منذ بضعة أسابيع دعا أحد الرجال الإنجليز البارزين ممن يدعون إلى فكرة الاتحاد الدولي، شخصية ممتازة من الرجال الفرنسيين البارزين إلى اجتماع في أكسفورد. فشرح الإنجليزي رأيه في النظام الأوربي الحديث، وصور لضيفه الفرنسي نظرية الاتحاد الدولي الأوربي، والأساس الذي يقوم عليه، ثم استطرد قائلاً: (سوف ينتخب المجلس بطبيعة الحال من الدول القوية، وسوف يكون عدد الممثلين فيه بنسبة عدد سكان كل دولة) . فاعترضه الضيف قائلاً: (ولكن عدد الألمان ٠٠٠. ٠٠٠ .٨٠ وعدد الفرنسيين ٤٠. ٠٠٠. ٠٠٠، فهل تعني أن يكون عدد ممثلي الشعب الألماني ضعف عدد الممثلين الفرنسيين) . قال الإنجليزي: (أو ليس هذا هو المنطق المعقول) ؟
لقد وقع هذا الحوار بين رجلين من رجال الأعمال. ولعل الفزع الذي أوقعه كل منهما في نفس الآخر، هو مقياس ما بين وجهتي النظر البريطانية والفرنسية في السياسة الخارجية. فهذا الإنجليزي ينظر إلى الحق بالطريقة الحسابية المجردة، وينظر إلى جميع الاعتبارات التي نسمها باسم الضمان الوطني، كشيء لا يتفق مع قواعد الأخلاق. بينما يهتم الفرنسي بالضمانات الحربية التي تطلبها بلاده، ويرى أن فكرة الحكومة الدولية، ما هي إلا فكرة (يوتوبية) خيالية أو سياسية ميكافيلية للعود إلى موازنة القوى الدولية ضد فرنسا. ومن ثم غادر أكسفورد وصدره يغلي بالضغينة وفؤاده يفيض بالسخط
إن من الواجب علينا قبل أن نطالب حكومتنا بالبيانات الوافية عن المقاصد الحربية، وقبل أن نتقدم إليها بمزيد من المقترحات، أن نضع حلاً للمشكلة الإنجليزية الفرنسية. فكل ما نشأ منذ نهاية الحرب الماضية، من الاختلافات التي قد تعكر صفاء العلاقات الودية بين الدولتين في بعض الظروف، لم يكن منشأه اختلافاً
جوهريا في المبدأ، فنحن مرتبطين مع الفرنسيين برباط وثيق من تقاليد المدنية الغربية العتيدة منذ زمن بعيد، ولكنه يرجع في الغالب إلى اختلاف الطبيعة نظراً للفوارق الجغرافية والتاريخية بين البلدين
يزيد هذا الاختلاف تأثيراً، أن كلتا الدولتين ديمقراطيتان، فبينما تستطيع الدول الدكتاتورية أن تتفاهم فيما بينها على إهمال الرأي العام، وعدم الاهتمام بآرائه ومعتقداته يظل رجال السياسة الديمقراطية مرتبطين بشعور الرأي العام وهو ينظر إلى الظروف الحاضرة من وجهة نظره المحدودة الضيقة
فالرأي العام الفرنسي والبريطاني كلاهما يعانيان تلك النظرة الديمقراطية المحدودة. فإذا أردنا أن نجد حلاً لهذه المشكلة يجب أن نضع قواعد وأسساً صالحة لفهم وجهتي النظر التي تذهب إليها كل من الدولتين. فبدلاً من مناهضة فكرة الضمان التي تغالي بها الوطنية الفرنسية يجب أن نفكر فيما إذا كنا نستطع أن نعود منها بفائدة صالحة للدولتين

