الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 578الرجوع إلى "الثقافة"

يحكى أن, الرجل والثعبان، للكاتب الأمريكي امبروز بيرس

Share

تبسم هاركر برايتن وقد استلقى على الأريكة في لباس نومه ، وهو يقرأ الجملة التي عثر عليها في كتاب مورستر القديم " عجائب العالم ".

" من صحيح الأخبار التي أيدها الكثيرون ، والتي يرددها العلماء والحكماء أن للثعبان عينين تمتلكان صفات مغناطيسية . وأن من يقع تحت ناظريه ينجذب نحوه رغمًا عن إرادته ، ويهلك من عضة الحيوان " .

ثم حدث نفسه قائلًا : " إن وجه العجب في الموضوع هو أن العلماء والحكماء ، إبان عهد مورستر قد آمنوا بمثل هذا الهراء الذي ينبذه حتى أجهل الناس في يومنا هذا " .

وتتابعت أفكاره - فقد كان برايتن رجلا مفكرًا -  ثم نكس الكتاب بلا شعور دون أن يغير اتجاه عينيه . وما أن ابتعد الكتاب عن مستوى نظره حتى لأثر انتباهه شئ في ركن مظلم من أركان الحجرة . فقد شاهد في الظلال تحت فراشه بقعتين صغيرتين من الضوء تبعد الواحدة عن الأخرى بمقدار بوصة .

لعل منشأ ذلك انعكاسات المصباح الغازي القائم فوقه والمثبت بمسامير ذات رءوس معدنية . وعاود القراءة دون أن يعير البقعتين اهتمامًا كبيرًا . وإن هي إلا لحظة حتى دفعه دافع لم يفكر في تعليل مصدره إلى أن ينكس الكتاب مرة أخري ويتطلع أمامه . كانت البقعتان المضيئتان لا تزالان

هناك ، تلمعان أكثر من ذي قبل وتبرقان في توهج أخضر لم يكن قد لاحظه في المرة الأولى ، وخيل إليه أنهما تحركتا قليلا - ازدادتا منه قربًا . وكان الظلام يشملهما فلم يستطع تكشف أصلهما ، ثم عاود القراءة .

وعلى حين غرة ، ولد الموضوع الذي كان يقرأه في نفسه فكرة جعلته يجفل ويلقي بالكتاب فينفلت من يده ويسقط منطرحًا على الأرض . وهب برايتن واقفًا ، وجعل يمعن النظر في الظلام المخيم تحت الفراش حيث تلمع البقعتان المضيئتان ، وقد عاوده اهتمامه .

بدا له ، تحت أحد قوائم الفراش ، ثمعبان منطوي ، ولم تكن بقعتا الضوء سوى عينيه ) وكان رأسه المخيف مندفعًا من داخل طيات جسمه ومتجهًا صوبه في استقامة ، وفكه العريض المتوحش وجبهته تشيران إلى اتجاه نظراته الشريرة . ولم تعد العينان تبدوان له محض بقعتين مضيئتين ، بل كانتا تحدجان في عينيه بمعنى خبيث .

إن وجود ثعبان بحجرة نوم مسكن فاخر بمدينة راقية - من حسن الحظ - ليس ظاهرة شائعة تجعل المرء في غير حاجة إلى تفسيرها . وكان هارك برايتن عزبًا في الخامسة والثلاثين من العمر ذا بنية قوية وكان قد عاد إلى سان فرانسسكو بعد أن جاب أنحاء البلاد ، وقبل في سرور دعوة صديقه الدكتور درورنج العلامة الشهير . وكانت

دار الدكتور واسعة الأرجاء من الطراز القديم ، واقعة في حي مظلم من أحياء المدينة ، تضم معملًا ومتحفًا ومعرضًا للوحوش ، حيث يقوم الدكتور بدراسة أنواع الحياة لبعض الحيوانات ، ومن أهمها الزواحف ؛ ولذلك كان يطلق على المكان الذي يحتفظ فيه بهذه الزواحف اسم ( ملجأ الثعابين ) وكان الملجأ متروكا بلا عناية وبطريقة تسمح للزواحف بالتجول في حرية تامة ، فلا تعدم من التهام بعضها البعض ، أو هروب إحداها إلى أماكن أخري حتى تثبت وجودها . وعلى الرغم من وجود هذا الملجأ ومشاكله ، فقد وجد برايتن الحياة مريحة حقًا في دار درورنج .

ولم يتأثر برايتن كثيرًا عندما اعترته الدهشة ، وانتابته رجفة من الاشمئزاز من رؤيته الثعبان . كان أول ما خطر له أن يقرع الجرس ليستحضر خادمًا ، بيد أنه لم يأت بآية حركة . ولم يتقدم صوب الجرس على الرغم من أن حبله كان متدليًا على مقربة منه ؛ فقد خطر له أنه إذا فعل ذلك فسيكون عرضة للشك في شجاعته ، وهذا شيء لم يحدث له من قبل .

كان الثعبان من فصيلة لم يعهدها برايتن من قبل واستطاع أن يستنتج طوله . كان جسمه في أعرض جزء يبدو له في ضخامة ذراعه . وسأل نفسه : أين موضع الخطر فيه ؟ أهو سام أم مفترس ؟ إذا لم يكن الحيوان من النوع الخطر ، فهو على الأقل البادىء بالهجوم ، إنه على أية حال دخيل .

حالت كل هذه الأفكار في بال برايتن . فأخذ عقله ينشط ويقوم بتلك العملية التي ندعوها التدبر ثم العزم .

ثم وقف في انحناءة على قدميه ، واستعد للتراجع في هدوء ، صوب الباب بعيدًا عن الثعبان محاولًا ألا يزعجه . إن الناس ينسحبون عندما يواجهون العظمة ، فالعظمة هي القوة ، والقوة معناها التهديد . وكان يعرف أنه يستطيع أن يتراجع دون ما عائق ، ويجد الباب بلا أدنى خطأ . هل سيتبعه الوحش ؟ إن الأسلحة الشرقية التي كان يتحلى بها

الحائط قد تنفعه عند الحاجة . وكانت عينا الثعبان في أثناء ذلك تلتهبان في خبث قاس .

ورفع برايتن قدمه اليمنى حتى يقوم بأولى خطواته متراجعًا ، وفي هذه اللحظة شعر بقوة تمنعه من التراجع .

وتمتم قائلًا : إنهم يعدونني من الشجعان . إذا الشجاعة ليست أكثر من كبرياء ؛ فلا يوجد هنا من سيشاهد انسحابي

واتكأ بيده اليمنى على ظهر المقعد ، وقدمه معلقة في الهواء . ثم قال في صوت مرتفع : هراء ! لست جبانًا حتى أخشى أن أبدو خائفًا .

ثم رفع قدمه أكثر فأكثر حتى يتراجع . وأخيرًا دفع بها إلى الأرض فلم تبتعد كثيرًا عن قدمه الأخرى ، ولم يستطع أن يفكر كيف حدث ذلك . وحرك قدمه اليسرى فحاز نفس النتيجة السابقة.

وكان رأس الثعبان الخبيث لا يزال متجهًا نحوه دون ما حراك ، وقد انبعث من عينيه شرر كهربائي .

وحاول أن يخطو مرة أخرى إلى الوراء وهو يسحب المقعد معه ، ولكن سرعان ما زلفت يده وسقط المقعد على الأرض في صدمة عنيفة . وتأوه الرجل ، ومع ذلك ظل الثعبان ساكنًا ، ولم يقم بأية نأمة أو صوت ، وهو ينظر إليه بعينيه المتوهجتين .

وتناهى إلى سمعه دقات طبل كبير وضجيج موسيقى مقبلة من بعيد ، موسيقى جميلة النغمات ، ثم انقطعت الموسيقي وتلاشت أنغامها شيئًا فشيئا ، وخيل إليه أنه يرى أمامه فضاء فسيحًا تتألق فيه الشمس بعد أن هطلت الأمطار ، وانحنى قوس قزح كبير فأحاط بمئاث من المدن . وشاهد وسط هذا الفضاء ثعبانًا هائلًا على رأسه تاج ، ينظر إليه بعيني والدته المتوفاة . وعلى حين غرة بدا له أن الفضاء المسحور قد ارتفع في سرعة واختفى عن ناظره . ثم إذ بشيء يصدمه صدمة قوية في وجهه وصدره ؛ كان قد سقط على الأرض ونزف الدم من أنفه الكسور وشفتيه المجروحتين . ومكث

برهة مشدوهًا مغمض العينين ووجهه إلى الأرض . وإن هي إلا لحظات حتى أفاق ليدرك أن سقطته قد ألاشت السحر الذي كان يشل حركاته . وشعر بأنه إذا نخى ناظريه عن الثعبان استطاع مغادرة الحجرة . بيد أن تفكيره في أن الثعبان يتحفز على مقربة من رأسه دون أن يراه - وربما كان في هذه الآونة يستعد للوثوب عليه والالتفاف حول عنقه - كان شيئا فظيعًا لا يحتمل . ثم رفع رأسه فالتقت عيناه بتلكما العينين الباهتتين ، وإذا به مقيد بالأغلال .

ولم يتحرك الثعبان . وبدا للرجل أن الحيوان قد فقد بطريقة ما مقدرته على السحر . وظل هذا الوهم البديع يراوده برهة . كانت عينا الحيوان السوداوان الواقعتان تحت تلك الجبهة المسطحة تتألقان في تعبير خبيث . لكأن المخلوق ، وقد أدرك فوزه المحتم ، قد عزم على ألا يزاول سحره بعد ذلك .

ثم تلا ذلك مشهد رهيب . رفع الرجل الراقد على الأرض بمقربة من عدوه الجزء الأعلى من جسمه وقد استند على مرفقيه وامتدت ساقاه ودفع برأسه إلى الخلف ، ولاح وجهه شاحبًا بين قطرات السم ، وجحظت عيناه ، وانسال الزبد من شدقيه ، ثم انتابته رعدة قوية سرت في جسده فجعلته يلتوي كما يلتوي الثعبان . ثم أحنى جزعه وهو يدفع بساقيه من جانب إلى جانب . لقد كانت كل دقيقة تمر تجذبه شيئًا فشيئا نحو الثعبان . ودفع بذراعه إلى الأمام حتى يبعد جسمه إلى الخلف ، ومع ذلك وجد نفسه يتقدم على مرفقيه.

كان الدكتور درورنج جالسًا وزوجه في المكتبة وكان العلامة يتمتم قائلًا : لقد حصلت عن طريق المبادلة على عينة بديعة من الأوفيوفاجس .

فسألته السيدة في اهتمام فاتر : وماذا يعني ذلك ؟ .

قال : ماذا يا إلهي ! ما أشد جهلك ! يجب على الذي يدرك بعد زواجه أن زوجته لا تعرف اللغة الإغريقية أن يسرع فيطلقها . إن الأوفيوفاجس يا عزيزتي ثعبان يأكل غيره من الثعابين .

فقالت وهي ترنو بنظرة شاردة صوب المصباح : أتمنى أن يأكل ذلك الحيوان كل ثعابينك . ولكن كيف يصل إلى هذه الثعابين الأخرى ؟ أظن أنه يسحرها .

فقال الدكتور في امتعاض ظاهر : إنه جاهل مثلك يا عزيزني . لشد ما يضايقني أن أسمع تلك الخرافة السخيفة الشائعة عن مقدرة الثعبان على السحر .

وهنا قطع الحديث صوت صرخة قوية دوت خلال سكون الدار ، وكأنها صوت شيطان يصيح من رمسه . وتردد الصوت الهائل عدة مرات في جلاء ووضوح . فهب الاثنان على أقدامهما ، وارتبك الرجل وشحبت المرأة وقد أخرسها الرعب . وقبل أن يتلاشى صدى آخر صيحة كان الدكتور قد غادر الحجرة وصعد الدرج مسرعًا ، فالتقى ببعض الخدم وقد أقبلوا من الطبقة العليا ، واندفعوا جميعًا على باب حجرة برايتن دون أن يطرقوه ، وكان غير موصد فتداعي وانفتح .

كان برايتن راقدًا على بطنه وقد فارقته الحياة ، وكان جزء من رأسه ويديه مختفيًا تحت أحد قوائم الفراش . وجذبوا الجثة وقلبوها . كان الوجه قد غمره الهم والزبد ، وكانت العينان منفرجتين تحدقان في نظرة مخيفة !.

وقال الدكتور وقد انحنى واضعًا يده على موضع القلب : لقد مات من سكتة قلبية .

ثم ألقى بنظرة تحت الفراش فإذا به يصبح :يا إلهي! كيف أتى ذلك الشئ إلى هنا ؟ !.

ومد يده تحت الفراش ، وجذب ثعبانًا سرعان ما ألقى به إلى وسط الحجرة وهو لا يزال على حالة من الالتفاف ، فأنزلق في صوت جاف على أرض الحجرة الملساء حتى ارتطم أخيرًا بالحائط ، فظل هناك بلا حراك . كان ثعبانًا محنطًا ، وكانت عيناه مصنوعتين من زرين من أزرار الأحذية !! .

اشترك في نشرتنا البريدية