في مطالع القرن السابع الهجري بدأت تظهر في أقاصي الشرق قوة جديدة ، وهي الدولة المغولية التي أسسها هذا البناء البارع القدير والهدام المتلف الميير ، الذي عرفه التاريخ باسم جنكيز خان ، وسرعان ما استرعت هذه الدولة الناشئة انظار الدول المجاورة لها ، وأثارت اهتمامها ، وأنذرتها بالخطر الذي يترقيها ، وتوقع البلاء الذي ينهددها ، وكانت تفصل هذه الدولة المرهوبة الجانب عن أقرب الدول الإسلامية منها دولة الخطأ ، ولكن الدولة الناشئة عمدت إلى إخضاع دولة الخطا وضعتها إلى رقعتها الآخذة في الاتساع ، وبذلك أصبحت حدودها متاخمة لحدود الدولة الإسلامية التى كانت قريبة منها ، وهي الدولة الخوارزمية ، وكان لابد من تصادم هاتين القوتين ؛ فقد كانت الأسباب الداعية إلى ذلك متوافرة من الناحيتين ، وفي سنة ٦١٦ هجرية أخذت جموع المغول الحاشدة وجيوشهم الجرارة تكتسح الدولة الخوارزمية المترامية الأطراف ، وعجزت جيوش علاء الدين شاه خوارزم عن دفع هذه الغارات الشعراء ، ورد هذا السيل العرم المغرق الجارف ، وكان هجوم المغول على هذه الدولة الإسلامية التعسة المرزاة عنيفا غاية العنف ، قاسيا نهاية القسوة ؛ فاستباحوا أهلها ، وأوسعوهم تقتيلا وتعذيبا ومثلوا بهم أفظع تمثيل ، وهدموا المدن العامرة ، وخربوا العواصم المزدهرة ، وأسرف المغول في سوم الناس الهوان وإتيان المنكرات ، حتى قال عميد مؤرخي الإسلام في هذه الفترة عن هذا الهجوم المغولي ، إنه الحادثة العظمى ، والمصبية الكبرى ، مؤكدا أن التواريخ لم تتضمن ما يقارب هذه الكارثة أو ما يدانيها ، وقد أتم جنكيز خان إخضاع الدولة الخوارزمية في مدى أربع سنوات ، ففي سنة ٦٢٠ عاد أدراجه . وعبر سبحون متوجها إلى منغوليا .
وقبل أن تتجمع هذه العاصفة الدمرة بعامين كان يجلس في أحد أسواق دمشق رجل قد شارف الأربعين من عمره ، وهي السن التى يبدأ الإنسان يشعر فيها بآثر الكهولة ،
فيحلم بعد الجهل ، ويعتدل بعد الإسراف على نفسه ، وتهدا سورته ، ويقل جماحه ؟ ولكن صاحبنا هذا الجالس في السوق كان على فضله وغزارة عامه وسعة معرفته لا يخلو من بعض الحمق والطيش وحدة الطبع وجفوة الخلق ، وكان قد اكثر من الإطلاع على كتب الخوارج ، وتأثر بآرائهم ، وجاراهم في تعصبهم الذميم على الإمام الرضى والمثل النادر في نبالة المنزع وسمو الأخلاق على بن أبي طالب، فجرت مناظرة بينه وبين أحد المعجبين بالوصي ، وحمي وطيس الجدل بينهما ؛ ففقد صاحبنا نوازنه ، واندفع يذكر عليا بما لا يسوغ ، ولا يليق بمقامه الرفيع ، ومكانته في النفوس ؛ فأثار ذلك غضب الناس حتى هموا بقتله ، ووجد صعوبة كبيرة في النجاة بحياته ، والخروج من دمشق ، والهرب من الوالي الذي جد في طلبه ليعاقبه على ما يدر منه ، وقد خرج من دمشق مستترا متخفيا خائفا مرعوبا ، حتى وصل إلى حلب ، ولم تطل إقامته بها ، وخرج منها إلى الموصل ثم انتقل إلى إريل ، وسار منها إلى خراسان .
كان اسم هذا الرجل ياقوت ، وكان يلقب بشهاب الدين وقد نشأ نشأة غير عادية ، فهو رومي الجنس ، وقد أسر من بلاده وهو صغير ، وحرم عطف والديه وعاني قسوة التخاسة ، وقد ابتاعه ببغداد رجل تاجر اسمه عسكر بن أبي نعمير ، وكان هذا التاجر لا يحسن الخط ، ولا يعرف شيئا سوى التجارة ، وكان مقيما ببغداد ، وقد تزوج بها ورزق عدة من الأولاد ، وقد أراد هذا التاجر أن ينتفع بهذا الغلام الروي في ضبط تجارته ، وفي حساباته ، وإمساك دفاتره، ولما كبر ياقوت شدا شيئا من النحو واللغة ، واستعان به مولاء في أسفاره ، وشغله بها في متاجره ، فكثر تردده إلى كبش وعمان وسائر نواحي الخليج الفارسي ، وكان يعود من هذه الأنحاء إلى الشام ؛ ونري من ذلك أن هذا الرجل بدأ يدرس الجغرافيا منذ نشأته دراسة عملية كان لها أثر بعيد في حياته واتجاهات تفكيره ، ثم وقع خلاف بينه وبين
مولاه ربما كان سببه ما في متباعه من حدة وما خلقته طفولته القاسية في نفسه من مرارة وألم وعقد نفسية والنواءات جنسية ؟ وكان ياقوت حينذاك في بواكير الشباب وريعان الفتوة ، فاشتغل بالنسخ بالأجرة . وأفاد من مطالعة الكتب ، وأمعن في الدرس والبحث والاستقصاء معتمدا على نفسه ؛ فلا تعرف له مدرسة انتسب إليها سوى مدرسة الحياة ، ولا نعرف له شيخا تخرج عليه سوى نسخ الكتب وقراءتها والاشتغال ببيعها ، وعاد مولاه فأسبغ عليه عطفه وقربه منه ، وأعطاء شيئا وأرسله إلي كيش ، ولما عاد من هذه السفرة كان مولاه قد فارق الحياة ، فأغطى أولاد مولاه وزوجته ما أرضاهم به . واحتفظ نفسه ببقية جعلها رأس مال له ، وسافر بها وهو يشتغل بالتجارة ، وقد جعل الكتب جانبا من تجارته ، وكان في أثناء ذلك مكيا على الإطلاع مواليا البحث مثابرا على التحصيل والدرس ، وتقلبت على عينه الدنيا ، وطوحت به طوائح الزمن ، حتى رأيناه في سوق دمشق يناظر ويجادل ويهفو في حوبة المناقشة تلك الهفوة التي كلفته الكثير ، وأرغمته على الارتحال إلى خراسان دون أن يحرج على بغداد ، لأن المناظر له بدمشق كان بغداديا ، وخشى باقوت أن يذاع عنه ببغداد ما صدر منه بدمشق فيحدث ما لا تحمده عقباه .
ولما انتهى الى خراسان أخذ ينتقل في بلادها مشتغلا بالتجارة ، دائبا في مراجعة الكتب وجمع المعلومات وحصيل الفوائد ، واستوطن مدينة مرو حينا من الزمن ، ثم انتقل منها إلى مدينة نسا ، ومضي منها إلى خوارزم ، وكانت في أثناء ذلك الأمور قد تعقدت في أقاصى الشرق ، وساءت العلاقات بين الدولة الخوارزمية ودولة المغول . وشرع المغول في هجومهم العنيف وعدوانهم الشديد ، وصادف قدومه إلي خوارزم اقتراب الجيوش المغولية منها ، وتراجع الخوارزميين ، فانهزم ياقوت بنفسه ، وقاسي في طريقه من المتاعب والأهوال ما يكل عنه الشرح ، ولا يبلغه الوصف ، ووصل بعد هذه الرحلة الشاقة المحفوفة بالأخطار إلى الموصل ، وقد تقطعت به الأسباب ، وأعوزه دني ، لتاكل وخشن الثياب كما يقول عنه ابن خلكان ؛ وقد وصف لنا هذه الرحلة المضيئة في رسالة أدبية ممتازة ، كان كتبها وهو
في الموصل إلى أبي الحسن القفطي مؤلف كتاب "إنباء الرواة على أنباء النحاة ، وغيره من الكتب القيمة ، وهو يتحدث في هذ بالرسالة عن إقامته بمرو الشاهجان ، ويقول : "إنه وجد بها من كتب العلوم والآداب وصحائف أولى الأفهام والألباب ما شغله عن الأهل والوطن ، وأذهله عن كل خل صفي وسكن ، وإنه ظفر منها بضالته المنشودة ، وبغية نفسه المفقودة . فأقبل عليها إقبال التهم الحريص ، وقابلها بمقام لا يزمع عنها محيص ، فجعل يرتع في حدائقها ، ويستمتع يحسن خلقها وخلالقها ، ويسرح طرفه في طرفها ، وينفذ بمبسوطها ونتفها ، ويذكر في هذه الرسالة أنه كان ينوي أن يقيم في خراسان بقية عمره لولا ما حدث بها من الحراب وأسبابها من المحن والأرزاء ويصفها بقوله : "كانت بلادا مونقة الأرجاء والفة الأنحاء ذات رياض أريضة ، وأهوية صحيحة مريضة ، قد تغنت أطيارها ، وطاب روح نسيمها ، فصح مزاج إقليمها . ويسترسل في وصفها وصفا شعريا يقول في ختامه : "وجملة أمرها أنها كانت انموذج الجنة بلا مين ، فيها ما تشتهي الأنفس وتلذذ العين ، قد اشتعلت عليها المكارم ، وأرجحنت في أرجائها الخيرات الفائضة للعالم، ثم يصف أهلها بكرم الأخلاق ، ونبل الطباع ، ويقول عنهم : "أطفالهم رجال ، وشبابهم أبطال ، ومشايخهم أبدال شواهد مناقبهم باهرة ، ودلائل مجدهم ظاهرة، ثم يصف الكارثة التي حلت بهم من جراء اجتياح الجيوش المغولية لبلادهم بقوله : "أصبحت تلك القصور كالممحو من السطور، وأمست تلك الأوطان ، مأوي للأصداء والغربان ، يتجاوب في نواحيها اليوم ، ويتناوح في أراجيها الريع السموم ، ويستوحش فيها الأنيس ، ويرئي لمصابها ابليس".
ويصف أثر هذه الكارثة في نفسه فيقول : "فإنا لله وإنا إليه راجعون ، من حادثة نقصم الظهر ، وتهدم العمر ، ونوهي الجلد ، وتضاعف الكد ، وتشبب الوليد، وتنخب لب الجليد ، وتسود القلب ، وتذهل اللب" ويصف تقهقره على عقبه لنا كما بقوله : "تقهقر الملوك بغلب واجب ، ودمع ساكب ، واب عازب ، وحلم غائب ، فتوصل وما كاد حتى استقر بالموصل ، وبعد مقاساة أخطار ، وابتلاء واصطيار ، وتمحيص الأوزار ، وإشراف غير مرة على البوار،
والتيار ، لأنه من بين سيوف مساولة ، وعساكر مغلولة ، ونظام عقود محاولة ، ودماء مسكوبة مطاولة ، وجملة الأمر أنه لولا فسحة في الآجل ، لعز أن يقال سلم البائس أو وصل" وهو في ختام هذه الرسالة البليغة يستنجد بالقفطى ويرجوه أن يفيئه ظل رعايته ، ويأخذ بضبعه في شدته ومحنته ، ويصرح بانه "قد ضعفت قواه عن درك الأمال وعجز عن معاركة الزمان والنزال ؟ إذ ضمت البسيطة إخوانه ، وحجب الجديدان أقرانه . ونزل المشيب بعذاره وضعفت قوي أو طاره".
وقد أقام ياقوت في الموصل مدة مديدة ، ثم انتقل منها إلى سنجار ، وارتحل من ستجار إلى حلب ، وأقام بظاهرها ، ويروي لنا القفطي أن ياقوتا لما وصل إلى حلب دخل عليه في حالة يشق منظرها ، وقال له : "إني قد القيت عصاي ببابك ، وخثيم أملي بجانب جنابك" ويذكر لنا القفطي أنه أكرم وفادته وضغط على نفسه ، وجشمها احتمال ما ذكره عن طيشه وأخلاقه الخلقية وأنحرافاته المذهبية ، وقد ترجم ياقوت للقفطي في معجمه وأثني عليه ثنا ، مستطابا ، وقدره تقديرا جميلا . أما القفطي فقد كتب عنه في كتاب إنياه الرواة كتابة الزاري المستخف والمنعم الممتن ، ونال من علم ياقوت وأخلاقه . ولست أدري أكان ذلك منه تحريا للحق وإنصافا للتاريخ ، أم كان ذلك منه يدافع المنافسة الأدبية ، وما تجره من مجافاة الإنصاف وانتقاص الأقدار ، وقد سافر ياقوت من حلب إلى مصر في تجارته المعهودة ، ثم عاد إلى حلب وأقام بها حتى واقته منبته في سنة ٦٢٦ . والعجيب في أمر هذا الرجل الذي عاش هذه العيشة القلقة المضطربة أنه ترك طائفة من الكتب القيمة بينها كتابان يعدان من أنفس الكتب في المكتبة العربية ، وهما كتاب معجم الأدباء الذي سماء ياقوت "إرشاد الألياء إلى معرفة الأدباء" وكتاب "معجم البلدان" . وقد جمع في كتاب معجم الأدباء ما وقع له من أخبار النحويين واللغويين والنسابين والقراء المشهورين والإخباريين والمؤرخين والوراقين والكتاب المعروفين وأصحاب الرسائل ، وكل من صنف في الأدب تصنيفا ، أو ألف فيه تأليفا ، وذكر في مقدمة الكتاب أنه أثر الاختصار ، وتوخي الإيجاز ،
ولم يأل جهدا في إثبات الوفيات ، وتبيين المواليد والأوقات ، وذكر تصانيف الذين ترجم لهم ، ومستحسن أخبارهم ، وبعض المختار من شعرهم والمستجاد من نثرهم ، ولم يذكر الأسانيد إلا فيما ندر ، لأنه قصد صغر الحجم ، وكبر النفع ، وقد أثبت مع ذلك مواضع أخذه ومواطن نقله ، وهو يحاول أن يسوع عمله فيقول في المقدمة : "هذه أخبار قوم أخذ عنهم علم القرآن المجيد والحديث المفيد، وبصناعتهم تنال الإمارة ، ويضاعتهم يستقيم أمر السلطان والوزارة ، ويعلمهم يتم الإسلام ، وباستنباطهم يعرف الحلال من الحرام "وهو في الجملة مرجع من المراجع الهامة لدارسي التاريخ والأدب، وقد أفادته أسفاره ورحلاته في إيران وبلاد العرب وآسيا الصغري ومصر والشام وبلاد ما وراء النهر وخراسان ، ومكنته من جمع المواد اللازمة لكتابه الآخر القيم النادر ، وهو كتاب "معجم البلدان". وقد ذكر لنا في المقدمة التي قدم بها لهذا الكتاب النفيس ، الباعث على تأليفه ، وهو اختلاف الناس في ضبط أسماء البلدان والأمكنة والبقاع ، وألقى في روعه افتقار العالم إلى كتاب في هذا الشأن يرجع إليه ويعتمد عليه ، وقد آنس من نفسه القدرة على الاضطلاع بهذه المهمة الشاقة ؛ والظاهر أنه بدأ التأهب للقيام بهذا العمل في سنة ٦١٥ وهو بمدينة مرو الشاهجان ، وذكر في المقدمة أنه اعتمد في تأليف كتابه وجمع مواده على ما دونه كبار الجغرافيين من المسلمين أمثال ابن خرداذبه والبلخي والأصطخري وابن حوقل والبكري ودواوين العرب والمحدثين ، وتواريخ أهل الأدب والمحدثين ، وما تلقاء من أفواه الرواة وتفاريق الكتب ، وما شاهده بنفسه في أسفاره وتطوافه ، ورتبه على حروف المعجم ، ولقد روي ياقوت في معجمه بعض الخراقات النائعة في عصره .
وقد اعتذر عن ذلك في مقدمة معجمه فقال: " لقد ذكرت أشياء كثيرة تاباها العقول لبعدها عن العادات المالوفة ، وتنافرها عن المشاهدات المعروفة ، وأنا مرتاب بها متبرىء إلى قارئها من صحتها ، لأني كتبتها حرصا على إحراز الفوائد ؛ فإن كانت حقا فقد أخذنا فيها بنصيب المصيب ، وإن كانت باطلا فلها في الحق شرك ونصيب ، فأنا صادق في إيرادها كما أوردتها ، فهو قد أورد ما سمع كما وعاء ؛
(البقية على الصفحة التالية )
فهو راوية أحاديث ، والعهدة فيها على من روي عنهم تلك الأحاديث ، والكذاب هو الذي يضع الأحاديث ويخترعها اختراعا ؛ وقد استغرق تأليف هذا المعجم سنوات واقتضاء جهدا ناصبا ، وكان يود مضاعفة حجمه وزيادة فوائده ، ولكنه كان قد تطاولت به السن وأحس أن الاستيعاب شئ لا يفي به طول العمر ؛ فاكتفى بما جمعه "والعين طامحة ، والهمة إلى طلب الازدياد جامحة" ، وهو ينهى من اطلع على كتابه عن اختصاره ، لأن المختصر لكتاب في رأيه ثم أقدم على خلق سوي فقطع أطرافه ، فتركه أشل اليدين ، ابتر الرجلين ، أعمى العينين ، أصلم الأذنين ، وقد أهدى كتابه إلى خزانة القفطي لأنه كما يقول : "رد عنه
صرف الدهر والمحن ، وأصبح من كنفه في حرز حريز". وقد روي له صاحب الوفيات بعض أبيات من الشعر في غلام تركي ، ولكن شعره على قلته لم يكن من الشعر الجيد المطبوع ؛ وياقوت جامع بارع ، يقظ الناقدة ، واسع الإطلاع . كثير التحصيل ، ولكنه ليس من أصحاب النظرات الكاشفة والأفكار العميقة والخواطر الملهمة ، وهو في طليعة جامعي المعارف والمعلومات ، وناظعي اشتات الفوائد والفرائد ، ومن أقدرهم على ترتيبها وتنظيمها ، وتيسير الاستفادة منها ، وسيظل اسمه مذكورا مشكورا ما بقي الأدب العربي .

