الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 605الرجوع إلى "الثقافة"

يحكى أن, الجرح الخفى، للكاتب الهنغارى كارولى كسفالودي

Share

في صباح ذات يوم ، استقبل الجراح الشهير زائراً في عجلة من أمره ، يطلب الاهتمام بحالته ؛ فإنها لا تحتمل التأجيل لحظة واحدة . وأفصح وجه الرجل الشاحب وحالته العصيبة عما يعانيه من ألم جسدى شديد . وكانت يده اليممي ترتكز على رباط حامل ، وانفلتت من بين شفتيه صيحات من الألم من حين إلى آخر .

- تفضل اجلس . ما الذي استطيع أن أفعله لك ؟ . - لقد أصبحت عاجزاً عن النوم منذ أسبوع . إنها آلام في يدي اليمني لا استطيع أن أعلل لها سبباً . فلعلها من سرطان أو أى داء عضال آخر . إنها لم تضايقني كثيراً بادىء ذي بدء ، بيد أنها أخذت تؤلمني أخيراً ، فتسلبني راحتى . تؤلمني ألماً فظيعاً ، ألماً يزداد كل ساعة ، ويشتد شيئا فشيئاً حتى أصبحت لا أحتمله . لقد أتيت إليك من بلدتي أطلب استشارتك . فإذا كتب على أن أكابده ساعة أخرى ، فأنا فاقد عقلي لا محالة . إني أود أن تحرقها أو تقطعها أو تفعل بها ما تشاء .

فطمأنه الجراح بقوله : إنه ربما ليس هناك ما يدعو إلى إجراء عملية جراحية . فالح الرجل قائلا :

- كلا ، كلا ، لا بد من العملية . لقد أتيت واضعاً نصب عيني أن أستأصل الجزء المعتل ، فلن يجدى غير ذلك .

ثم خلص يده من الرباط في مجهود زائد وقال :

- أرجو ألا تتولاك الدهشة إذا لم تر جرحاً ظاهرا في يدي . فإن حالتي هذه غريبة في بابها .

فأكد له الجراح أنه ليس من عادته أن يدهش من كل ما هو غريب . ومع ذلك ، أسقط اليد بعد أن فحصها ، وقد تولته دهشة بالغة . فقد ظهر له أنه ليس هناك شئ فيها ، بل كانت تبدو مثل اليد الآخرى ، حتى لونها ، لم يكن متغيراً . ولكن كان من الجلى أن الرجل يعاني آلاما مبرحة .

- أين موضع الألم ؟ . فأشار الرجل إلى بقعة مستديرة بين الوريدين الكبيرين . وما إن لمسها الجراح بطرف بنانه في مزيد من الاحتراس ، حتى جذب المريض يده في سرعة .

- أتؤلمك في هذه البقعة ؟ . - نعم ، ألما فظيعا . - أتشعر بالألم عندما أضع إصبعي عليها ؟ . فلم يجب الرجل ، يبد أن الدموع التي ذرفها من عينيه كانت تنطق بما يعانيه من ألم .

- غريب جدا إنى لا أرى شيئاً - ولا أنا . يبد أن الألم كائن فيها . إني أفضل الموت على الاستمرار في هذه الحال .

وفحص الجراح البقعة مرة أخرى بمنظاره ، ثم قاس

درجة حرارة المريض ، وأخيراً هز رأسه قائلاً :

- إن الجلد سليم جدا . والشرابين طبيعية . ولا أرى لالتهاب أو ورم . إن يدك سليمة كاليد الأخرى .

- أعتقد أنها أكثر أحمراراً في هذه البقعة . - أين ؟ فرسم المريض دائرة على ظاهر يده في مساحة المنيم وقال : - هنا .

ونظر الطبيب إليه مفكراً . لا بد أنه يحادث مجنوناً . وأخيرا قال له :

عليك بالبقاء في المدينة . وسأحاول أن أساعدك في الأيام المقبلة .

- ليس في وسعى أن انتظر لحظة . لا تظن أنى مجنون ، أو واقع تحت تأثير وهم . إن هذا الجرح الخفى يؤلمنى كثيراً . وأود أن تستأصل الجزء المستدير حتى موقع العظم .

- لن أفعل ذلك يا سيدي . - لماذا ؟ . - لأنه ليس هناك شئ في يدك ، فإنها سليمة كيدى . فقال المريض وقد أخرج من حافظة نقوده أوراقاً مالية قيمتها ألف فلورين ، ثم وضعها على المائدة :

أظنك تخالنى مجنوناً أو مخادعاً . إذاً فاعلم اني غير هازل ، وأن الأمر يهمني لدرجة أبي على استعداد لدفع ألف فلورين بسببه . فأرجو أن تقوم بإجراء العملية .

لن أمس يداً صحيحة بمبضعي ولو أعطيت لي مال العالم .

- ولم لا ؟ . - لأنه يخالف آداب مهنتى . فقد يدعوك الكل معتوها ، ويتهموننى بانتفاعى بضعفك أو بعجزى عن تشخيص جرح ليس له وجود .

حسن جداً يا سيدي . إني أسألك إذا منة أخري ساقوم أنا بإجراء العملية . وغاية ما أطلبه منك أن تعتنى بالجرح بعد ذلك .

ورأي الجراح في دهشة أن الرجل جاد في قوله . ولاحظه وهو يخلع سترته ويشمر كم  قميصه . ثم أخذ مطواة

من جيبه ، وقبل أن يتدخل الطبيب ، كان المريض قد أصاب يده بجرح عميق . فصاح الطبيب وقد خشي أن يصيب المريض شريانا

- قف . ما دمت تعتقد أنه لا مناص من إجراء العملية ، فدعني أقوم بإجرائها  .

وعندما بدأ في القطع نصح للرجل أن ينحي برأسه بعيداً ، فالإنسان على وجه العموم يرتبك عند رؤيته دمه . فقال الآخر :

- لا حاجة بي إلى ذلك . فلابد أن أرشد يدك حتى تعرف مدى عمق القطع .

وقاد المريض العملية في مهارة برباطة جأش ، واستفاد الطبيب من إرشاداته . ولم ترتجف يده مطلقا . ولما فرغ الجراح من استئصال البقعة المستديره تنفس المريض الصعداء في سعادة كأنما انزاح عن كاهله عبء ثقيل .

وسأله الجراح : ألا تشعر الآن بأي ألم ؟ فتبسم الرجل قائلا : ليس هناك أدنى ألم . إن ذلك التأثير البسيط الناتج من الاستئصال يبدو وكأنه نسيم عليل بارد يهب بعد حر شديد . دع الدم يجري فإنه يهدىء من حالى .

وبعد أن ضمد الطبيب الجرح ، بدا المريض سعيداً راضياً ، وأصبح رجلاً آخر . ثم ضغط على يد الطبيب بيده اليسري شاكراً .

وزاره الجراح بعد ذلك بفندقه عدة أيام . وتعلم كيف يحترمه . فقد كان يتبوأ مركزاً كبيراً في الحكومة . وكان مثقفاً ينتمى إلى عائلة من أعرق عائلات المقاطعة

وبعد أن اندمل الجر ح تماما ، عاد الرجل إلى بلدته . ثم مرت أسابيع ثلاثة ، ظهر بعدها المريض في عيادة الجراح مرة اخري . وكان يشكو نفس الآلام في ذات الوضع . وبدا وجهه باهتا كالشمع ، وقد تفصد العرق البارد من جبهته . وتهالك جالساً على مقعد . ثم مد يده اليمني إلى الطبيب دون أن يفوه بكلمة .

- يا إلهي ! ما الذي حدث ؟ فتأوه قائلا : إنك لم تستأصل البقعة بما فيه الكفاية . لقد عاودنى الألم . بل هو أسوأ من ذي قبل . وأكاد

أموت منه . وقد احتملته فترة من الوقت لرغبتي في عدم إزعاجك ثانية . يبد أنى لم أعد استطيع تحمله اكثر من ذلك . يجب أن تجرى العملية مرة أخرى .

وفحص الطبيب الموضع . كان الجرح قد اندمل وتغطى بطبقة جديدة من الجلد . ولم يبد أن أحد الأوردة قد تأثر . وكان النبض عاديا ، ولم تكن هناك أعراض حمى . ومع ذلك كان الرجل يرتجف حتى أطرافه .

ولم يكن ثم مندوحة عن إعادة إجراء العملية . فتمت كما في المرة الأولى ، وانقطع الألم . يبد أن المريض قد خانته الأبتسامة في هذه المرة ، وكانت تلوح على محياه دلائل الحزن واليأس وهو يشكر الطبيب .

وقال له قبل أن يغادره : لا تعجب إذا ما عدت إليك مرة أخري خلال الشهر .

فقال الطبيب : يجب ألا تفكر في ذلك . فقال في لهجة أكيدة : إنه شئ محقق عندى . كحقيقة وجود الله . إلى الملتقى .

انقضى شهر دون أن يحضر المريض . ثم تتابعت الأسابيع قبل أن يصل منه خطاب ، فلما جاء فضه الطبيب في سرور وقد اعتقد أن الألم قد زال نهائيا . كانت الرسالة تتضمن الآتي :

" عزيز الدكتور . إني لا أروم أن أتركك نهبة للشكوك عن أصل متاعبى . ولا يهمني أن أحمل سرى معي في قبري أو ربما في مكان آخر . بل أود أن تلم بتاريخ مرضى المؤلم . لقد عاودني مرات ثلاثاً ، ولست بعازم على مواصلة الكفاح بعد ذلك . إني لم استطع كتابة هذه الرسالة إلا بعد أن وضت جذوة متوهجة على الوضع حتى أخمد ذلك اللهيب الجهنمى المحترق في داخله .

" تزوجت منذ عام بعد أن أطعت داعي العاطفة . وكانت زوجتي حسناء في مقتبل العمر . وكانت من قبل وصيفة لكونتيس تفطن على مقربة من أملاكى . وبادلتنى حباً بحب . ومرت علينا أشهر ستة كنا فيها في أوج السعادة وكلما مر يوم يزداد نعيمنا وهناؤنا . كانت تسير أميالا في الطريق حتى تلقانى عند أوبتى ، ولا تقبل الإقامة حتى فى

دار سيدتها السابقة ، تلك التي كثيراً ما كانت تزورها وتظل معها مدة طويلة . لقد حسدنى الكل على حنانها نحوى . وفي الحق كانت طفلة جميلة ساذجة .

" ولا استطيع أن أقول لك ما الذي دفعني إلى الاعتقاد أن كل ما تفعله لم يكن إلا ادعاء وتصنعاً . إننا معشر الرجال من الحماقة بمكان ، حتى إننا نبحث عن البؤس وسط أقصى درجات سعادتنا .

" كانت لها مائدة للخياطة ، تحتفظ بدرجها مغلقاً دائماً وتحرص على ألا تترك المفتاح في الدرج مطلقاً . فبدأ ذلك يثير شكوكى . وسألت نفسى : ما الذي تخفيه في داخله ؟ وتملكتني غيرة جنونية . ولم أعد أومن بعينها البريئتين ، ولا يقبلاتها الحارة . من يدرى ؟ فلعل كل ذلك يخفى وراءه خدعة ماكرة .

" وفي ذات يوم قدمت الكونتيس ، وأقتعت زوجتي بقضاء اليوم في قصرها . ووعدتها باللحاق بها بعد ظهر إليهم . وما كادت المركبة تبتعد بهما حتى أخذت أحاول فتح الدرج . واستعملت شتي المفاتيح إلى أن انفتح أخيراً . واكتشفت بين حاجياتها النسائية ، تحت منديل حريري ، حزمة من الرسائل ، عرفت من نظرة واحدة أنها رسائل غرام ، مربوطة بشريط وردي .

" ولم انتظر حتي أفكر في أنه ليس من الشرف في شيء أن اقترف مثل هذه الحماقة ، فأنقب عن أسرار زوجتي وقت صباها ! بل دفعني دافع إلى الاستمرار في البحث ، فلعل ذلك الحب قد حدث في عهد متأخر - بعد أن حملت زوجتى اسمي . وفككت الشريط وقرأت الرسالة تلو الرسالة

كانت أفظع ساعة في حياتى تلك التي قرأت فيها هذه الرسائل . فقد أظهرت لي أكبر خيانة زوجية لا تغتفر . وكان كاتبها رجلا من أعز أصدقاني . ولهجتها . . لقد دلت على أحسن الوه وأعمق العاطفة . قرأت كيف يدفعها إلى التكتم ؛ وما يقوله عن الأزواج الغافلين ؛ وكيف نصحها بما تفعله حتى يجهل زوجها علاقتهما ! وكانت كل رسالة منها قد كتبت بعد زواجنا .

" إني لا أود أن أصف لك شعوري حينئذ ، أنا الذي كنت أعتقد أبي قد وصلت إلي ذروة السعادة ؛ لقد قرأت الرسائل جميعها ، شربت السم حتى الثمالة ؛ ثم جمعتها وأعدتها إلى مخبئها . وأغلقت الدرج .

" كنت أعرف أنى إذا لم أذهب إلي قصر الكونتيس فستعود زوجتي في المساء . وهذا بالفعل ما حدث . قفزت من المركبة في بهجة . واندفعت تتلقاني عند مدخل الدار وقبلتنى واحتضنتنى في حنان . وتظاهرت بأنه لم يحدث شئ . وتجاذبنا أطراف الحديث . وتناولنا طعام العشاء . ثم ذهبنا إلى الفراش ، كل في حجرته . كنت قد قررت في ذلك الوقت ما الذي سأفعله وأقوم به في عناد رجل مجنون .

وحدثت نفس قائلا : " بئست تلك الطبيعة الخادعة التي تهب الرذيلة إلى مثل هذا الجمال " كنت أحدث نفسى وأنا أدلف إلى حجرتها في منتصف الليل ، وأتأمل ذلك الوجه الجميل الساذج ، وهي نائمة . وكان السم قد بدأ تأثيره في روحى ،

وسري في كل عرق ينبض في كياني . ووضعت يدي اليمنى في سكون على عنقها ثم ضغطت بكل قواي . ومرت لحظة قبل أن تفتح عينها وتنظر إلي في دهشة . ثم أغمضتهما ثانية وأسلمت الروح وتدون أن تبدي أية مقاومة للدفاع عن نفسها ، بل ماتت في هدوء كما لو أنها كانت في حلم ، ودون أن يظهر عليها ما يدل على أنها قد حملت أية ضغينة نحوى لقتلى إياها . ثم انحدرت قطرة واحدة من الدم من بين شفتيها ، وسقطت على يدي - في الموضع الذي تعهده أنت ولم ألاحظها إلا في الصباح بعد أن جفت تماماً .

" وقمت بدفنها دون أية جلبة . فقد كنت أعيش في الريف في مقاطعتى الخاصة . ولم يكن هناك من يشك في شئ فضلا عن أنه لا يوجد من يخطر على باله فكرة قتلى زوجتي . ولم يكن لها أقارب أو أصدقاء ، ولذلك لم توجه إلي أسئلة عن سبب موتها ، وتعمدت إعلان وفاتها للجميع بعد انتهاء الجنازة حتى أتهرب من فضول الناس . ولم اشعر بأي تأنيب للضمير . كنت قاسياً ، يبد أنها كانت تستحق ذلك . وكان في استطاعتي أن أنساها في سهولة . وما من قاتل أقدم على ارتكاب جريمته في قسوة مثلما أقدمت .

" وعندما عدت إلي الدار بعد انتهاء الجنازة ، أقبلت على الكونتيس بعد أن وصلها خبر وفاتها متأخراً كما دبرت وكانت في اضطراب شديد ، وتحدثت في لهجة غريبة حديثاً لم أفهم له معني وهي تحاول تعزيتى . وفي الواقع ، لم أصغ إليها باهتمام ، فقد كنت في غير حاجة إلى العزاء . ثم قبضت على يدي في رفق وقالت : إنها عود أن تأمننى على سر ، وتأمل ألا انتفع به . ثم أخبرتنى أنها أودعت لدى زوجتي حزمة من الرسائل كان من المتعذر عليها الاحتفاظ بها في قصرها ، وسألتنى إذا كنت استطيع أن أردها إليها . وحينئذ شعرت ببرودة هائلة تسرى إلى جسدى . وفي هدوء متكلف سألتها : ما الذي تتضمنه هذه الرسائل ؟ فارتجفت عندما سمعت سؤالي وقالت : " لقد كانت زوجتك أكثر النساء وفاء وإخلاصاً . فلم تسألني عن محتويات هذه الرسائل . بل وعدتنى ألا تطلع عليها مطلقا " .

- وأين كانت تحتفظ برسائلك ؟ . - لقد أخبرتني انها تخفيها في درج مائدتها . وهي مربوط بشريط وردى . فلن يصعب عليك تمييزها ، ثلاثون رسالة فحسب ،

" وقدتها إلى المائدة ، وفتحت الدرج . ثم أخرجت الرسائل وقلت لها : هل هذه رسائلك ؟ .

" فأخذتها في لهفة . ولم أجرؤ على رفع عينى خشية أن تقرأ فيهما شيئاً . وسرعان ما غادرتنى وخلفتنى وحيداً .

" وبعد أسبوع من وفاة زوجتي شعرت بألم في الموضع الذي سقطت فيه قطرة الدم . ثم أنت تعرف بعد ذلك بقية القصة

" إني أعرف أنه لا يوجد ما يسبب الألم . ولكنه  إيحاء لا أستطيع التخلص منه . إنه عقاب استحقه جزاء الكراهية والقسوة والغيرة التى دفعتنى إلى قتل فتاتى البريئة المحبوبة . ولا استطيع الآن مكافحة الألم . ولذلك فأنا في طريق اللحاق بزوجتى حيث أطلب منها غفرانها . وإنها ستغفر لى بكل تأكيد ، وستحبنى كما كانت تحبنى من قبل .

" وإنى لأشكرك على كل ما بذلته لأجلى "

اشترك في نشرتنا البريدية