الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 302الرجوع إلى "الرسالة"

يا غازى. . . عليك رحمة الله!

Share

عليك رحمة الله   (يا غازى) الحبيب،  يا فخر الشباب، يا من  لم يمتع بالشباب!

يا سيد العرب، يا من  روع فقده العرب.  يا بدر العراق الآفل،  يا أمل الشام الذاهب  يا دنيا من الفتوة  والبطولة والنبل  طواها كف الموت  (يا غازى) عليك رحمة الله!

بالأمس استصرختك وأنت أملنا وملاذنا، وأنت عوننا على الدهر الظالم، والعدو الغاشم، أفأقوم اليوم لأرثيك يا أملنا  ويا ملاذنا؟ أأقف على قبرك الطريّ مودعاً وباكياً، وقد كنت  أقف على بابك العالي مستغيثاً ومستصرخاً؟ أأخاطبك اليوم من  وراء القبر وقد كنت بالأمس ملء الكون حياة وقوة وشباباً؟

ليتنى ما عشت حتى أرى هذا اليوم ! ليت يدى ما طاوعتنى حتى أكتب هذا المقال ! ليتنى ما بقيت حتى أرثيك يا غازى ( يا غازى ) جل الصاب وما لنا فيه يدان ! (يا غازى ) عظم الخطب وضاقت الحيلة! (يا غازى ) لو كان ينتدى ميت لفداك العرب بأنفسهم ! (يا غازى ) قد فقدناك فعليك رحمة الله

على شبابك الكامل، على بطولتك النادرة، على أيامك الحلوة،  على ذكرياتك الخالدة، على روحك الطاهرة (يا غازى)رحمة الله!

أفى عشرة أيام يدور الفلك، وتتبدل الدنيا، ويستحيل عيد  مولد الملك الشاب الحبيب، إلى مأتم الملك الشاب الحبيب؟

أفى عشرة أيام تمر دنيا كاملة، تبدأ بأعظم عيد عرفه هذا

الشعب هو عيد ميلاد  (غازى) وتختم بأجل مصاب رآه. وهو  المصاب   (بغازى) ؟

من كان يظن وهو يشهد أفراح هذا الشعب فى   (٢١ آذار)   يوم الربيع الطلق، ويوم (غازى)الذى كان أمرع من الربيع  وأبهى، أن الفجيعة الكبرى كامنة فى الغد القريب، وان هذا  الشعب سيلطم وجهه ويمزق ثوبه حزناً على(غازى)؟

أأحسست بالغد القريب فذهبت تستعجل القدر لتهيأ لأمتك  كل شىء قبل أن تمضى، فعرضت جيشك يوم الثلاثاء لتؤكد  لها القوة والأيد، وفتحت السدة يوم الأربعاء لتضمن لها الحضارة  والخصب، وعطفت على آلام سورية لتنشئ لها الوحدة والعزة،  وأجريت الخيل يوم الجمعة لتعلم وليدك الصغير كيف يكون فارساً  قبل أوانه، كأنك شعرت أنا سنفجع فيك قبل الأوان؟

لقد كنت قريباً منك يوم   (عرض الخيل)  فرأيت فى عينيك  وأنت تراقب أبنك معنى من معانى الغيب ولكنا ما أدركته،  ومن أين يخطر على بالى أنك كنت تودعه، وتفكر فيه كيف يفقد  أباه ويجد الملك، فلا يدرى ما الملك ولا بنى ينادى: بابا. . .؟  من كان يظن أن الملك الشاب ابن الخمس والعشرين يموت؟

من كان يظن أن هذه الهبة الكبرى إنما هى استعجال  للقدر، وأن هذه الأيام العشرة إنما هى الخاتمة البارعة لتلك الحياة  البليغة؟: ولكن هل تم كل شئ حتى تستريح   (يا غازى) ؟

لقد وعدت   (وفد العروة)  أن تشرفهم بلقائك وما عهدناك أخلفت  قبل اليوم وعداً. لقد كمل الجسر العظيم الذى لم ينشأ مثله فى عهد  الرشيد والمأمون، فأين أنت لتفتحه بيدك، وتخطو فيه أول  خطوة؟ لقد وصل الخط الحديدي إلى الموصل أفلا تفضلت فرعيته  وافتتحته؟ لقد أجمعت أمه الشام على نصبك ملك، وتسليمك  عرش أبيك على رغم الظالمين، فأين أنت لتسكن قصر أبيك  فى دمشق وتحتل عرشه فيها؟ لقد تهيأ العرب ليمشوا تحت لوائك  إلى قمم المجد وذرى العظمة، فتقدم يا قائد العرب يا مليك؟ وأين قائد العرب؟ أين المليك؟ لقد مشى إلى رحمة الله، فإنا لله وإنا إليه راجعون!

أحين اشتدت المعظلة، واستحكم الأمر، ورجوناك للخطب  لا يرجى فيه إلى أنت. .؟

أحين تعلقت بك الآمال، وأقبلت عليك القلوب، وغدوت  حبيب الشعب المفدى. .؟

أحين تمت بك الأفراح، وكادت تتحقق بك المنى. . .؟ اللهم لقد حرمت كل شيخ منا ابنه، وكل فتى أخاه، وكل  صبى أباه، حين أخذت سيدنا وحبيبنا وملكنا غازى! اللهم فارزقنا الصبر، وأين منا الصبر؟

(يا غازى) أرفع رأسك ساعة وانظر إلى شعبك. إنه يحار  ماذا يصنع، فهو يسكن واجماً ثم يثور نادباً، ثم يستفزه الألم  فيقرع الطبول ويرقص رقصة اليأس. إنه يحمل صورتك مجللة  بالسواد فلا يراها أحد حتى يبكى. على أنهم حملوا صورتك  فى الأفئدة ونقشها على صفحات النفوس، فأنت من كل قلب  حبته، ومن كل عين سوادها؛ اسمك آهة على كل لسان، ودمعة  فى كل مقلة، وخفقه فى كل فؤاد، ومناحة فى كل بيت عربي. . . فيا غازى، عليك رحمة الله!

لقد لحقنى اليوم طفل ما أحسبه بلغ الرابعة، فجعل يطلب منى  بإلحاح ويشير بيديه؛ فأعطيته فلسين فألقاهما فى وجهي، فزدتهما  فرما الأربعه، فتفهمت قصده فإذا هو يطلب شارة سوداء كالتى  أضعها فى صدرى ليعلن بها الحزن عليك، فدفعتها إليه فانصرف  وهو يذكر اسمك ويبكى!

لقد رأيت عجوزاً تنظر إلى رسمك المجلل بالسواد وتبكى بحرقه  كأنما تبكى فيك ولدها الوحيد، وهى تظن أنه ما يراها من أحد  إلا الله!

لقد أغمى على كثير من الطلاب والطالبات لما سقط عليهم  الخبر الأسود. لقد احمرت من اللطم صدور وخدود يؤذيها  مس النسيم!

يا غازى، يا أيها الفتى القوى، يا أيها الفارس الطيار، ألم تعد  تستطيع أن ترفع رأسك مرة أخرى لترى ما صنع شعبك؟

لقد مت من القضاء مرت ولكنا متنا من الحزن ألف مرة،  وسنموت من الحزن ألف مرة، ولن ننساك (يا غازى)، مثلك  ما ينسى!

إن الشام الذي نادى بك مليكاً منذ أيام وكنت أنت أمله  لم يبقى له أمل، فهو يبكي فيك اليوم كل شهيد من شهدائه.  إنه كان يحبس دمعه من أجلك فلم يحبس الدمع من بعدك؟

إن العجوز التى كانت تتلقى أبنها وهى تهتف باسمك،  لم يبقى لها من تهتف باسمه من بعدك! (يا غازى) من لأطفال الشام، من لنسائه، من لضعافه الذين  يسومهم القوى ألوان الخسف؟ (يا غازى)من لهم، وباسم من  يهتفون من بعدك؟

(يا غازى) ما تيتم لفقدك فيصل الصغير وحده ولكن فقدك  يتم كل عربى. ما يتم فيصل الصغير، أبداً ماتيتم، إن كل عربيى له أب وخادم وصديق، إن له فى قلب كل عربى مكاناً!

أحقيقة أنهم أودعوك جوف الثرى؟ (يا غازى) إنى والله ما أصدق أنك مت! (يا غازى) لقد سمعت الخبر فكذبته، ولعنت ناقله وانتظرت  أن أراك طالعاً علينا، تمر مر النسيم الناعش، مرّ الرجاء الحلو  بخيال الآيس الحزين، تحيى شعبك، وتسبغ عليه القوة والحياة  بابتسامتك المنيرة وفتوتك الباسلة؛ وطفقت أراقب الساعة أحسب  الوقت فلم تمرّ، فشككت ولكنى لم أصدق ما قال المرجفون،  ورأيت النساء يبكين ويندبن، فبكيت والله ولكنى لم أصدق  ما قاله المرجفون. . . وشاهدت بغداد وملء شوارعها البكاء  والحسرة والندب، ولبثت أشك ولبثت أرجو، حتى سمعت المدافع  ووعيت صحيحة، فلم يبقى شك ولم يبقى رجاء. . . لقد تحقق النبأ  فواحسرتاه. . . لن نراك   (يا غازى)  طالعاً علينا، لن نبصر من  بعد موكبك ولا ابتسامتك ولا تحيتك، فيا غازى فى ذمه الله  وأمانه، يا غازى عليك رحمة الله.

يا أهل بغداد! مات غازى فابكوا واندبوا، فعلى مثل غازى يحلو الندب والبكاء. يا أهل بغداد! ما فجعتم فيه وحدكم، ولكنها فجيعة العرب بسيد العرب.  لقد كان منار رجائنا   (معشر الشاميين)  فانطفأ المنار. لقد كان لنا  مناط الأمل. لقد كان لنا كل شىء. . . فيا أهل بغداد كلنا  فى المصيبة سواء

ولكننا سنتبع طريق غازى، وسنمشى تحت لواء خليفته.  حتى نبلغ الغاية التى سعى إليها ويقول التاريخ: إن العرب يبكون  سيدهم الراحل لأن لهم عواطف وقلوباً، ولكنهم يخلصون لسيدهم  الجديد لأن لهم مطامح وعقول. فيا غازى أذهب إلى رحمة الله  مشيعاً بالحب والإكبار. ويا أبن غازى اعل العرش، وانشر اللواء  واحمل التاج، فإنه ليسر روح غازي فى سمائها، وعظامه فى ثراها  أن يخلص شعب غازى لخليفة غازى كما أخلص له.

يا غازى عليك رحمة الله. ويا خليفة غازى ابسط يديك فهذه  بيعتنا، وسر بنا إلى الأمام فهذه سواعدنا وهذه أرواحنا. . .  إلى الأمام. . . وعلى غازي رحمة الله والسلام.

اشترك في نشرتنا البريدية