الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 589الرجوع إلى "الثقافة"

يحكى أن, الزهرة البيضاء

Share

هذه صورة لطيفة توضح لنا عادات الزواج في الهند ومدى تأثير المعقدات القديمة والخرافات على أهلها ، أبدع رسمها الكاتب الهندي الحديث نارابان الذي يطلقون عليه تشيكوف الهند .

رأى كريشنا الفتاة أول ما رآها عند صدور الماء المقام في الشارع ، كما أنها اعتادت رؤيته هي الأخر في نفس المكان . ولما كان من المسير عليهما أن يتعارفا رأسا فلم يتبادلا سوى بعض النظرات المفصحة عما يكنه كل منهما للآخر ، حيث إنه من غير المتبع أن يبدأ والدا الشاب بعرض الزواج ، بينها لم يخطر على بال والد الفتاة أن في إمكانه العثور على زوج لا يفته عند صنبور الماء المقام بالشارع .

إلا أن صديقا للطرفين أمكنه التوسط بينهما ، فقد كان والد الفتاة يستعد حينئذ لأن يزوجها ، فهي ستبلغ الرابعة عشرة بحد شهر واحد ، واقتنع بالتزكات المقدمة عن كريشنا ! فهو من عائلة طيبة ، موسر ، مثقف يدرس الآداب العالية . كما أن والدي كريشنا اقتنعا أيضا بالتوصيات المقدمة عن الفتاة ؛ فهي من عائلة طيبة ، جميلة ، رخيمة الصوت مثقفة . وحاول كريشنا خلال هذه الفترة أن يدقق النظر في ملامحها ، ولكن اجتماعهما كان دائما للحظة خاطفة ، وكانت خواطره مضطربة وهو يتأمل لون بشرتها ويتعرف شكل أنفها محاولا التيقن منه . . ولكنه لم يهتم بذلك ، فإن مجرد تفكيره فيها يشعره بأريج حلو يتصاعد نحوه فيستبشر بالحياة

وجاء والد الفتاة في أحد الأيام المباركة إلى منزل كريشنا الذي استقبله واحتفى به ، وكان مضطربا وقد اكتسى وجهه

بحمرة الخجل ، فإنه مما يبعث الاضطراب حقا أن تكون قريبا من والد الفتاة التي تتطلع في شوق إلى زواجها . وصافح والد كريشنا الرجل في إخلاص ، ففرح الابن لذلك وأسرع نحو صحن الدار .

تحدث والد الفتاة بعض الوقت عن الأمطار وأسعار الارز وانتخابات البلدية وبعض المشروعات ، ثم أخرج قطعة من الورق اكتست أطرافها بالزعفران وقال : " هذا هو طالع أبنتي . . وإنه ليشرفني أن ترتبط عائلتانا برباط المصاهرة ، فقال والد كريشنا وهو يأخذ الورقة : وإنه ليشرفني ذلك أيضا . فقال والد الفتاة : هلا تقدم لي طالع ابنك ؟ . فأجابه والد كريشنا : أوه . . ألا يمكن أن ننهي الأمر بدونه ؟ فأنا لا اعتقد في أمثال هذه الطوالع .

ولكن كان والد الفتاة من المتمسكين بالعادات القديمة ولا يمكنه أن ينهى الأمر إلا بعد أن يتيقن من أن طالب الفتى والفتاة متفقان ، وقال إن الزواج  إنما هو قفزة في الظلام ، وإنه من الضروري أن يتيقن المرء من سعادة وصحة العروسين طيلة العمر ، وهذه العوامل لا تتأنى إلا بالأطلاع على طالعيهما .

وعاد والد الفتاة بعد أيام قليلة ليقول إن هناك عيبا في طالع كريشنا ، فإن كوكب المريخ عنده موجود في البرج السابع ، وذلك معناه أن حياة زوجته ستكون قصيرة الأمد ، وفي إمكانه أن يذكر حوادث كثيرة مماثلة كان فيها ذلك العيب سببا في وفاة الزوجة بعد مدة قصيرة من زفافها وإنه لن يغامر بحياة ابنته . وأحس كريشنا أن النجوم والخرافات قد تحالفت على أن تصرعه

استطلع والد كريشنا فلكيا كبيرا فجاء برأي مضاد ، فإن ذلك الكوكب الذي قتل الزوجة قد وهنت قواه الان . فوعده والد الفتاة بأن يبحث ذلك الأمر ، ثم استشار فلكيه مرة ثانية ؛ فأخبره هذا أن الأمر جد خطير ، وانه لا يأمن حتى على وضع أوراق الطالعين في مظروف واحد . فأصر والد كريشنا على أن ذلك الكوكب أصبح عاجزا ، وأضاف بأن الخوف من كوكب المريخ الضعيف الواهن يعد جبنا وخورا لم يسبق له أن سمع بهما من قبل .

وكان ذلك هو نفس شعور والد الفتاة ، ولكنه كان حائرا بين رغبته في إتمام المصاهرة وخوفه من المريخ . . وصرح أنه أصبح عاجزا عن الاختيار ، فاقترح والد كريشنا أن يلجأ إلى الطريق العادي المتبع في مثل هذه المعضلات . . ألا وهو أن يتركا الأمر لما يختاره الإله . فتمسك والد الفتاة بأهداب هذا الاقتراح .

وفي الصباح المبكر من يوم الجمعة ، وهو أكثر أيام الأسبوع بركة ، اجتمعوا في المعبد . . كريشنا ووالده ووالد الفتاة وذلك الصديق الذي توسط في الرباط بينهم ، وجاء الكاهن فأشعل المصباح الزيتي الطويل الموضوع أمام تمثال هانيومان إله القوة ، وقال الكاهن " هلا يذهب أحدكم إلى المنزل المجاور ويسألهم إرسال ابنتهم الصغيرة إلى هنا لحظة واحدة ؟ " .

وسرعان ما وصلت طفلة في الخامسة ، كانت تدير بصرها في كل شئ في دهشة وحب استطلاع .

وقفوا في المعبد الداخلي المظلم . وكسروا ثمار الجوز وقدموا أصابع الموز . . وحينما دقت الأجراس تصاعد لهب الكافور وداروا به حول التمثال المقدس .

وعقدوا أيديهم يبتهلون في صلواتهم ، فلما أضاء اللهب الصنم المقدس المرتكز على الزهور دعا كريشنا الإله أن يكون اختياره في جانبه ، وأن يجمل كوكب المريخ عاجزا كعود من القش ، وان يلهم الناس التعقل والمعرفة الكافيين ليروا أنه كوكب عاجز

وتصاعدت ألسنة قليلة من النار من ذبالة المصباح ، فقال الوالدان : " ياله من فأل حسن " وحان الوقت حينئذ ليبدي الإله اختياره ، فانتزعت زهرتان إحداهما حمراء والآخرى بيضاء من إكليل الزهور المحيط بالتمثال ووضعتا على عتبة باب المحراب الداخلي . ونادى الكاهن الفتاة ثم سألها : " هل تردين إصبعا من الموز ؟ "

ولم يكن هناك شك في ذلك طبعا . فقال الكاهن : حسنا . هل ترين هاتين الزهرتين ؟ خذي إحداهما وأتيني بها . فسألت الطفلة : والثانية ؟ . قال : عليك أن تأخذ واحدة فقط . قالت : لماذا ؟ . قال : إن الإله لا يريد سوى واحدة فقط . . إن أتيتي بها أعطيتك أصبع الموز .

فوقفت الطفلة هناك لحظة واحدة تتأمل الزهرتين وهي خالية الذهن من أهمية الدور الذي تقوم به كواسطة بين الخالق والمخلوق . . إنها فم الإله الذي سيقرر إذا كان كريشنا سيتروج من فتاته أو لن يتزوج منها ، فإن الزهرة البيضاء معاها " نعم " والزهرة الحمراء معناها " كلا " .

وأمسك الكل بأنفاسهم وهم ينتظرون في قلق . . وانحنت الفتاة لتأخذ الزهرة . . ولم تحتمل أعصاب كريشنا هذا الإجهاد فأغمض عينيه . . ولما فتحهما . . رأي الزهرة البيضاء ملقاة على عتبة باب المحراب الداخلي .

وقال الوالدان وهما يشيران إلى الصنم : إن الإله أدري بما فيه صالحنا .

وصعق كريشنا برهة طويلة ، وحين أفاق من صدمته كان يرجو لو أوتى من القوة ما يسمح له ان يحيل جميع الزهور في العالم إلى زهور بيضاء .

اشترك في نشرتنا البريدية