عندما قابلت مارتا للمرة الأولى ، كانت فائقة القبح قد تعدت الأربعين . وكان وجهها يبدو كما لو أن فنانا غير موهوب قد تحته من خشب صلد بسكين غير حاد ، ثم حاول بلا جدوى أن يعالج ذلك الأنف الغليظ والذقن المربع والوجنتين الغائرتين والفم الواسع . ولعل هاتين العينين الزرقاوين وقد ظللهما الأهداب السود يكون لهما نصيب من الجمال ، لولا ما تفصحان عن نظرات أبدية شرهة .
ومع ذلك ، كان من الغريب على مارتا ألا تتزوج . فقد كان من النادر على فتاة ريفية قد فقدت والديها فى سن مبكرة ، فتاة تمتلك مزرعة جميلة ، وبقرات سمان ، وجوادين وفناء كبيرا للدواجن ، أن تظل عانسا أبد الدهر فى بقاع لا تقيا حيث يعقد الزواج ، لا على شاب وقتاة ، وإنما بين مزرعة وأخرى .
بيد أن مارتا لم تكن لنهتم فلامة ظفر بالزواج . وهمس عجائز القرية من النساء يدلين بقصة حب حدثت وقائعها منذ عشرين عاما أو أكثر - قصة عامل روسى ، شاب حسن الطلعة لا يصلح لشئ . قد أتى إلى هنا كما أتى غيره للعمل فى محصول البطاطس .
وقالت عجوز وهى تبتسم ابتسامة من الكراهية ، فارتسمت على فمها الحالى من الأسنان : " لقد كان يسخر منها ، وكان قد خطبها وقرر الزواج فى العام التالى . بيد أن
بوريس كان يود بادئ ذى بدء الذهاب إلى أميركا حيث يقيم أقرباؤه الأثرياء كما يقول ، فيجودون عليه إذا ما عرفوا أنه أحسن اختبار زوجه ، وحينئذ يستطيع أن يشترى الحقول الثلاثة المجاورة ، ولعله يقدر كذلك على شراء الطاحونة ، وقد بلغ صاحبها من الكبر عتيا ، وأصبح لا حول له ولا قوة .
ولم تكن مارتا تعبر الحقول أو الطاحونة اهتماما كبيرا . بيد أن بوريس كان يلح فى السفر ، ولم تكن لتستطيع ان ترفض له طلبا .
ثم سعلت العجوز الشمطاء ، وبصفت المضفة التى كانت تلوكها من بذور زهرة عباد الشمس ، وأخيرا استرسلت فى الحديث وقد سرها أن تجد من لم يسمع بهذه القصة ، قالت :
" لقد قال بوريس إنه فى حاجة إلى المال ، ولا يود أن يبدو معدما . وباعت مارتا حقلين وبقرات خمسا وقلادتها الذهبية وحلى العرس التى كانت تخص جدتها . ووضع بوريس كل ذلك فى جيبه ، وراح يحتسى الخمر ضاحكا فى حانة القرية مع الشبان الآخرين ، ويسخر من مارتا ذات الوجه القبيح ، تلك التى صدقت كل ما قاله .
" وبعد حصاد البطاطس ، ظل بوريس بالمزرعة حتى نهاية الشتاء ، يعيش عيشة الأغنياء . ثم رحل فى الربيع ، ولم يعد بعد ذلك . ومنذ ذلك الوقت ندر أن تتحدث مارتا
مع أحد . وها هى ذى تدير مزرعتها ، منتظرة عودة بوريس . يا للمجنونة العجوز . . "
ولعل مارتا شعرت فجأة بحاجتها إلى من تقضى إليه بمكنون سرها . ولعلها وجدت أنه من الأسهل لها أن تسرد قصتها على شخص غريب عن القرية . ومهما يكن السبب ، فإنها أوقفنى ذات يوم وأنا أمر أمام مزرعتها وسألتنى أن أدلف إلى دارها وأشرب كوبا من اللبن .
ورمقتنى بعينها الزرقاوين ، وترددت ، ثم أخذت نفسا عميقا ، وأخيرا قالت :
من المحتمل أن تكون قد سمعت عنى كل أنواع الشائعات . بيد أنه يجب ألا تصدق ما يقولونه فى القرية . إنه لم يهجرنى ، ولابد أن يعود " .
ثم هبت واقفة فى إعياء ، وكأنها شاعرة بثقل الشيخوخة المقتربة . وانحنت فوق صندوق كبير ، وفتحته وأخرجت منه رقعة باهنة : رسالة . كانت مؤرخة منذ عدة سنوات ، وكانت قادمة من بروكلين .
وقالت مارتا وقد أمسكت يداها الخشنتان بالرقعة الباهنة فى حنان : " لقد كتب لى هذه الرسالة . وسطر لى فيها كلمات عزيزة ، كلمات حب . لقد وضع كل قلبه فى رسالته " .
ونظرت إلى مرة أخرى ، وعلى حين غرة استقرت على رأى ، فإذا بها تقول : " إنى أعرف بالطبع أنها رسالة غرامية . ومع ذلك أود أن أعرف بالدقة مضمونها . أود أن أعرف كل كلمة من كلمات الحنان ، وكل جملة عاطفية ، ومتى سيحضر ليكون سيد مزرعتى " .
ولا بد أنه قد بدت على سيمائى دلائل الحيرة ، فسرعان ما استرسلت قائلة : " أنت تعرف أنى لا أستطيع القراءة . فإنى لم أتعلمها مطلقا . وليس هناك من أثق فيه فأطلعه على الرسالة . إن كل نساء القرية يكرهننى ، لأن الصبى الجميل قد أجنبى ، والرجال يكنون لى البغضاء لأنى لم اتزوج واحدا منهم . فأنا على يقين تام من أنهم لا يودون إلا مزرعتى . ولذلك حفظت الرسالة دون أن أطلع على ما فيها . ولكن أحيانا ما أخرجها من الصندوق وأتخيل ما كتب فيها . بيد أنك إذا ما قرأنها لى سيغمرنى سرور لا يوسف " . وأخذت الرسالة . كانت رديئة الخط ، تكاد تكون غير
واضحة . وأخذت أطلع على محتوياتها قبل أن أقرأها لمارتا ، وكانت جالسة بجوارى تلاحظنى بعينها الشرهنين المتلهفتين .
وقرأت الرسالة مرة ثم مرات . وسرت فى جسدى رعدة قوية ، وانتابنى دوار . لابد أن الرجل كان تملا لما كتب هذه الرسالة . فقد أبدى فى رسالته من الوحشية والقسوة ما لم أتخيل مطلقا إمكان وجوده .
كانت الرسالة بأجمعها مصوغة فى قالب من الازدراء والتهكم بل المجنونة الشمطاء التى آمنت بحبه . وتعمق كاتبها فى وصف مارتا وصفا كاملا ، فسخر من حاجبها " وكأنهما شعر الخنزير " وأصابعها " مثل العظام وفمها الواسع " كفم الضفدع "وبعد أن انتهى من إهانة وجه مارتا وشكلها ، كتب بمدح الفتاة الأمريكية الأنيقة الظريفة الجالسة بجواره وقد فاحت منها رائحة تضاهى أريج الزئبق فى فصل الربيع . وجعل يشرح كيف أن الفتاة قد ضحكت عندما أخبرها عن حمق امرأة وهبته مالا للذهاب والاقامة فى هذا البلد المجيد الزاخر بالنساء الجميلات .
وسمعت مارتا تسألنى بصوتها الجامد الأجش المنفعل : ماذا يقول ؟ لماذا لا تقرأ ؟ ما الذى تنتظره ؟ .
وكذبت . فما الذى أفعله خلاف ذلك ؟ وبيدين مرتجفتين ، وغصة فى حلقى ، أخبرتها أن يوريس دائم التفكير فيها ، تتشابه ذكرى رقتها ، والوقت السعيد الذى قضاء معها . وكذبت وقلت إنه متلهف للعودة ، وإنه سيعود حتما فى يوم ما ، فى وقت أقل مما تتوقعه هى ، ولن يبتعد عنها بعد ذلك
ولم يكن الكذب فى بادى الأمر شيئا سهلا على نفسى . فقد ولد اشمئزازى من الرسالة وشفقتى على مارتا شعورا باردا من السقم . ولكنى أخذت بعد الجمل الأولى أكذب فى توسع وعاطفة ، مستعملا كل ما وعاء عقلى مما قرأنه من رسائل الغرام الشهيرة .
وأخيرا وضعت الرسالة على المائدة ، ومدت مارتا يدها إليها ، وقد بدت كأنها تمثال خشبى قد دبت فيه الحياة بمعجزة . ولم تعد تلك القبيحة الشكل ، بل طغى عليها نوع من الجمال الغريب الذى تخلقه السعادة . وهمست قائلة : هل كتب كل ذلك ؟ كل ذلك ؟ هذا
الفيض من الكلمات العذبة ؟ هذا الدافق من الحب ؟ . ثم تنهدت وقالت : تصور أنى لا استطيع أن اقرأ ذلك ؟ لماذا لم أتعلم القراءة ؛ أطلعنى على الصفحة التى كتب فيها مدى اشتياقه إلى ، وأين كتب أنه سيعود فى أقل وقت أتوقعه ؟ .
وأطلعتها على بضعة أسطر فى الصفحة الأولى ، وقليل منها فى الصفحة الأخيرة . فأطرقت قائلة : لو كنت أعرف ذلك من قبل عندما كنت فى منتهى الوحدة واليأس ، لو كنت قادرة على قراءة تلك الرسالة البديعة كل يوم . . ثم نظرت إلى نظرة طفل يتلهف على الحاوى وقالت : خبرنى ، هل يستطيع إنسان فى سنى أن يتعلم القراءة ؟ .
وانتابني الخوف فقلت : سيكون ذلك شاقا جدا . ولماذا تودين تعلم القراءة ما دمت قد عرفت فحوى الرسالة ؟ . فقالت : إنك على حق . ومع ذلك ، أود أن أقرأها وأتمنع بكل كلمة فيها . سأذهب إلى معلمة القرية فلعلها . . ثم صمتت وقد شرد فكرها وأفعمت عيناها بالسعادة ، دون أن تلاحظ مطلقا تسللى مبتعدا عنها كأنما ارتكبت جريمة .
ومنذ ذلك الوقت لم أمر بمزرعة مارتا خشية أن تسألنى قراءة الرسالة مرة أخرى فأقول شيئا لم أفه به فى المرة الأولى ، وعندئذ يتطرق إلى قلبها الشك . ولكنى علمت من المرأة العجوز المنهكة أن مارتا تذهب يوميا إلى المدرسة وتقضى ساعة مع المعلمة
وقالت العجوز ضاحكة : إنها تتعلم القراءة . تتعلم القراءة فى سنها . هل تظن انها ستصير سيدة ؟ لقد اشترت كتابا كبيرا كذلك الذى عند الأطفال ، وهى تجلس على مقعد أمام دارها ، والكتاب فوق ركبنيها ، تردد فى صوت جهورى : " أ - ب - ت . قط " بطريقة تميت الإنسان ضحكا .
لقد كانوا يضحكون منها ، ضحكات قاسية جامدة ، ضحكات كالنقيق ، مع أنى كنت أشعر بما يبعثه حالها من بكاء وبكاء ، فى إشفاق وعطف . وفى ذات مرة ضلت الطريق بينما كنت أتنزه ، فإذا بى أجد نفسى فى غاية كبيرة خلف مزرعة مارتا . كان الجو يوحى بقدوم الخريف ، والهواء يهب فى صفير من البحر .
واختبأت خلف الشجر ، ثم زحفت فى صمت . وبغتة ، أوقفنى صوت . . صوت أجش يردد بعض الكلمات فى حرارة " دار . . مزرعة . . كلب . . بقرة . . " كلمات بسيطة عادية ، ومع ذلك كانت تشق طريقا يؤدى إلى طرد كائن بشري من الجنة ، ويصل به قدما إلى الجحيم . واستمر الصوت "صلاة . النبى"
الله ! أواه ، لو يشاء الله لأرسل صاعقة من السماء تقتل مارتا قبل أن تستطيع قراءة الرسالة ، تلك الرسالة القاسية القاتلة الجاحدة . آه لو أراد الله أن يسعها برحمته ، لأعماها حتى لا تستطيع عيناها الشرهتان المنتظرتان رؤية كلمة واحدة .
وأقبل الخريف على نهايته ، واكتسحت العواصف السهول ، ودوى البحر وهدر ، ومدت الأشجار العارية أفنانها كأنها تستغيث طالبة المعونة ، وامتد بساط فاخر من أوراق الشجر على الأرض . ثم أتى الجليد ، وكسا كل شئ ، فى طهارة سماوية ، وحول ما مخصب بيؤس الخريف إلى عالم أبيض
وفى ذات ليلة ، قبيل عيد الميلاد ، أضحى العالم الأبيض قرمزى اللون . فقد اندلع اللهب ، وأضاء الغابة ، حيث استمرت بجوارها نار هائلة . وأقبل الرجال من القرية العمال من القاطعات المجاورة يتزاحمون لمكافحة الحريق وأرشدهم الوهج الأحمر المتراقص على الثلج الابيض إلى طريقهم ، حتى إذا ما أدركوا مفاطعة مارتا كانت المزرعة بأكملها تحترق . وألقت العاصفة التى كانت تهب من الشمال صحالف من النيران على كل شئ . وخار البقر فى الحظيرة . وحلت الجياد من عقالها ، وأطلقت العان لمماتها ، فجعلت تتسابق وقد جئت فزعا مبتعدة عن اللهب فى طريقها إلى السهل الأبيض .
ووقفت امرأة أمام الدار المحترقة ، وقد انسدل شعرها الأشيب على وجهها المشوء وعينها المرتاعتين ، وهى تضحك ، ضحكات دوت فطغت على خوار البقر وطقطقة الخشب المحترق . وظلت تضحك وتضحك . لقد قرأت مارتا الرسالة .
