قابلها لأول مرة في منزل رئيسه ، وسرعان ما وقع في حبها .
فأما هي فابوها طبيب ريفي مات منذ بضعة أشهر ، فجاءت مع أمها إلي باريس تبحثان عن الزوج الملائم . . وكان مظهرها ينم عن الفقر والأمانة والبعد عن التكلف والتصنع .
كانت البنت مثال الفتاة الطاهرة النقية ، وهي إلى ذلك ذات جمال ملائكي وتواضع جم وابتسامة تشف عن روح جميلة صافية . فكان كل من يراها يقول : " ما أسعد الرجل الذي يفوز بحبها . . إنها ستكون له خير زوجة " .
لذلك تقدم مسيو لانتان إليها وعرض عليها الزواج قائلا : إن مرتبه - رغم ضآلته - كفيل بأن يحقق لهما حياة زوجية هنيئة . . فقبلت الفتاة . .
وعاش معها سعيدا للغاية ، وكانت تدبر أمور البيت بحذق وتدبير حتى لكأنهما يعيشان عيشة فخمة وكانت تصبغ على زوجها الحنان والحب والرعاية حتى صار حبه لها بعد ست سنوات أضعاف حبه في الشهر الأول للزواج .
ولكنه كان يعتب عليها أمرين : حبها للمسرح ، وشغفها بالجواهر المزيفة . وكانت صديقاتها وأغلبهن من زوجات الضباط - يدعونها إلى مشاهدة التمثيليات معهن . . فكان
زوجها يصحبها في الغالب إلى المسرح رغم كراهيته الشديدة للتمثيل .
وبعد فترة من الزمن رجاها زوجها أن تعفيه من الذهاب معها لمشاهدة المسرحيات ، وان تصحب إحدي صديقاتها بدلا عنه . فكان كدرها عظيما في بادىء الأمر ، ولكنها قبلت أمام إلحاح زوجها الشديد .
أما عن شغفها بالجواهر المزيفة ، فقد كانت - رغم بساطتها وبعدها عن التكلف - تشتري من حين لآخر أقراطا وعقودا وأساور مزيفة لتتزين بها ؛ ولكن هذه المجوهرات كانت لجمالها ودقة صنعها أشبه بالجواهر الحقيقية الثمينة
وفي إحدي الأمسيات عادت من الأوبرا وهي تشعر بالبرد يسري في جسمها . . وفي اليوم التالي بدأت تسعل وبعد ثمانية أيام ماتت بسبب الالتهاب الرئوي .
وكان حزن مسيو لانتان عليها شديدا للغاية ، فابيض شعره كله ولما يمض شهر على وفاتها . . وكان يبكي باستمرار بينما كان عقله لا يفكر إلا في ابتساماتها وضحكاتها وجمالها . .
ومرت الأيام ، ولكن جرحه لم يلتئم ، وحزنه لم يقل . وكان في كثير من الأحيان أثناء عمله - بينما يتكلم زملاؤه في السياسة - يغلب عليه الألم فتفيض عيناه
بالدموع ويستسلم لنوبات عنيفة من البكاء وقد ظلت غرفتها كما هي . وكان يدخلها كل يوم فيفكر في كنزه الضائع وبهجته المفقودة .
وسرعان ما اضطربت حياته . فبينما كان دخله يكفيه هو وزوحته بفضل مهارتها في إدارة المنزل أصبح لا يكفيه هو وحده . . وصار يعجب كيف كانت زوجته تشتري أفخر المشروبات وأجمل الآثاث من هذا الدخل الصغير المحدود .
وببدأ يستدين وإذا به يصبح فقيرا بعد مدة . . فصمم على أن يبيع مجوهرات زوجته الزائفة . فأخذ عقدها المفضل وقال في نفسه : لا بد أنه يساوي ستة أو سبعة فرنكات ، فهو ولو أنه مزيف إلا أن صنعه دقيق وشكله جميل .
ووضع العقد في جيبه ودخل أول متجر للجواهر قابله في طريقه . . وكان خجلا للغاية ، إذ يعرض فقره بهذه الصورة فيبيع المجوهرات الزائفة .
وقال للتاجر : سيدي . . أود أن أعرف كم يساوي هذا العقد ؟ .
فأخذ التاجر العقد وفحصه ، ثم نادى كاتبه وبدا يبديان بعض الملاحظات عليه بصوت خافت ، ثم وضعه على المنضدة وجعل يتأمله ليصدر حكمه فيه .
تضايق المسيو لانتان لكل هذا , وكان على وشك أن يصيح :
حسنا ؟ اني أعلم جيدا أن هذا العقد لا يساوي شيئا . . غير أن التاجر لم يمهله إذ قال :
سيدي . . إن هذا العقد يساوي ما بين اثنى عشر ألفا وحمسة عشر ألفا من الفرنكات . . ولكني لا استطيع أن اشتريه إلا إذا أخبرتني ممن اشتريته .
فتح مسيو لانتان عينيه وفغر فاه من فرط الدهشة دون أن يفهم ما يقوله التاجر . . وقال متلعثما : أحقا ؟ . امتأكد أنت ؟ .
فقال التاجر باقتضاب :
لك أن تبحث فترى إن كان هناك من يعرض عليك ثمنا أكبر . ولكني أرى أن قدره لا يزيد على خمسة عشر ألفا . فإذا لم تجد عرضا أكبر فارجع إلي .
فمد مسيو لانتان يده وأخذ العقد ، ثم غادر المتجر وهو في حيرة من أمره والدهشة غالبة عليه .
وفجأة بدأ يضحك وقال في نفسه :
يا للغبي . إن هذا التاجر لا يميز الجواهر المزيفة من الحقيقية
ودخل متجرا آخر في شارع لابيه . . وما أن عرضه على التاجر حتى صاح الأخير :
آه . . إني أعرفه جيدا . . لقد بعته أنا بنفسي . .
فقلق مسيو لانتان وقال : كم يساوي ؟ .
فقال التاجر :
لقد بعته بعشرين ألف فرنك ، وإني على استعداد أن أخذه منك بثمانية عشر ألفا إذا أخبرتني كيف جاء العقد في حوزتك . .
وظل مسيو لانتان صامتا وقد عقلت الدهشة لسانه وأخيرا قال :
ولكن . . افحص جيدا . . لقد ظننته مزيفا . .
فسأله التاجر : ما أسمك ياسيدي ؟ .
فأجاب : لانتان . . موظف في وزارة الداخلية . . ومسكني في شارع دي مارتير رقم ١٦ .
ونظر التاجر في سجلاته ثم قال :
لقد بيع هذا العقد في ٢٠ يوليه سنة ١٨٧٦ لمدام لانتان . شارع دي مارتير رقم ١٦ .
وظل كل من الاثنين ينظر إلي الآخر . . مسيو لانتان مشدودا لا يستطيع الكلام . . والتاجر يظن أنه لص . . وأخيرا تكلم التاجر :
هل تستطيع أن تترك لي هذا العقد مدة أربع وعشرين ساعة ؟ سأعطيك إيصالا . .
فأجاب مسيو لانتان بسرعة : طبعا . .
وأخذ الإيصال وغادر للمتجر . .
زلل يهيم في الشوارع دون وجهة وعقله مضطرب . . وحاول أن يفهم فلم يستطع . . إن زوجته لا تستطيع أن تشترى مثل هذه الحلية . . ربما كانت هدية . هدية . هدية مِن من ؟ ولم أهديت إليها ؟ .
وفيأة وقف في وسط الشارع . . ودخل الشك الفظيع عقله هي ؟ إذا فباقي المجوهرات هدايا أيضا . وبدأت الأرض تهتز من تحته . . وخيل إليه أن الشجر يتساقط عليه ، فمد يده ووقع على الأرض مغشيا عليه .
وأفاق في صيدلية حمله إليها المارون . . ثم نقل إلي منزله وأقفل على نفسه الحجرة . وظل يبكي حتى جاء الليل فالقى بنفسه على السرير ، وقد حل به التعب وقضى ليلة مؤلمة . .
ونهض في الصباح فوجد نفسه غير قادر على الذهاب إلى مكتبه بالوزارة ، فأرسل خطابا إلى رئيسه يعتذر . . وتذكر أن عليه أن يمر بالتاجر ؛ فلبس ثيابه وخرج .
ونظر المسيو لانتان إلى الرجال الأغنياء المتسكعين في الشوارع فقال : إن الغني بلا ريب سعيد . فبالمال تتبدد الهموم . . وفي استطاعة الغني أن يذهب حيث يشاء . . وبإمكانه أن يسافر فيعالج أحزانه . آه لو كنت غنيا ! .
وشعر بالجوع ووضع يده في جيبه فلم يجد شيئا . وتذكر العقد . ثمانية عشر ألفا . ثمانية عشر ألفا . ياله من مبلغ جسيم .
ووصل شارع لابيه ، وتردد في الدخول إلي المتجر لما به من خجل . . ولكنه جائع وليس معه نقود . . وإذا به يجري ويعبر الطريق ثم يدخل المتجر . .
وتقدم التاجر وقدم إليه كرسيا بأدب ، ثم قال :
لقد قمت ببعض التحريات أمس ، وأنا على استعداد أن اشتري منك العقد إن كنت تريد بيعه .
فقال مسيو لانتان متلعثما بالطبع ياسيدي . .
ففتح التاجر درجا وأخرج ثمانية عشر ألفا أعطاها للمسيو لانتان فوقع المسيو لانتان إيصالا ووضع النقود في جيبه بيد مرتعشة .
واستدار للخروج ، ولكنه عاد يقول وقد أخفض وجهه :
إن عندي . . عندي مجوهرات اخرى من نفس المصدر . . هل تريد أن تشتريها أيضا ؟ .
فانحني التاجر وقال : بالطبع يا سيدي . .
فقال مسيو لانتان : سأحضرها إليك .
وخرج وعاد بعد ساعة ومعه الجواهر .
واشترى التاجر الأقراط اللؤلؤية بعشرين ألفا من الفرنكات ، واشترى الأساور بخمسة وثلاثين ألفا ، واشترى الخواتم بستة عشر ألفا ، وبعض الأحجار الزمردية بأربعة عشر ألفا ، وسلسلة ذهبية بأربعين ألفا . فكان المجموع الكلي مائة وثلاثة وأربعين ألفا من الفرنكات .
وتغدى المسيو لانتان في نفس اليوم في مطعم فوازان وشرب نبيذا بعشرين فرنكا ، ثم استأجر عربة ليتنزه فيها وهو ينظر إلى الناس في احتقار وكبرياء . . وظل يردد :
إنني أيضا غني . . اني أساوي مائتي ألف فرنك . .
وتذكر وظيفته ؟ فذهب إلى مكتبه وقال للرئيس بحرج :
إني أرفع إليكم استقالتي . . فقد ورثت حالا ثلاثمائة ألف فرنك .
وصافح جميع زملائه الموظفين . وذكر لهم بعض مشروعاته في المستقبل . . ثم خرج ليتعشى في الكافية أنجليه .
وجلس أثناء طعامه بين اثنين من الطبقة الأرستوقراطية وقال لأحدهما إنه ورث حديثا أربعمائة ألف فرنك . .
ولأول مرة في حياته لم يسأم من مشاهدة السرحيات ، فقد فضى ليله بطوله في المسارح
وبعد ستة أشهر تزوج مرة أخرى ، وكانت زوجته الجديدة امرأة فاضلة صالحة جدا ذات مزاج حاد . .
وقد جعلته هذه المرأة رجلا شقيا .
