لإنتاج ضخم من المادة المكتوبة فى كل مستوى من مستويات التقدم الفنى ( التكتيكى ) .

" وكان الناس قد تعلموا القراءة ، إذ وجد لديهم الزمن الوفير والحاجة الكبيرة إلى القراءة ، وكانوا يقرأون رغبة منهم فى كبح تيارات أذهانهم لا فى تشجيعها على الفيض .

والسير والترسكوت شخصية سوف يحبر الأجيال للقبلة نفوذها الهائل على معاصريها ، كما حيرهم نفوذ اللورد بيرون .

فإنه بدأ حياته الأدبية شاعراً ، وكان يكتب قصائد قصصية مسهبة ثرثارة ؛ ثم انقلب بكتب سلسلة من الرومانسى التاريخية يمجد فيها الماضى الرومانسى ، ويشيد بالولاء

للملكيات ، وبثراء التقاليد وجدالتها . " ولشد ما راقت هذه النعمة الأثر والجتلفانية ، وكان الجزع قد أخذ يدب فى نفوسهم لما يرونه من جمود لا يطمئنون إليه ، يشهدونه فى الحاضر المتغير المتشكك . كان أبا لموجة من الروايات الرومانسية المليئة بالأسف ، لا فى كل العالم المتكلم بالإنجليزية فقط ، بل فى كل أرجاء أوربا .

" فأما فى قارة أوربا فإن هذين الكاتبين - وكانا بترجمان أو يكتب شعرها نثراً إلى حد عجيب  - كانا يستعملان رمزاً لموجة عظيمة مهمة من التأثيرات ، موجة معقدة فى أصولها مترابطة فى أغراضها وكنهها ، موجة قد تبددت اليوم لحسن الحظ وفرغ الناس من أمرها ، وأعنى بها الحركة الرومانسية ، وكان معناها عودة روح القرون الوسطى . وكان معناها عودة الألوان الدسمة الزاهية ، وكان معناها

إظهار الاتجاه إلى المغامرة فى الدروع السوابغ وعدم الارتياح للأساليب والمصالح المعاصرة ، وكان معناها قيام الغريزة ضد العقل والعاطفة ضد العلم . وكان يخلف من حدة نزوعها إلى اللغة العتيقة المهجورة ما كان عليه حملة لوائها من تراخ وخمول ، وكان يخالطها شئ من طبيعة حالة السكر التى تعقبها العربدة أكثر من طبيعة دور من أدوار التقدم الدهنى والجمالى . ولم يقف الأمر بها عند تعارضها مع حقائق الزمن الحاضر ، بل تجاوزته إلى التضاد والماضى الكلاسيكى ، كانت حركة كاثوليكية كما كانت تبزع منزع المذهب الفردى . " كانت هى المنبعثة للغيرى والرائعة فى أساطير مفتعلة زائفة ؛ كانت أى شئ . وكانت إذا قدرتها تقديرها النهائى مجرد لا شئ " .

( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية