قرأت وأنا طالب أدرس الفلسفة ، أن أفلاطون تخيل أطفالاً وضعوا في غار ، وسلسلوا بالسلاسل الغلاظ كيلا يتحركوا ، وجعلت وجوههم تلقاء الجبل ، وظهورهم إلى الطريق ، وشبوا على ذلك ، فكانوا يسمعون وقع خطي المارين وأصواتهم في احاديثهم ، ويرون ظلالهم على جدار الغار ، فيحسبون أن الظلال هي التي تتكلم ، وأن الدنيا هي هذا الغار ، ولا يتصورون أن للظلال حقائق ، وأن وراء الغار عالماً واسعاً ، وأن فيه نور الشمس ومعنا القمر وزهر الربيع - وقال إننا في دنيانا كأولئك الأطفال ، لا ندري أن كل ما نري ظلال لحقائق كبري هي عالم المثل العليا (Les ldees) وأن النفس قبل أن تسجن في الجسد ، كانت تعيش فيه حرة طليقة عالمة ، وأن كل ما نتعليه إنما
هو الذكر ومراجعة
وما أدري ، أأحسنت التلخيص والنقل ، أم أنسانى بعد العهد وطول المدى حقيقة المسألة ، ولكن الذي أدرية إنى اقتنعت بهذه " النظرية " مذ قرأنها ، وخالطت فكري وحسي ، ووافقت ما كنت أشعر به ولا أملك البيان عنه ؛ إذ كنت أحس من صغري أنى أعيش في مجال ضيق ، وأن قلبي في ظلمة ، وأن في نفسي فراغاً لا أدري كيف أملؤه ، وأني لا أشعر بالنور والسعة إلا في لحظات سريعة أكون مستغرقاً فيها في عبادة ومناجأة ، أو في عاطفة وحب ، أو في تأمل وخيال . ولازمتي هذا الحس الغريب طول حياتي ، فحبيب إلي الآلم ، الألم الهادي المستمر الذي أحبه الشعراء ، وهتف له " موسية " وصحبه ، ودعوه بالأشعار البارعة ، وهتفوا له بالمآسي البالغة ، لأنه يدينهم من (عالم المثل) ويسمو بهم عن لذائذ
الدنيا التافهة ، كما حبب إلي الخيبة والمصائب ، وجعل النقد البالغ والهجاء الساحق والإنكار والإهمال بكسبنى قوة ويشد أعصابي ، ويشعر في بازدراء هذه الدنيا والدنو من عالمى المنشود ، ولقد سحت في البلاد ، ولقيت الرجال وشهدت أفراحاً ورأيت مآسي ، ونلت نجاحاً ولمست الخيبة ، وذقت الفقر وكدت أذوق الغني ، وأحببت وأبغضت ، وكان لي أصدقاء ، وكان لي أعداء ، وعرفت كل ما في الحياة من ألوان وصور ، فما ازداد فلي إلا شعوراً بالضيق والظلام . إنه لم ير النور إلا لمحات خاطفة ، فتارة يشرف عليه نور الإيمان (1) وأخري يخطف فيه سنا الحب ، وحيناً يومض فيه ضوء المجهول يتطلع إليه أو التأمل يستغرق فيه ، هنالك بشعر هذا القلب باللذة ، لذة لا تدوم ...
وطالما رأيت بصيصاً يلوح لي من بين حنادس الماضي . فقمت أسعي وراءه بخيالي وأطلبه ، وكم شاقني التذكر فنفيت خلال الماضي ونبشت ركامه ، وبحثت في دقائقه . وكم سهرت الليالي أناجيه بأعذب كلماتى ، وأدعوه بأحلى أسمائه ، فيلببي وتحمل إلي يد الذكرى أجمل ازاهيره ، وأبهي أوراده ، فإذا لمستها وهممت بشمها اساقطت أوراقها واستحالت من القدم هباء ، فلا يبقي في يدي منها شئ . .
وما أغي ماضي بالصور والعواطف ، وإن كانت أيامه قصاراً ، إني لأفكر فيه أحياناً وأعرض صوره ، فتدور بي الأرض من كثرتها وازدحامها وتفرقها في البلدان ، ولا أستطيع أن أنتبتها. خمس عشرة سنة كاملات وأنا أذرع الأرض في طلب المال والمجد ، ثم رجعت ويدى صفر من المال ، وما لقيت من المجد إلا الأوهام ، وكل ما ريحته هو الذكريات . لقد كنت أغرس الحب حيثما حللت ، وأدع كلما أحببت فلذة من قلبي : ففي
الشاذروان والميزان من (دمشق) ، وبين الأشرفية والحرش من (بيروت) ، وفي الأعظمية والكرخ من (بغداد) ، وفي الجيزة والروضة من (مصر) ، وبين الآبلة والشط من (البصرة) ، وفي السهل الأفيح من (تسلمية) وعند كسرة (الدير) ونيران (كركوك) وبين زمزم والحطيم ، وفي الروضة المباركة وعند القبر الأنور ، فلذات من هذا القلب المسكين . . ولو ذهبت أعرض دقائق صور الماضي لزاغ بصري من طول التحديق ، ولسال الفؤاد من العينين رقة وشوقاً إلي صحبي في تلك البقاع وخلاني ، وإلى تلك الديار التي كانت لي وطناً ، وكل ديار فيها المآذن وطبي وأهلها أهلى.
كم شاقني هذا الماضي ، كم ساهرته وسامرته ، كم بكيت لأفراحه التي فقدتها ، كم بسمت لأراحه التي زالت عني ، غير أني لم أجد النور الذي أبغى ، ووجدتني لم استمتع بالماضى يوم كان حاضراً ملموساً ، فأنى لي المتعة به وهو محض ذكري وطيف يمر على الخاطر ؟ !
وعدت إلي ظلام الغار وضيفه وسلاسله
ثم رايت نوراً يومض من بين سجف الآتى وأستاره ، فهرعت إليه أمزق السجف بخيالي أدعو المستقبل وأناديه ، وأقوم على رؤوس السنين أحادثه وأناجيه ، وهو لا يجيب ، وجعلت المستقبل أكبر همى أتطلع إليه أرجوه وإخافه ؛ فلما كنت تلميذاً كان المستقبل كامناً وراء الشهادة بيسم لي عن ثنايا كاللؤلؤ الرطب فيستهوينى ويستملينى فأصبو إليه وأميل ، فلما أخذت الشهادة فر مني فأختبأ وراء الوظيفة ، فلما نلتها هرب فتواري وراء الشهرة ، فلما ذقت منها ضاع منى قلم أعد أراء أبداً . .
كدر على عيشي هذا المستقبل ، فإن سعدت لم ألذ بسعادة خوف فقدها فيه ، وإن تلت نعمة ثم أنعم بها خشبة ألا تدوم ، ووجدتني كلما قبضت عليه استحال في يدي حاضراً مقيتاً ، ولم يبق ذلك "المستقبل" المرجو المرتقب ، فكأنه الرغيف الذي زعموا أن ساحراً نفث فيه ، فكلما
برفعة الآكل إلي فيه صار خشبة يابسة ، وإن تركه عاد رغما . فزهدت في المستقبل ، وخبا في عيني نوره .
وطالما لاح لي النور في النية فاتته من (عتابا" لبنان تحملها أجنحة الليل فتجوز بها على ذراء المالية فنقيس من سموها وجلالها ، وتهبط بها أوديته العميقة المتأدية فتأخذ من خشوعها وسحرها ، ونسلك بها طرقه الضائعة خلال الأودية والشعاب ، وقراء البعثرة الدائمة بين تلك السفوح المخضرة والسحاب ؛ فأري في هذه الأغاني ثمة من العالم المجهول ، ولكن كما يرى الناظر إلي المدينة في سواد الليل وإذا لمع البرق ثم اختفي
وطالما لاح في الوميض في القصة العميقة الفور التي تطرق باب "المجهول" ، وفي القصيدة التي كتبها الشاعر بمداد قلبه ، والبحث الذي وضع فيه العالم عصارة عقله . فأكون مع الكاتب والشاعر والعالم كأبي في عالم أفلاطون الذي وصف وتخيل ؛ ثم تنتهى القصة ، ونفذ أبيات القصيدة ، ويختم البحث ، فأعود إلي ظلام الغار وسلاسله فتركت ذلك كله ، وانغمست في عباب الحياة ، أصبح فيه وأفارع بالأيدي وبالأرجل ، وأزاحم وألاطم ، لعل الضجة تحجب عن أذني صوت نفسى التي تطلب عالمها ، فغامرت في سياسة الأحزاب ، وجردت قلمى ولسانى ، حتى قالوا له قلم كالسيف البتار ، ولسان كالسنان الماضي . وكثر من بمدحني ويرفعني إلي السماء وكثر من يذمنى ويهبط بي إلي الحضيض . وأصلحت وأفسدت ، وظلمت وظلمت ، وكنت أخلو إلي نفسي بعد الخطبة التي لعبت فيها بالقلوب ، فصفقت لي قبل الأكف فأجد نفس فارغة لم يملأها شيء من تلك الأوهام ، فانطفأت نار حماستي حتى عادت رماداً . وانقلبت بي الحال فذهبت أطلب العزلة وأسعى إليها ، فهبطت مدائن لا أعرف فيها أحداً ، ونزلت غرقاً في فنادق ما وراء بابها من يعرفني أو يهتم بي أو يسأل عني ، آملا أن
يفتح في اليأس من الناس وعالمهم باب عالمي المنشود ، فما وجدت إلا الكآية والملل ، وما أحسنت إلا ظلمة (الغار) ونقل قيوده ، أفما لهذا الليل من آخر ؟ اما العالم النور من طريق ؟
ألا يا من عرفتم الطريق دلوا عليه التائهين ، ألا يا من بلغتم عالم المثل الأفلاطونية خذوا بأبدي الضالين إليه ...
فأين البالغون ؟ أين الصوفية الذين سموا أنفسهم مشايخ الطريق وقاموا للهداية ومنارهم الشرع وإمامهم رسول الله ، ووضعوا للسالكين العلامات والضوء ، وقسموا الطريق إلي مراحل ومحطات ، وزهدوا في الدنيا قبل أن يزهدوا فيها الناس ، وها هو ملذاتها الذاتية لأنهم ذاقوا طعم المدائد الباقية ، وهربوا من الناس كيلا يكدروا عليهم صفو ما هم فيه ، ولم يلقحوهم ليمدوا إليهم يداً تدعو إلي تقبيلها ويداً تسأل صدقة وعطاء ، أين أنتم ؟ هذا أوانكم ! وهذا موطن الحاجة إليكم ! دلوني علي الطريق فقد طالت حيرتي ! أ روني النور فقد اشتد على الظلام ! أخرجوني من ضيق النار وثقل السلاسل والقيود إلي سعة العالم ونعمة الإنطلاق . . وأين من يعرف الطريق ، أين ؟ !
