هذه صورة لطيفة توضح لنا عادات الزواج في الهند ومدى تأثير المعقدات القديمة والخرافات على أهلها ، أبدع رسمها الكاتب الهندي الحديث نارابان الذي يطلقون عليه تشيكوف الهند .
رأى كريشنا الفتاة أول ما رآها عند صدور الماء المقام في الشارع ، كما أنها اعتادت رؤيته هي الأخر في نفس المكان . ولما كان من المسير عليهما أن يتعارفا رأسا فلم يتبادلا سوى بعض النظرات المفصحة عما يكنه كل منهما للآخر ، حيث إنه من غير المتبع أن يبدأ والدا الشاب بعرض الزواج ، بينها لم يخطر على بال والد الفتاة أن في إمكانه العثور على زوج لا يفته عند صنبور الماء المقام بالشارع .
إلا أن صديقا للطرفين أمكنه التوسط بينهما ، فقد كان والد الفتاة يستعد حينئذ لأن يزوجها ، فهي ستبلغ الرابعة عشرة بحد شهر واحد ، واقتنع بالتزكات المقدمة عن كريشنا ! فهو من عائلة طيبة ، موسر ، مثقف يدرس الآداب العالية . كما أن والدي كريشنا اقتنعا أيضا بالتوصيات المقدمة عن الفتاة ؛ فهي من عائلة طيبة ، جميلة ، رخيمة الصوت مثقفة . وحاول كريشنا خلال هذه الفترة أن يدقق النظر في ملامحها ، ولكن اجتماعهما كان دائما للحظة خاطفة ، وكانت خواطره مضطربة وهو يتأمل لون بشرتها ويتعرف شكل أنفها محاولا التيقن منه . . ولكنه لم يهتم بذلك ، فإن مجرد تفكيره فيها يشعره بأريج حلو يتصاعد نحوه فيستبشر بالحياة
وجاء والد الفتاة في أحد الأيام المباركة إلى منزل كريشنا الذي استقبله واحتفى به ، وكان مضطربا وقد اكتسى وجهه
بحمرة الخجل ، فإنه مما يبعث الاضطراب حقا أن تكون قريبا من والد الفتاة التي تتطلع في شوق إلى زواجها . وصافح والد كريشنا الرجل في إخلاص ، ففرح الابن لذلك وأسرع نحو صحن الدار .
تحدث والد الفتاة بعض الوقت عن الأمطار وأسعار الارز وانتخابات البلدية وبعض المشروعات ، ثم أخرج قطعة من الورق اكتست أطرافها بالزعفران وقال : " هذا هو طالع أبنتي . . وإنه ليشرفني أن ترتبط عائلتانا برباط المصاهرة ، فقال والد كريشنا وهو يأخذ الورقة : وإنه ليشرفني ذلك أيضا . فقال والد الفتاة : هلا تقدم لي طالع ابنك ؟ . فأجابه والد كريشنا : أوه . . ألا يمكن أن ننهي الأمر بدونه ؟ فأنا لا اعتقد في أمثال هذه الطوالع .
ولكن كان والد الفتاة من المتمسكين بالعادات القديمة ولا يمكنه أن ينهى الأمر إلا بعد أن يتيقن من أن طالب الفتى والفتاة متفقان ، وقال إن الزواج إنما هو قفزة في الظلام ، وإنه من الضروري أن يتيقن المرء من سعادة وصحة العروسين طيلة العمر ، وهذه العوامل لا تتأنى إلا بالأطلاع على طالعيهما .
وعاد والد الفتاة بعد أيام قليلة ليقول إن هناك عيبا في طالع كريشنا ، فإن كوكب المريخ عنده موجود في البرج السابع ، وذلك معناه أن حياة زوجته ستكون قصيرة الأمد ، وفي إمكانه أن يذكر حوادث كثيرة مماثلة كان فيها ذلك العيب سببا في وفاة الزوجة بعد مدة قصيرة من زفافها وإنه لن يغامر بحياة ابنته . وأحس كريشنا أن النجوم والخرافات قد تحالفت على أن تصرعه
استطلع والد كريشنا فلكيا كبيرا فجاء برأي مضاد ، فإن ذلك الكوكب الذي قتل الزوجة قد وهنت قواه الان . فوعده والد الفتاة بأن يبحث ذلك الأمر ، ثم استشار فلكيه مرة ثانية ؛ فأخبره هذا أن الأمر جد خطير ، وانه لا يأمن حتى على وضع أوراق الطالعين في مظروف واحد . فأصر والد كريشنا على أن ذلك الكوكب أصبح عاجزا ، وأضاف بأن الخوف من كوكب المريخ الضعيف الواهن يعد جبنا وخورا لم يسبق له أن سمع بهما من قبل .
وكان ذلك هو نفس شعور والد الفتاة ، ولكنه كان حائرا بين رغبته في إتمام المصاهرة وخوفه من المريخ . . وصرح أنه أصبح عاجزا عن الاختيار ، فاقترح والد كريشنا أن يلجأ إلى الطريق العادي المتبع في مثل هذه المعضلات . . ألا وهو أن يتركا الأمر لما يختاره الإله . فتمسك والد الفتاة بأهداب هذا الاقتراح .
وفي الصباح المبكر من يوم الجمعة ، وهو أكثر أيام الأسبوع بركة ، اجتمعوا في المعبد . . كريشنا ووالده ووالد الفتاة وذلك الصديق الذي توسط في الرباط بينهم ، وجاء الكاهن فأشعل المصباح الزيتي الطويل الموضوع أمام تمثال هانيومان إله القوة ، وقال الكاهن " هلا يذهب أحدكم إلى المنزل المجاور ويسألهم إرسال ابنتهم الصغيرة إلى هنا لحظة واحدة ؟ " .
وسرعان ما وصلت طفلة في الخامسة ، كانت تدير بصرها في كل شئ في دهشة وحب استطلاع .
وقفوا في المعبد الداخلي المظلم . وكسروا ثمار الجوز وقدموا أصابع الموز . . وحينما دقت الأجراس تصاعد لهب الكافور وداروا به حول التمثال المقدس .
وعقدوا أيديهم يبتهلون في صلواتهم ، فلما أضاء اللهب الصنم المقدس المرتكز على الزهور دعا كريشنا الإله أن يكون اختياره في جانبه ، وأن يجمل كوكب المريخ عاجزا كعود من القش ، وان يلهم الناس التعقل والمعرفة الكافيين ليروا أنه كوكب عاجز
وتصاعدت ألسنة قليلة من النار من ذبالة المصباح ، فقال الوالدان : " ياله من فأل حسن " وحان الوقت حينئذ ليبدي الإله اختياره ، فانتزعت زهرتان إحداهما حمراء والآخرى بيضاء من إكليل الزهور المحيط بالتمثال ووضعتا على عتبة باب المحراب الداخلي . ونادى الكاهن الفتاة ثم سألها : " هل تردين إصبعا من الموز ؟ "
ولم يكن هناك شك في ذلك طبعا . فقال الكاهن : حسنا . هل ترين هاتين الزهرتين ؟ خذي إحداهما وأتيني بها . فسألت الطفلة : والثانية ؟ . قال : عليك أن تأخذ واحدة فقط . قالت : لماذا ؟ . قال : إن الإله لا يريد سوى واحدة فقط . . إن أتيتي بها أعطيتك أصبع الموز .
فوقفت الطفلة هناك لحظة واحدة تتأمل الزهرتين وهي خالية الذهن من أهمية الدور الذي تقوم به كواسطة بين الخالق والمخلوق . . إنها فم الإله الذي سيقرر إذا كان كريشنا سيتروج من فتاته أو لن يتزوج منها ، فإن الزهرة البيضاء معاها " نعم " والزهرة الحمراء معناها " كلا " .
وأمسك الكل بأنفاسهم وهم ينتظرون في قلق . . وانحنت الفتاة لتأخذ الزهرة . . ولم تحتمل أعصاب كريشنا هذا الإجهاد فأغمض عينيه . . ولما فتحهما . . رأي الزهرة البيضاء ملقاة على عتبة باب المحراب الداخلي .
وقال الوالدان وهما يشيران إلى الصنم : إن الإله أدري بما فيه صالحنا .
وصعق كريشنا برهة طويلة ، وحين أفاق من صدمته كان يرجو لو أوتى من القوة ما يسمح له ان يحيل جميع الزهور في العالم إلى زهور بيضاء .

