الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 337 الرجوع إلى "الرسالة"

يا سارية ، الجبل !

Share

[ مع الأجلال إلى معالى الدكتور ] هيكل باشا بمناسبة حديثنا الشفوى عن عمر

- قرأت اليوم أن عمر ... كان يخطب يوم جمعة فى مسجد المدينة ، وكان للمسلمين جيش فى حرب مع بعض أعدائهم عند سفح جبل على حدود فارس ، وكان على هذا الجيش قائد اسمه " سارية " وحدث ان كان الاعداء قد بدأوا فى تطويق جيش المسلمين بحيث لم تكن له نجاة إلا أن يلجأ إلى الجبل ، وحدث أن توقف عمر عن الخطابة وصاح " يا سارية الجبل " ، وحدث أن لجأ سارية إلى الجبل بجيشه ، فنجوا ، فلما عاد سارية إلى المدينة روى أنه سمع هاتفا يهتف فى أذنه صارخا : "يا سارية الجبل " فلجأ إليه فنجا ، فقال له الناس إنه صوت عمر ... أليست هذه قصة عجيبة ؟ وهل تصدقها ؟

- ولم لا ؟ أو ما يهتف الآن الإنسان فى لندن فيسمعونه فى طوكيو ؟ هذه كتلك

- ولكنهم الآن يتصل بعضهم ببعض عن طريق التليفون بل لقد اختصروا الآن التليفون ، واستغنوا عن أسلاكه . وجعلوه " راديو " . الناس ارتقوا

فليكن . . . ولكن الراديو لا يزال أداة يستعين بها الإنسان على التخاطب من بعد ، ولولاها لعجز عنه

لا بأس . ولكن الإنسان إذا واصل رقيه العلمى واصل اختصار الراديو والتقليل من أدواته حتى يبلغ من الرقى درجة

يستغنى بها عن اختراعه هذا واختراعاته كلها ... وعندئذ يستطيع أن يخاطب طوكيو وهو فى لندن من غير أداة ؟

-وأن ينتقل من طوكيو إلى لندن بغير أداة ! -فى كم من الزمن ؟ -هذا يرجع إلى مقدرته على تحويل الزمن ! - تحويل الزمن ؟ وإلى أى شىء يمكن أن يتحول الزمن ؟

-إلى أزمنة وإلى غير ذلك مما يعلم الله . ما يخيل إلينا أنه مستحيل الحدوث ، يمكن حدوثه ، فالله قادر على كل شىء ... أنظرى . . . أتصدقين أننى أستطيع أن أسسك هذه الزجاجة الفارغة وأن أقول فيها بعض كلمات ثم أسدها فاذا الزجاجة مصباح مضىء يلقى النور ؟

-هذه لم يصنعها حاو ، ولا نبى ، فتصنعها أنت ؟ - ولا أنا أصنعها . . ولكنى أسألك أين وجه الاستحالة فيها ؟ - إستحالتها فى أن تتحول الكلمات إلى نور . . . هذا هو المحال المتعذر لأن الكلمات حروف والنور أشعة

- وما رأيك فى أن هذه الاستحالة قد ذللت واستطاع أهل السينما الناطقة أن يحولوا الكلمات والحروف والأصوات إلى أشمة ونور ، بل إنهم يخزنون الصوت والضوء فى أشرطة من " الباغة " ... ما رأيك ؟

-هذا مفهوم ومعقول لأنهم يستعينون عليه بالآلات - أنت لم تقولى فى البدء إن المعضلة معضلة آلات ، وإنما قلت إنها مسألة استحالة طبيعية ، وإنه ليس من شأن الصوت أن يتحول إلى ضوء . . . والآن ، وقد رأيت أن الصوت قد يحول إلى ضوء ، قلت إن ذلك تيسر بالآلات . . . وأنا أقول لك إن لكل شيخ طريقة وأدوات ، فمن الناس من يستعينون بالحديد وبالمغناطيس والكهرباء يستعيرونها من الخارج ، ومنهم

من له عزم هو الحديد ، ونزوع هو المغناطيس ، وروح مؤمنة صافية هى الكهرباء ؛ وقد كان عمر من هؤلاء ، وقد اكتفى بهذا فانطوى له الزمان وانطوى له المكان ، وهتف فى المدينة فسمعه سارية وهو على حدود فارس ... وإذا كنا نحن نعيش فى هذه الحضارة صما بكما عميا فليس لنا أن نلزم السامعين الناطقين المبصرين بأن يكونوا مثلنا فلا يسمعون ولا يتكلمون ولا يرون إلا بالآلات والادوات . . أنا ولله الحمد نظرى كامل وإن كان سمعى ناقصا ، أفاذا رأيت النملة فى السقف أنكرت أنت على أن أراها بغير منظار معظم ، فإذا سمعت أنت دبيبها أنكرت أنا عليك أن تسمعيه بغير مكبر الأصوات ؟ ليس هذا من حقى ولا من حقك ، ولا من حق جيل الحديد والزلط الذى يريد أن ينكر على عمر إلقاء الأمر إلى سارية من المدينة وسارية على حدود فارس . وإن نسبة التقى بين عمر البشر وأستاذه الهادى الأمى محمد النبى الرسول صلى الله عليه وسلم ، لتساوى فيما أرى النسبة بين هذه التى حدثت من عمر وبين تلك التي كانت من النبى إذ أسرى الله به ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى

- آمنت بالله ورسوله ... إذن فقد انتقل النبى بجسمه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ...

- انتقل بروحه وبجسمه وبكيانه كاملا غير منقوص ، وليس هذا من الله عجبا ، وهو يرويه فى القرآن ، والقرآن كتابه ، وإن كنت تنكرين فاجمعى الإنس والجن وائتوا بسورة من مثله -وأني لى أن أجمع الجن ... هل تعرفهم أنت وهل تستطيع جمعهم ؟

- إنى لا أستطيع جمعهم لأنى أضعف من ذلك ... - ولكنك تعرفهم ؟ ولعلك أيضا تعرف الملائكة ؟ -لم يقل لى أحد ما الملائكة ، وإن كان أستاذى النائم عبد السلام شهاب قد عرفنى بالجن ...

- ما هذا الاسم العجيب ؟ لم أره يكتب لا فى الهلال ولا فى المقتطف ، ولا فى الرسالة ، ولا فى السياسة ، ولا فى الثقافة ... فأين تقرأ له

- إنى لا أقرأ له ولكنى أسمع منه ، وهو يكتفى بأن يقول لى وأن اكتب أنا ، وقد قال لى إن الجن ناس ، وأسمعنى مرة إياهم وأراني مرة بعضهم . ولم يردوا هذا

- وكيف يمكن هذا ؟ أو أن له استعدادا خاصا ؟ -له ، وهو مثل كل استعداد غيره يهبه الله لمن يشاء من عباده فيمكنهم به من القيام بما يعجز عنه غيرهم . . وهو كذلك الاستعداد الذى يستطيع به الفنان ان يلمح طبع الخير فى بعض الناس وطبع الشر في بعضهم من غير أن يحتك بهم ... وهو كذلك الاستعداد الذى يلمح به المهندس العلاقات بين النقط والمستقيمات والمنحنيات فيصل بعضها ببعض وبفرق بعضها عن بعض ويبنى على ذلك ما يشاء وما لا يوفق إليه غيره ... ولقد سمعتهم يطبلون طبلا رهيبا فى ليلة هادئة ... وهؤلاء لم أرهم ... أما الذى رأيته فواحد كان يسير فى ليلة مظلمة فى طريق قفر ضيق وراء بيت " عبد الرازق " فى عابدين

- ألم يقل لك " بخ " ؟ -لا ... وإنما كان يهرول إلى جانب الجدران وقد انشغل كل الانشغال عن الدنيا وكل ما فيها بما لا يمكن أن يكون إلا تسبيحا ؛ فلما قرأ عليه الذى كنت معه السلام رد السلام في خفوت وسرعة ركبت فيها حروف السلام بعضها بعضا ...

-إذا كان هذا هو كل ما سمعته ورأيته فإنى أستطيع أن أقول إن الذين سمعتهم يطبلون الطبل الرهيب بشر ، وإن الذى رأيتماه وحياه صاحبك بشر أيضا ...

- وعلى الرغم من انه كان معنا ثالث لم يرشيئا مما رأيناه ... ولم يسمع ، فأنا لا أقول غير ما تقولين

-إذن فلا جن ولا عفاريت - إنكارك هذا راجع إلى أنك تتصورين الجن من غير الناس بينما هم ناس . وكل ما فى الامر ، عندى ، انهم يختلفون عن الإنس بأنهم جنوا بمحبوب ، لكل منهم محبوب . وهم ينطلقون إلى هؤلاء بإحساسهم وتفكيرهم وأخلاقهم وأجسامهم وكل كيانهم ولم يعودوا بعد ذلك يأتنسون بغيرهم من الناس ، وقد يسندنى فى هذا أن العرب رووا أقاصيص كثيرة عن الجن وأنهم كانوا يظهرون للناس ويحادثونهم ويعاشرونهم أحيانا ، والقرآن الذي نزل بلغة العرب ذكر الجن بلغة العرب وعنى الجن الذين يعرفهم العرب ... زيدى على ذلك أن بعض أئمة المسلمين أباحوا للمسلمين التزوج من الجن المسلمين وأهل الكتاب ، ومعنى هذا أن الجن ناس يكونون جنا أحيانا ، ويكونون إنسا أحيانا . أو يلزمون حالة الجنة إذا استغرقوا فيها .

- إذا كان هذا ممكنا فإنه ممكن أيضا أن يتحول الإنسان إلى جن ... أليس كذلك ؟

- كل شىء ممكن . فقد كان إبليس ملكا وتحول إلى جن بعد أن فسق عن أمر ربه ، والملك الذي أرسل الله لمريم يبشرها بعيسى تمثل لها بشرا سويا . وسئل النبى ( ص ) كيف يرى جبريل فقال : إنه يراه أحيانا فى صورة دحية الكلبى ، على ما أذكر ، وهو إنسان . وتفسير قول النبي يحتمل فرضين : فإما أن يكون النبى فى الخلوة فيحضره جبريل فى صورة دحية ، وإما ان يكون مع دحية على انفراد أو بين ناس فيستشف النبى فى قرارة دحية ... جبريل ... وأنا أميل إلى الأخذ بالفرض الثانى ، ولا أمنع الفرض الأول ... وأعلل الرأى الذى أميل إليه بأن حالات من التقى والرحمة والصفاء محل ببعض الناس ، فإذا هم ينقون من نوازع الدنيا ويسمون إلى دعاء الله فهم عندئذ ملائكة ... يشعرون بالخير والهدى لا يراهم إلا من فتح الله عليه ، وهم انفسهم لا يهدون وإن كانوا يلهمون الهدى لمن قسم له الله أن يلهم وأن يُهدى بنظرة منهم أو إشارة أو كلمة أو سكتة أو حركة

- ولكن هذا الذى تقول ليس فى شىء من كتب الدين - وليس فى كتب الدين حديث عن الألغام الممغطسة ، وليس فى كتب الدين ذكر التلفزيون . ولا تنس أن كثيرا من كتب الدين أحرق بعد سقوط بغداد ، وأن ديننا إسلام وتفكير وتدبر ، وللمجتهد المخفق فيه ثواب ، وللمصيب ثوابان ، والله يعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسه ... وإني سألته التوفيق فلا تقفى فى طريقى ، أو فمدى لي يد العون يكن لك عند الله الجزاء ... أو تعرفين أنت الملائك والجن ؟

-لا ، وإنما أرى وصفك الملائك كأنه الشعر ، وأرى وصفك الجن يمكن أن يطبق على ناس كثيرين جدا هم الدين ينصرفون بكيانهم كله إلى هدف ما ، ومن هؤلاء من هم خيرون ، ومنهم من هم أشرار

- إنى لا أستطيع أن أدافع عن رأيى فى الملائك بأكثر مما قلت إلا أن أزيد أنى أراك كالملائكة أحيانا ... -إذن فرأيك صحيح ...

- وأما الجن ، فلا تتصورى أن وصفى إياهم يمكن أن يطبق على ناس كثيرين جدا كما تقولين ، فليس من الميسور للكثيرين

أن ينصرفوا بكيانهم كله إلى محبوب واحد يجنون به ، ويستولى على جماعهم ... وإنما أغلب الناس بل جلهم يتشتتون وتتوزع اتجاهاتهم ورغباتهم واهواؤهم ، وينزعون إلى الائتناس بغيرهم كلما استوحشت أنفسهم أهواءهم ورغباتهم واتجاهاتهم

- ومع هذا القيد فإنى لا زلت أستطيع أن أعتبر الإنسان العبقرى المنصرف إلى فنه من الجن ...

- إذا كان لا يأنس بغير فنه ، وإذا كان لا يستوحش فنه مطلقا ، واذا كان لا يشغله غير الفن شاغل ... وكلما قل فيه هذا كان أقرب إلى الناس

- واتباعا لما تقول أيضا نستطيع أن نعتبر الإنسان الشرير المستغرق فى الشر جنًا ...

- إذا كان لا يأنس بغير الشر ، وإذا كان لا يستوحش الشر مطلقا ، واذا كان لا يشغله شاغل غير الشر إذا ترك لنفسه يختار المشاغل ، فهو إذا قابل الناس ابتدرهم بالأذى ، وهو إذا غفلت عنه الدنيا أحرقها بناره . إنه الجن الشرير غير المسلم

- ولكن الذين يعنون بهذه الأحاديث يروون عن الجن أنهم قادرون على الاختفاء ، فكيف تعلل هذا الاختفاء ...

- قلت لك إنها قدرة يعطيها الله لمن يشاء فيطوى بها المكان ويطوى بها الزمن ، يقابلها فى الناحية الاخرى عجز عن الملاحظة

- لقد سكت عنك حين نسبت هذه الخوارق للانسان الراقى ولكني لا أظن أنه يحسن السكوت عنك إذا نسبتها أيضا للانسان الشرير الذى يؤذى الناس

- إن هذا الشرير الذي يؤذى الناس إنما ينزل بالناس قضاء الله الذى هم أهله ، وإن لله حكمة فى كل ما ترين من تصرفات عباده ألم يقتل الخضر طفلا لحكمة ؟

كان الخضر شريفا ... وقوة كقوته إذا أسطيت لشرير ... كان فيها تشريف للشر

-ليس التشريف فى القوة ، وإنما هو فى استعمالها ... كل الناس فيهم القوة التى تمكنهم من الارتقاء والتحول ، أو فيهم نواتها ، ومع هذا فأقلهم الذين يريدون أن يرقوا وأن يتحولوا ... - وهل تريد أنت أن تتحول ؟ ... أظنك تريد أن تكون ؟ ملكا ؟

لا . . . إنى أريد حقا أن أرقى ، ولكنى أريد أن أظل إنسانا فقد فضل الله الناس على خلقه جميعا ... ذلك أن الملك منصرف الي الله يعبده فقط ، والإنسان يستطيع أن يعبد الله وأن يتأمل خلقه أيضا ، وأن يفكر فيه ، وأن يتدبر حكمة الله ، وأن يتحدث بنعمته ، وأن ينشئ بعد ذلك من فنه عبادة ترضى الله وهى غير عبادة الملائكة ... وإلا فقولى لي لماذا فضل الله الناس على خلقه جميعا ... إلا بالعقل ، إن علينا أن نتجه إلى الله بعقولنا ... كي نحقق أفضليتنا . إن فينا القوة التى تمكننا من التعالي على الملائكة ... ولكن كم منا استطاع أن يكون ملكا لا أكثر

- ألست تقول إننى أحيانا أبدو كالملائكة ؟ ... لا تؤاخذينى فقد نسيت ... لأنك لا تكونين هكذا إلا نادرًا

- إذا كان عمر وهو عمر لم تحدث منه الخارقة فيما روى من حياته إلا مرة واحدة حسبما قرات ، فهل تظن أن غيره يمكن أن يحدث منه أمثال هذه الخوارق مرات ؟

كان موسى نبيا رسولا ، وقد ساير الخضر وكأنما كان طفلا معه ... فالله أعلم كم يستطيع كل إنسان أن يأتى من الخوارق ... ولكن المؤكد أن الجنة تصيب بعض الناس في لحظات خاصة يتلخص فيها وجودهم فيقومون بأعمال ، أو يقولون كلاما ، ولو سئلوا كيف صدرت عنهم أعمالهم أو أقوالهم هذه عجزوا عن تعليلها ، وقال بعضهم إنها إرادة الله ، وقال بعضهم وجدت نفسى فعلت أو قلت ، وقال بعضهم لا أدرى ، وقال بعضهم جننت ، والحق أنهم جنوا بأهوائهم ، وغلبهم طبائعهم وانطلقوا غير مختارين ولا مقيدين بعقولهم إلى نحو ما كانت تنتزع إليه أرواحهم ، وما كانت ترتاح إليه أبدانهم تنفيذًا لشىء من قضاء الله سبحانه

- وقد كان كذلك عمر ؟ - كلا ... إن عمر لم يجن ، وإنما عمر رأى ، وقال ، وسارية سمع ... فعمر إنسان ممن فضلهم الله على الجن وغير الجن من خلقه ...

اشترك في نشرتنا البريدية