يعيش الناس حياتهم كما تمليها عليهم الظروف . . لا يحاولون أن يغيروا فيها أو يسلكوا طريقا غير الطريق الذى سار عليه من سبقهم . . لذلك نجدهم أشبه بعربات الترام التى تسير دائما على نفس القضبان . . ذهابا وإيابا . . ذهابا وإيابا . . حتى تفسد الآلات فتباع كأدوات مستهلكة وقلما نجد رجلا استطاع أن ينحرف عن هذا الطريق ليتصرف فى حياة كما يريد وفق طبيعته غير متقيد بالتقاليد السائدة . .
فإذا وجدنا رجلا من هذا النوع لكان من الواجب علينا أن نتمهل ونستقصى بإمعان حالته . .
لذلك كانت رغبتى شديدة فى مقابلة توماس ويلسن . فقد سمعت أنه قام بعمل جرىء ومغامرة خطرة جعلتنى أشتناق إلى رؤيته لأجلس إليه وأستمع لقصته بتلوها هو بنفسه .
وقد أتيحت لى هذه الفرصة عندما كنت أزور كابرى . فقد كنت - ذات مساء - أجلس مع صديق لى فى شرطة داره ، فأشار صديقى فجأة إلى جموع الراقصين من الفلاحين وقال : - انظر . . ها هو ويلسن - أين ؟ .
- ذلك الرجل ذو القميص الأزرق . . - ألا تستطيع أن تدعوه إلى تناول كأس معنا ؟ . . - حسنا . سأدعوه .
وغاب صديقى بضع دقائق ، ثم عاد برفقة ويلسن ، وقدمنى إليه فصافحنى بأدب ، ولكن دون اهتمام . . وقال الصديق :
- ألا تأتى معنا فنتناول كأسا ؟ . فأجاب ويلسن : لقد كنت على وشك الانصراف لتناول العشاء . . - ألا يستطيع العشاء أن ينتظر ؟ . - بلى . وابتسم ابتسامة جذابة . .
كان يبدو عليه الطيبة والرقة ، وكان يرتدى قميصا أزرق من القطن وسروالا رماديا قذرا من القماش الخشن ، وفى قدميه حذاء ممزق .
وتناول معا كأسا من النبيذ ، ثم ودعنا وانصرف . والتفت إلى صاحبى وقلت : - إنى لا أصدق كلمة من القصة التى تقولها عنه . . - ولم ؟
- إنه يبدو لى رجلا عاديا ليس فى إمكانه أن يقوم بمثل هذه الأعمال التى تنسبونها إليه .
ومرت الأيام وفى ذات صباح بعد أن استحممنا فى البحيرة صاح بى صديقى قائلا :
- انظر . . ها هو ذا ويلسن قادم نحونا . . ورآنا ويلسن فاخرج الغليون من فمه ولوح لنا بيده ، فقصدنا إليه وجلسنا معه نتحدث . .
وسألته : كم عاما قضيتها هنا ؟ . فأجاب : خمسة عشر عاما . . إنى أحب هذا المكان أكبر الحب . وأعرف كل حجر به . . ولدى هنا متسع من الوقت للقراءة فى شتى الموضوعات . . ولكن الموضوع الذى أحب دائما أن أقرأ فيه هو التاريخ الرومانى . .
قلت : ما أحبه فى كابرى هو الفراغ ، والوقت الذى يتسع لكل ما أريد القيام به . .
فأجاب : أجل . الفراغ آه لو علم الناس . إن الفراغ لأرخص ما فى الوجود وأجمل ما فى الوجود . . ما أحمق الناس ! . إنهم لا يدركون أننا يجب أن نهدف نحو الفراغ . . العمل ؟ إن الناس ليعملون من أجل العمل . . بينما العمل فى الحقيقة ما هو إلا وسيلة لتمكن الناس من الحصول على الفراغ .
وتأمل المناظر التى حوله مليا ، ثم استطرد قائلا : - ما أجمل هذا المكان ! . عندما أتيت هنا لأول مرة ورأيت هاتين الصخرتين الشاهقتين ، ورأيت القمر فوقهما ساطعا جميلا . . ورأيت الصيادين يرمون شباكهم فى البحيرة ، شعرت بالسلام والنور والجمال يغمرن قلبى . . وقلت لنفسى : لم لا أمكث هنا إلى الأبد ؟ . . لقد ماتت زوجتى منذ أمد ، وقضي المرض على ابنى الوحيد ، وليس هناك من أعولهم ومن يضرهم ابتعادى عنهم . .
وسمعت قليلا ، ثم عاد يقول : - وبدأت أفكر . . لقد كنت فيما مضى أعمل كل يوم ما فعلته فى اليوم السابق . . حياة مملة غير جديرة بأن يحياها
المرء . ولو ظللت على هذه الحياة كما يعيش الناس لأحلت على المعاش بعد مدة واعتكفت منتظرا الموت . . لذلك فكرت فى أن أهجر العمل وأعيش وفق طبيعتى لأتمتع بالحياة .
ولكنى لم أقدم على هذه المغامرة إلا بعد عام . . وذلك عندما قرأت إحدى القصص . .
ملخص القصة هو أنه كان فى أحد عصور التاريخ مدينتان : إحداهما تدعى سيباريس ، والثانية كرونونا . وقد استمتع أهل سيباريس بالحياة وعاشوا فى مرح وسعادة واستهتار . .
وعاش أهل كرونونا يعملون ويجدون فى العمل . . وفى أحد الأيام هجم أهل كرونونا على سيباريس وقتلوا أهلها وخربوا المدينة .
وبعد هذا الهجوم يضع سنين ، هجم أهل مدينة أخرى علي كرونونا وقتلوا أهلها وخربوا المدينة . وهكذا لم يبق من سيباريس أو كرونونا حجر . وكانت نهاية الشعبين واحدة . . فمن من الشعبين جدير بالإعجاب ؟ .
لذلك قدمت استقالتى إلى رئيس العمل وحزمت أمتعنى ، وأخذت ما معى من نقود وسافرت وجئت إلى هنا . . وسألته : ألم تندم . فأجاب : أبدا . إنى أتمتع بكل لحظة هنا . وأطلت النظر إليه فأننابتنى رعشة ، فلما رأى ذلك ابتسم وقال : - تعال معى . . سأريك منزلى
وأرانى المنزل الذى يعيش فيه ، وأخبرنى أنه قد استأجره من زوجين يعيشان فى البلدة . . ثم جلس يعزف على البيان ألحان شومان وشويير وبيتهوفن وباخ وشوبان . .
لقد مكث خمسة عشر عاما بالبلدة يتمتع بجمالها ويستحم ويعزف على البيان ويقرأ ويلعب الورق ويحضر الحفلات . . يحب الناس دون أن يتصل بأحدهم اتصالا قويا ، ويعيش
باقتصاد ولكن حياته مترفة . . لا يهتم بالنساء ولا تعكر عليه غريزته لا يقبل أن يسيطر شئ على روحه فيقيدها ويحد من حريتها . . حياته كلها أنانية ، فهو لا يخدم أحدا ، ومع ذلك فهو لا يضر أحدا ؛ فكل همه هو أن يسعد هو . . وأظنه نال ما يتمناه . . إن القليل من الناس من يعرف أين يبحث عن السعادة ، والقليل جدا منهم من يجدها . لست أدري أهو غبى أو حكيم ، ولكن ما أعلمه حق العلم هو أنه يعرف ماذا يريد لنفسه .
وغادرت كابرى واشتعلت نيران الحرب بعد ذلك بسنة فلم ارجع إليها إلا بعد ثلاثة عشر عاما . . ووجدت صديقى القديم مرة ثانية ، فسألته عن ويلسن فأجاب :
- إن قصته لتبعث الألم فى النفس . . فسالته : هل انتحر ؟ لقد أخبرنى أنه سينتحر يوما ما . . وبدأ صديقى يقص على قصته . .
- لقد ظل ويلسن يعيش بالجزيرة حتى انتهى ماله وانقطع عنه مورد الرزق ، فبدأ يستدين ، وأقنع القوم بأنه ينتظر أن يرث ثروة ضخمة . . ولكن المدة طالت وبدأ القوم يشكون فى صحة روايته ، فانقطعوا عن معونته ، ولم يستطع أن يدفع أجر منزله ، فهدده المالك وحدد له مدة يدفع فيها الأجر
وانتهت المدة . . وفى اليوم التالى وجدوا ويلسن مغشيا عليه فى حجرته . . لقد حاول الانتحار خنقا . . وأرسلوه إلى المستشفى فقضى هناك مدة حتى شفى . . وأشفقت عليه زوجة المالك فأباحت له النوم فى الإصطبل ، وكانت تقدم له القليل من الطعام على أن يقوم بتنظيف البيت وملء الجرات .
وتابع صديقى القصة فقال : - ولما ذهبت لأراه وجدته نصف مجنون ، ونظر إلى نظرة غريبة . . سأحاول أن أصفها لك . إذا رميت بحجر إلى أعلى فلم يرجع بدت على وجهك نظرة غريبة . . هى نفس النظرة التى كان ينظرها ويلسن .
والآن . . تجده يسعى طوال اليوم بين الجبال . . وقد حاولت الاقتراب منه مرات عديدة ولكنه كان يفر كما يفر الأرنب البرى . .
إنها لحياة مروعة ، ولكنه نال ما يستحق . . فأجبت صديقى :
- إن كل إنسان ينال ما يستحق . وبعد ذلك بثلاثة أيام كنت وصديقى نتنزه بين الجبال فصاح صديقى فجأة . . - ها هو ويلسن . . لا تنظر إليه لئلا يخاف . . استمر فى سيرك
فتابعت السير ، ولكنى لمحت من طرف عينى رجلا مختبئا وراء شجرة زيتون . . وشعرت أنه يراقبنا . . وفجأة سمعت صوتا . . لقد فر . كما يفر الحيوان المطارد . .
ومات ويلسن فى السنة الماضية . لقد تحمل هذه الحياة ست سنوات ، ووجدوه أخيرا راقدا فى سلام ، كما لو كان قد مات أثناء نومه . . مات بين الصخرتين الشاهقتين وتحت ضوء القمر الساطع . . لقد قتله جمال الطبيعة .
