الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 585 الرجوع إلى "الثقافة"

يحكى أن, الحلم، للكاتب الإنجليزي الكبير سوممرست موم

Share

اضطرتي ظروف العمل الذي كنت أقوم به في أغسطس سنة ١٩١٧ أن أسافر من نيويورك إلى بتروراد ، ولقد صدرت إلي الأوامر أن أسلك طريق ثلاثوستك زيادة في الاحتياط . وصلت إلي هناك في السياح وقضيت يومى متحررا من الأعمال بقدر الإمكان ، وكان القطار الذي يحترق سيبير سيقوم في التاسعة مساء ، فرأيت أن اتناول طعام عشائي في مطعم المحطة ، وكان مزدحما حتى إني اضطررت لأن أشارك رجلا - لفت نظري مظهره في مائدته . كان روسيا ، طويل القامة ، مكتنز اللحم لدرجة مفرطة ، له بطن متسع حتى إنه اضطر لأن يجلس بعيدا عن حافة المائدة . وكانت يداه صغيرتين بالنسبة لحجمه .

تغطيهما طبقات من الدهن . وشعره طويل فاحم ، وقد مشطه في عناية على هامة رأسه ليخفي صلعته ، وكان وجهه الشاحب الضخم بذقنه الكبير المزدوج حليقا في نظافة ، أما أنفه فكان صغيرا ، وكأنه زرار دقيق على هذه الكتلة من اللحم . . وكذلك عيناه السوداوان اللامعتان كانتا ضيقتين ، ولكن فمه كان أحمر واسعا ، وكأنه فم حيوان . وكان يرتدي حله سوداء رثة يبدو أن الفرشاة أو المكواة لم تمساها منذ أن لبسها لأول مرة .

وكانت الخدمة في المطعم رديئة ، ومن العسير عليك أن تجذب نظر الخادم متحرك ، فسرعان ما اضطرتنا الظروف لأن نبدأ حديثا بيننا . وكان الرجل الروسي يتكلم الإنجليزية الصحيحة في طلاقة ، فسألي عدة أسئلة عن شخصيتى ومشروعات عملي ، وكانت مهمتى حينئذ تستدعي مني الكتمان ، فتظاهرت بالإجابة على أسئلته في صراحة ، بينما كنت في الحقيقة أخدعه . أخبرته أنى صحفي ، فسألني عما إذا كنت اكتب قصصا ، ولما أخبرته أنني أعالج ذلك في أوقات فراغي بدأ يحدثني عن الروائيين الروس ، كان يتكلم في اطلاع أكد لي أنه رجل مثقف .

وكنا حينئذ قد تمسكنا من إقناع الخادم بأن يحضر لنا شورية الكرنب ، وأخرج زميلي من جيبه زجاجة صغيرة من الفودكا ودعاني لمشاركته فها ، ولا أدري تماما هل الفودكا أو الثرثرة الطبيعية التى امتازت بها سلالته هي التي دفعته إلى الحديث عن نفسه ، فأطلعني على كثير من أحواله الخاصة ؛ فهو من أصل عريق كما يبدو ، مهنته المحاماة

ولكنه كان من المتطرفين ، فقامت بعض المتاعب بينه وبين السلطات اضطرته لأن يقيم أكثر أوقاته في الخارج . . ولكنه كان يومئذ في طريق عودته إلى منزله . ولقد عطلته

بعض الأعمال في قلاديفوستك ، ولكنه كان بأمل أن يسافر إلى موسكو بعد أسبوع ، وأخبرني أنه سيكون سعيدا لو رآني هناك .

ثم سألني : هل أنت متزوج ؟ . ولم أدر ما شأنه بذلك ، ولكن مع هذا أخبرته يأتي متزوج ، فتنهد قليلا ثم قال : أنا أرمل . . كانت زوجي سويسرية من جنيف ، سيدة مثقفة ثقافة عالية ، تنكلم الإنجليزية والألمانية والإيطالية في طلاقة فضلا عن الفرنسية لغتها الأصلية ، أما لغتها الروسية فكانت أعلى من المتوسط بالنسبة لشخص أجنبي .

ونادي أحد الخدم وكان يمر بجانبنا وبدا لي أنه سأله بالروسية التى كنت أجهلها حينئذ عن المدة التي سننتظرها حتى حضر بقية الطعام ، فأسرع الخادم ، وزفر صاحب ثم ذل : منذ أيام الثورة وقد أصبحت الخدمة شنيعة في المطاعم .

وأشعل سيجارته العشرين بينما كنت أنظر أنا في ساعتى متسائلا في دهشة عما إذا كان في إمكاني أن أتناول وجبتي كاملة قبل قيام القطار .

وأكمل زميلي حديثه قائلا : كانت زوجي امرأة مدهشة ، وكانت تقوم بتدريس اللغات في مدرسة محترمة يؤمها بنات النيلاء في بتروجراد . . وهكذا عشنا معا عدة سنوات طويلة في صداقة سعيدة ، ولكنها كانت مع هذا امرأة تلهيها نيران الغيرة دائما ، إذ كانت تحبني للأسف الشديد حبا محتيرا .

كان من الصعوبة على بمكان أن أظل محدقا في وجهه الذي أعده من أقبح الوجوه التي رأيتها في حياتي ، وأري يميز بعض السمان المرحين شئ من الظرف ، إلا أن ذلك البدين الكئيب كان رجلا كريهاً .

وعاد يقول : لن أتظاهر بأني كنت مخلصا لها ، فلم تكن صغيرة حين تزوجتها ، وعمر زواجنا نحو عشر سنوات ، كانت صغيرة الحجم هزيلة كئيبة ذات لسان

سليط . . تطغي عليها غريزة التملك ، فلم تكن تحتمل أن يجذيني أحد سواها . ولم تكن تغار من النساء اللاتي أعرفهن فحسب ، بل من أصدقائي وقطتي وكتبي أيضا ، بل حدث مرة أن تخلصت من بعض ملابسي لأني كنت أفضلها على غيرها .

ولكن لما كانت طبيعتى معتدلة ، والرغم من اعترافي بأنها كانت تضايقني بتصرفانها تلك إلا أني كنت اتقبلها كأنها قضاء من الله كالجو الرديء أو الركام ، وكنت أنكر اتهاماتها كلما امكنني ذلك أما إذا أسقط في يدي فكنت اكتفى بهز كتفي وتدخين لفافة .

وبقيت أتابع حياتي ولم تؤثر في تلك المشاحنات ، وكنت أتساءل أحيانا عما إذا كانت عاطفة الحب الدافئة أو الكراهية لعبة عمياء هي التي تدفعها إلى ذلك . . بل كان يخيل إلي أن الحب والكراهية عاطفتان مترابطتان بالنسبة إلها .

وهكذا كان الأمر سيستمر على هذا المنوال لولا أن حدث شئ غريب في إحدي الليالي ، فقد استيقظت فجأة على صراخها الشديد . . فسألتها عن جلية الأمر فأخبرتني أنها قد أصابها كابوس مخيف ، فقد كانت تحلم بأني كنت أحاول قتلها ، وكنا نسكن الطابق الأعلى من عمارة ضخمة لها مسقط سلم متسع . وحلمت أنه ما إن وصلنا إلى باب شقتنا حتى أخذت أنا بتلابيبها وحاولت أن أرمي بها من فوق الحاجز . . وكنا في الطابق السادس وذلك يعني موتها لا محالة .

كانت ترتحف ، فحاولت شتي المحاولات لتهدئها ، ولكنها كانت ما تزال تذكر هذه القصة في الصباح ثم اليومين التاليين . وبالرغم من سخريتي بحلمها إلا أني لاحظت أنه قد استقر في ذهنها ، ولم أتمكن من التحرر منه أنا الآخر ، لأن هذا الحلم أطلعني على شئ لم أكن أشك فيه من قبل وفقد كانت يعتقد أني كنت اكرهها وأني أود التخلص منها ، وكانت تعرف طبعا أنها تجلب لي المتاعب .

فتتصور من وقت إلى آخر أبي لابد قاتلها . والحقيقة أننا تحتفظ أحيانا بأفكار تخصنا ونخجل من التصريح بها ، فمنكم تمنيت مرات لو تهرب مع عشيق لها أو تموت ميتة طبيعية مريحة مفاجئة حتى أنال حريتي . . ولكن هذه الفكرة التى كانت تراودها لم يسبق أن طرقت ذهني أبدا . . أبدأ .

وهكذا كان لذلك الحلم أثر علينا معا ، فقد أخاف زوجي فحاولت أن تكون محتملة أكثر مما كانت من قبل ، ولكني كنت إذا ما صعدت درجات السلم إلي مسكننا لا أملك إلا أن أتطلع من فوق الحاجز وأخيل مقدار السهولة التي يمكن أن أحقق بها حلمها ، فقد كان الحاجز منخفضا . حركة سريعة . . وينتهي الأمر . وأصبح من الصعب على أن أطرد هذه الفكرة من رأسي.

وحدث بعد ذلك بشهور أن أيقظني زوجي في إحدي الليالي ، وكنت متعبا ساخطا ، ولكنها كانت باهنة اللون ترتعش من أعلى رأسها إلى إخمص قدميها ، فقد راودها الحلم ثانية ، فانفجرت باكية وهي تسألني عما إذا كنت أكرهها ، فأكدت لها وأنا أقسم بمختلف القديسين الروس أني أحبها . . حتى اطمأنت وهدأت نفسها وغلبها النوم في النهاية . كان ذلك أكثر مما أحتمله فبقيت مستيقظا . وخيل إلي إلى أراها وهي تهوي إلي الدهليز وأسمع صوت اصطدامها بالأرض الصلبة . . فوجدتني ارتعش .

توقف الرجل الروسي عن الكلام وقد تقصد العرق من جبينه . لقد سرد القصة سردا حسنا وفي طلاقة عجيبة استرعت انتباهي كله . وكانت هناك ثمالة من الفودكا باقية في الزجاجة فصبها وابتلعها دفعة واحدة . ثم أخرج منديلا قذرا ومسح به جبينته وعاد يقول :

وحدث للمصادفة الغريبة أن وجدوها في وقت متأخر من إحدي الليالي ملقاة في الدهليز مهشمة الرأس . فسألته : ومن الذي وجدها ؟ . قال : وجدها أحد السكان الذي وصل بعد وقوع الحادث بقليل .

قلت : واين كنت أنت ؟ . ولا يمكني وصف النظرة الخبيثة التي تفحصني بها ، فقد لمعت عيناه الضيفتان السوداوان ثم قال :

- كنت أقضي المساء عند أحد أصدقائي . . ولم أعد إلا بعد انقضاء ساعة على الحادث .

وحينئذ أحضر لنا الخادم طبق اللحم الذي سبق أن طلبناه فعكف الروسي يلتهمه في شهيه وهو يجرف الطعام إلى فمه جرفا .

وتولتني الدهشة . . هل قصد أن يخبرني بهذه الطريقة أنه هو الذي قتل زوجه ؟ إن هذا الرجل البدين البليد لا تبدو عليه سمات الإجرام ، ولا اعتقد أنه يملك الشجاعة الكافية ليرتكب ذلك ، أو لعله يسخر مني ويضحك على بهذه الدعابة ؟ .

وحان الوقت لأستقل قطاري فغادرت زميلي ، ولم أره منذ ذلك اليوم . . ولكن لم أكن أبدا من أن اقرر هل كان الرجل جادا أو هازلا في قوله .

اشترك في نشرتنا البريدية