الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 588الرجوع إلى "الثقافة"

يحكى أن, حب عجيب، لجي دى موبسان

Share

كان ذلك فى نهاية مأدية الفداء التى أقامها المركيز دى يرتران لمناسبة بدء موسم الصيد ، وقد جلس أحد عشر رجلا رياضيا وثمانى سيدات شابات حول مائدة ناصعة الضياء حلت بالفاكهة والأزهار ، وقد اتجه الحديث إلى الحب ، وقامت مناقشة حادة حول ذلك السؤال الخالد : " هل يستطيع الإنسان أن يحب مرات عدة ، أو أن الحب لا يكون إلا مرة واحدة ؟ " .

وقد ضربت الأمثال بأناس لم يحبوا إلا مرة واحدة ، وبأخرين أحبوا مرات كثيرة حبا عنيفا ، وقد أكد الرجال بوجه عام أن هذه العاطفة كالمرض قد تصيب نفس الشخص مرة ومرة ، وقد تكون قاتلة لو وقف فى سبيلها عائق . أما السيدات وقد حاولن نقض هذا الرأى ، فقد أكدن أن الحب ، الحب الحقيقى ، حب الفداء والتضحية لا يأتى إلا مرة واحدة ، وان هذا الحب كالصاعفة ، والقلب الذى قاساه مرة قد صار بعد ذلك إلى الأبد خربا محطما لا تستطيع جذور أى عاطفة - ولا العابرة - أن تنمو فيه .

وقد عارض المركيز - وله ماض حافل - هذا الرأى وقال : " أؤكد لكم أن الإنسان يستطيع أن يحب المرة بعد المرة بكل قواه وبكل روحه . لقد ذكرت السيدات أناسا استشهدوا فى سبيل الحب كدليل على استحالة حب ثان ،

بيد أن ردى على ذلك أن هؤلاء لو لم يبلغوا من الحماقة إلى حد أن يقتلوا أنفسهم - وهذا يحرمهم من أى فرصة للتجربة - لشفوا من الصدمة الأولى ، ولأحبوا مرة أخرى ، ومرة إلى آخر أيامهم . إن المحبين كالسكارى ، من تذوق الخمر مرة لن يسلاها ، ومن أحب مرة سيعاود السكرة ، إن الحب طبع " .

وكانت الكلمة بعد ذلك للطبيب الذى اعتزل فى الريف بعد أن مارس المهنة فى باريس ، وقد طلبوا منه أن يدلى برأيه ، بيد أنه لم يكن لديه حكم قاطع ، فقد قال : " إنها مسألة طباع ، كما قال المركيز ، لكنى أعرف حبا استمر خمسة وخمسين عاما لم يفتر يوما واحدا ولم ينقض إلا بالموت "

وضمت المركيزة يديها وقالت : " يا للجمال ! إنه لحلم جميل هذا الحب ! ما أسعد أن تعيش الواحدة خمسة وخمسين عاما فى هذه العاطفة القوية الطاغية ، وما أسعد ذلك الرجل وما أشد رضاه بالحياة حين تمتع بمثل هذا التقدير " ؛ فايتسم الطبيب وقال : " أنت محقة فى شئ واحد يا سيدتى إن هذا الحب كان لرجل ، وإنك تعرفيته فهو المسيو شوكيت الصيدلى وانت تعرفين من أحبته أيضا ، هى العجوز التى كانت تصلح الكراسى وتأتى هنا كل عام ، لكنى سأقص القصة بالتفصيل " . وأصيب حماس السيدات بهبوط مفاجئ وبدت علامات

الخيبة على وجوههن ، كأنما يجب أن يقتصر الحب على ذوي الجاه والثراء ليكون ذا أهمية عندهن . وتابع الطبيب حديثه : " منذ ثلاثة أشهر دعيت إلى جانب فراش هذه المرأة العجوز وهى تحتضر ، كانت قد جاءت هنا فى اليوم السابق فى العربة التى كانت تتخذها مقاما ، والتى يجرها ذلك الجواد الهزيل الذى لا ريب أنكم كلكم رأيتموه ، وكان معها كلباها الضخمان الأسودان ، صديقاها وحارساها ، وقد أقامتنا - أنا والفسيس - منفذين لوصيتها ، ولكى تجعل رغبتها الأخيرة واضحة لدينا قصت علينا كل قصة حياتها التى لم أسمع أعجب منها ولا أغرب .

كان أبوها وأمها يصلحان الكراسى ، ولم تعش قط فى منزل مستقر ، فقد كانت تتجول دائما فى ثياب رثة قذرة ، وكانت أسرتها تعسكر فى ضواحى القري على جانب الطريق ، فتخرج الحصان وندعه يمرح طليقا ، ويذهب الكلب لبنام ، أما الطفلة فتتقلب على العشب بينما يجلس والداها تحت ظل أشجار الطريق يصلحان الكراسى ، فإذا ابتعدت الطفلة صاح أبوها فى غضب : " تعالى هنا أينها الشقية " ، وكانت هذه كل كلمات الحنان التى تسمعها . ولما كبرت صارت تذهب لجمع الكراسى من القرية صائحة صيحتها التقليدية : " كراسى للتصليح " وفى جولتها بدأت تعرف بعض الصبية ، لكن آباء هؤلاء الأصدقاء الجدد هم الذين ينادون الآن على أولادهم أن تعالوا هنا ، لا نحب أن نراكم تتحدثون إلى الشحاذين .

وذات يوم ، وكانت فى الحادية عشرة ، جاءت الأسرة إلى هذه القرية حيث رأت الفتاة شوكبت الصغير ، وكان يبكى لأن زميلا سلبه سنتين ، وأثرت فى الفتاة دموع الفتى تأثيرا كبيرا ، فقد كانت تحسب أن مثله من الأطفال هم دائما سمداء فتقدمت إليه ، ولما علمت سر بكائه ألقت بين يديه بكل ما ادخرته . سبعة سنتات ، فأخذها كأنها حق طبيعى ومسح دموعه ، وكانت هذه فرحتها الكبرى ، حتى لقد تجرأت على تقبيله ، ولما كان مأخوذا فى سروره بالنقود فإنه لم يقاوم ، فلما رأت أنه لم يبعدها عنه أو يضربها ، لفت ذراعها حوله وقبلته مرة أخرى ، ثم جرت مبتعدة . ماذا كان يدور فى هذا الرأس الصغير المسكين ؟ أية رابطة تلك

التى ربطتها بهذا الطفل ؟ أهى تضحيتها له بكل ثروتها الصغيرة أم منحها إياه قبلتها الأولى ؛ إن المأساة متشابهة فى الصغار كما فى الكبار .

وظلت شهورا تحلم بهذا الركن ، وبهذا الصبى . وعلى أمل أن تراه مرة أخرى كانت تسرق من أيوبها وتبقى معها بعض ما تعطى من أجر الإصلاح أو لشراء الطعام .

ولما جاءت فى المرة الثانية كان فى جيبها فرنكان ، لكنها لم تر الصبى إلا برهة خاطفة ، فقد كان يبدو عليه السقم والمرض وهى تنظر إليه من شباك صيدلية أبيه ، فازدادت له حبا ولم تفارق ذكراه خاطرها . وفى العام التالى لما رأته خلف جدار المدرسة وهو يلهو مع بعض زملائه ، اندفعت نحوه ، واحتوته بين ذراعها ، وقبلته فى وحشية ، حتى إنه بكى من الرعب ، ولتهدئ من روعه أعطنه كل ما معها من النفود ثلاثة فرنكات حملق فيها مدهوشا ، وقبل النقود وسمح لها بأن تقبله كما نشاء .

وفى السنوات الأربع التالية كانت تضع بين يديه كل ما تدخره ، فيأخذه معتبرا القبلات عوضا طيبا ، وكان يحتل كل تفكيرها . أما هو فكان أيضا ينتظر مجيئها فى فروغ صبر ، ويجرى نحوها إذا ما رآها ، فيخفق قلبها بالسعادة ، ولكنه اختفى بعد ذلك فقد أرسل إلى المدرسة كما علمت بعد تحربات دقيقة ، وقد حاولت أن تغرى والديها بتغيير نظام جولتهما حتى تتفق زبارتهم والعطلات ، وأخيرا نجحت فى ذلك ولكن ذلك كلفها عاما كاملا ، ولهذا مضت سنتان على رؤيتها إياه آخر مرة ، ولم تكد تعرفه ، فقد تغير كثيرا ،

لقد نمى وأصبح منظره اكثر بهاء فى سترته ذات الأزرار الذهبية ، وتظاهر بأنه لم يرها ومر بجانبها رافع الرأس ، فيكت يومين ، وكان هذا بداية آلامها التى لم تلته قط ، ففى كل عام كانت تجيء فتراه فى الطريق دون أن تجرؤ على تحيته . ولم يكن يمنحها نظرة . لقد أحبته حبا عنيفا . قالت لى : يا دكتور إنه الرجل الوحيد الذى عرفته فى العالم كله

ولما مات والداها حلت محلهما . وأصبح لها الآن كلبان بدل واحد ، وحشان مخيفان لا يجرؤ أحد على الاقتراب منهما . وذات مرة لما قدمت إلى القرية التى خلفت فيها قلبها

رأت سيدة شابة خارجة من الصيدلية ، وهى تستند إلى ذراع شوكيت ، وكانت زوجته .

فى ذلك المساء ألقت نفسها فى المستنقع القريب . وأخرجها أحد المارة ، وحملها إلى الصدلية . وجاء شوكيت الشاب ليعنى بها فخلع ثيابها دون أن يبدو عليه أنه يعرفها . وجفف جسمها ، وقال فى قسوة : " لابد أنك جننت . أى سخف اقترفت ! " ورفض أن يأخذ أجرا على خدمته برغم أنها أصرت على أن تدفع له .

وهكذا انقضت حياتها ، كانت تجلس تصلح الكراسى وتفكر طيلة الوقت فى شوكيت ، وكانت تراه كل عام من نافذة الصيدلية ، وتعودت أن تشترى منه الكثير من الأدوية الشائعة لكى تراه عن قرب وتتحدث إليه وتقدم إليه النقود كما كانت تفعل من قبل .

وكما سبق أن قلت لكم ، لقد ماتت هذا الربيع ، وبعد أن قصت هذه القصة المؤثرة سألتنى أن أحمل إلى الرجل الذى أحبته فى إخلاص كل ما ادخرته طيلة حياتها . لقد عملت من أجله وحده ، بل جاعت لنزيد من هذه الثروة حتى تضمن على الأقل أن يذكرها بعد موتها ، ثم قدمت إلى ألفين وثلاثمائة وسبعة وعشرين فرتكا . فأعطيت القس السبعة والعشرين فرتكا لنفقات الدفن وأخذت الباقى حالما لفظت آخر أنفاسها .

وفى اليوم التالى ذهبت إلى شوكيت ، وكان يجلس وزوجته وقد أوشكا على الانتهاء من تناول العشاء . ودعيت إلى الجلوس ، وقدما لى شرابا قبلته ، ثم في صوت مختلج بالتأثر بدأت أقص عليهما القصة وأنا أتوقع أن تثير دموعهما ؟ لكنه ما كاد يعلم أنه قد أحبته هذه الشحاذة التى تصلح الكراسى حتى قفز من مقعده فى غضب كما لو كنت قد سلبته شرفه وسمعته الطيبة وسمو مركزه . وقالت زوجته فى اشمئزاز : " تلك المرأة الشحاذة العجوز . . أى سخرية ! " وكان شوكيت يدور حول المائدة ثم صاح فى غضب : " هل سمعت بمثل هذا من قبل يا دكتور ؟ ياللبشاعة ؟ ماذا أستطيع أن أفعل ؟ لو عرفت هذا وهى على قيد الحياة لسقتها إلى السجن الذى تستحقه ! " .

وصعقت لهذه النتيجة ، لكن كان على أن أتم مهمتى فاستطردت أقول : " لقد كلفتنى أن أقدم إليك ثروتها البالغة ألفين وثلاثمائة فرنك ، لكن بما أن القصة التى قصصتها عليكم قد أغضبتكم إلى هذا الحد ، فربما كان من الأفضل أن أقدم هذا المال للفقراء " .

فحملقا فى ، وقد أفقدتهما الدهشة القدرة على النطق ، وأخرجت المال من جيوبى مجموعة مختلفة من النقود الصغيرة والكبيرة ، النحاسية والدهبية ، وسألتهما : " ما رأيكما ؟ "

وكانت مدام شوكيت هى البادئة بالكلام فقالت : " حسنا . . بما أنها رغبة المرأة الأخيرة فأظننا لا نستطيع رفض ما قدمت " وأضاف زوجها : " نستطيع أن ننفقها على الصغار " فقلت بجفاء : " كما تشاءان وأجاب شوكيت " ما دامت طلبت منك ذلك ، فالأفضل أن تسلم المال إلينا ، وسنجد ما يستحق أن ننفقه فيه " وسللت إليهما المال وانصرفت . وفى اليوم التالى جاءنى شو كيت وقال : " أرى أن المرأة قد تركت عربتها هنا . . فماذا أنت فاعل بها ؟ "

قلت : " لا شئ . . خذها " قال : " أحتاج إليها سقيفة لحديقة المطبخ ، وناديته إذ هم بالانصراف وقلت : " لقد تركت أيضا حصانها الهرم وكلبها فهل تريدها ؟ " فتوقف مندهشا وقال : " كلا . . وما ترى أفعل بها ؟ اصنع بها ما تشاء " .

وضحك ، وتصافحنا . . ففى الريف يجب أن يبدو الطبيب والصيدلى فى وئام مهما حدث . وأبقيت الكلبين . وأخذ القس الحصان ، أما العربة فأخذها شوكيت ، والنقود اشتري خمسة أسهم فى شركة السكك الحديدية .

تلك سيداتى وسادتى قصة الحب المثالى الوحيد الذى أعرفه وصمت الدكتور ، وقالت المركيزة وقد اغرورقت عيناها بالدموع : " هذا يثبت قولى . . المرأة وحدها هى التى تعرف الحب " .

اشترك في نشرتنا البريدية