كانت فكرة فريدة تلك التى جالت فى خاطرى تلك الليلة فدفعتنى إلى أن أختار مدموازيل برل من بين الجميع لأنصبها ملكة .
ومدموازيل برل هذه هى مدبرة منزل مسيو شانتال صديق والدى الحميم ، وقد اعتاد مسيو شانتال أن يقيم حفلة جميلة فى يوم معين من أيام السنة سماه عيد الملوك ، فكان والذى يصطحبنى إليها وأنا لا أزال طفلا . وما زلت إلى الآن أذهب كل عام الى هذا الحفل فأقضى ساعات سعيدة مع مسيو شانتال وزوجته وابنتيه .
وذهبت إليهم هذا العام فى عيد الملوك . وكما هى العادة احتضنت مسيو شانتال ومدام شانتال ومدموازيل برل وحييت مصالحا ابنتيه لويز وبولين .. وقد انهالوا على بالأسئلة عن حوادث باريس وأخبارها . ثم قصدنا إلى المقصف نتناول العشاء .
وعند ما انتهينا من العشاء أحضروا كعكة الملوك ووضعوها على المائدة ، ثم توجنا مسيو شانتال ملكا كالمعتاد ، ولما وضعت التاج على رأسه صاح الجميع مهللين : عاش الملك .. عاش الملك .
ووقف مسيو شانتال وصاح موجها الكلام إلى : - والآن عليك أن تختار لنا ملكة . وتزاحمت الأفكار والشكوك فى رأسى .. هل يقصد بتفويضى اختيار الملكة أن أختار إحدى ابنتيه ؟ أهى وسيلة
ليعرف أيهما أفضل ؟ أم هى طريقة جديدة لطيفة لاصطياد زوج لإحداهما ؟ إن فكرة الزواج هى الفكرة التى تراود الآباء على الدوام عند ما تقترب ابنة لهم من سن الزواج . وانتابنى الخوف من أن أقع فى فح فأجد نفسى مضطرا إلى الزواج بمن اختارها على الرغم منى .
وفجأة جالت برأسى فكرة فأخذت تاج الملكة ومددته إلى مدموازيل بزل مدبرة المنزل . وقد دهش الجميع بادئ الأمر ، ثم انفجروا دفعة واحدة مهللين مصفقين وصاحوا : عاشت الملكة .. عاشت الملكة .
فأما المرأة المسكينة ، فقد انتابها الذهول وتمتمت متلعثمة : لا .. لا .. لا.. أرجوكم . . اختاروا غيرى .. أرجوكم .
ولأول مرة فى حياتى بدأت أهتم بمدموازيل برل . وبعد أن كنت فيما مضى انظر إليها كما انظر إلى قطعة من أثاث المنزل لا أهتم بطريقة صنعها أو عناصر تركيبها ، بدأت أسائل نفسى عمن تكون .
إنها امرأة هزيلة تحاول دائما أن تخفى نفسها عن الأنظار . وقد اعتادت مدام شانتال أن تناديها بيرل ، وأما الفتاتان فتناديانها بمدموازيل برل ، وأما مسيو شانتال فيناديها بمدموازيل ،
وأمعنت فيها النظر . فكم سنها ؟ أربعون ؟ أجل . أربعون ، إنها ليست بالعجوز ، وإن ظهرت دائما بمظهر
العجوز . ورغم أنها تلبس وتتزين وتصفف شعرها بطريقة مضحكة ، إلا أن الناظر إليها ليس فى إمكانه أن يضحك منها ، فروحها ساذجة طبيعية بسيطة لا تكلف فيها ولا تصنع . وعلى جبينها الهادئ تجعيدتان عميقتان وعيناها الواسعتان الزرقاوان فيهما جمال وحلاوة ، وفيهما خجل وخشية ، وفيهما حزن وألم .
أما وجهها فلم تذهب بجماله متاعب الحياة ؛ ففمها لطيف ، وأسنانها منظمة ، ولكى أعتقد أنها لم تحاول قط أن تبتسم . وفجأة بدأت أقارنها بمدام شانتال .. ودهشت لنتيجة المقارنة ؛ فمدموازيل برل بلا شك أفضل وأنبل وأجمل . وملأت كأسا من الشمبانيا وقدمته إليها ، فأخذته بيد مرتعشة ونفس مضطربة تريد الفرار . فلما رفعت الكأس إلى شفتيها صاح الجميع : الملكة تشرب .. الملكة تشرب .. فاحمر وجهها وانفجر الكل ضاحكا .
ولما انتهى العشاء صعدت مع المسيو شانتال إلى حجرته ندخن السيجار ونلعب البلياردو . ولما تذكرت مدموازيل برل سألته :
- قل لى يا مسيو شانتال .. أهى إحدي قريباتك ؟ . وكف مسيو شانتال عن اللعب وسأل وهو يرمقنى بدهشة : - كيف ؟ ألا تعرف ؟ ألا تعرف قصة مدموازيل برل ؟ . - كلا . - ألم يقصها عليك والدك ؟ . - كلا .
- حسنا ... حسنا .. سأقصها عليك إذا . وإنها لمصادفة غريبة حقا أن تسألنى هذا السؤال فى عيد الملوك . - ولماذا ؟ . - منذ أربعين عاما تقريبا كنت أسكن مع العائلة فى روى ؛ أبى وأمى وعمى وعمتى وأخوى الكبيرين وأربعة من بنات عمى .. وكنت حينذاك فى الخامسة عشرة من عمرى .
وفى ليلة من الليالى كان الثلج يتساقط بغزارة لم تعهدها المدينة من قبل ، حتى إننا اعتقدنا أن نهاية العالم قد أتت . ومع ذلك فإن المرح كان يغشانا جميعا ؛ فاليوم كان يوم عيد الملوك .. ولما هممنا أن نذهب للعشاء قال أخى الاكبر : هناك
كلب يعوى فى الخارج . أرى أنه من الخير أن أذهب فأحضره .
وما إن أتم كلامه حتى سمعنا ناقوس حديقتنا يدوى ، فانقبضت قلوبنا لسماعه وأرسل أبى خادمه ليرى القادم ، ولكنه عاد قائلا أن لا أحد هنالك .
وجلسنا إلى المائدة ولكن الناقوس عاد يدق من جديد ، فرفعنا أيدينا عن الأكل وذهب عمى مع الخادم لينظر الخبر ، ولكنه عاد بعد مدة طويلة وقد ظهر على وجهه الغضب وصاح : - إنه الكلب الذى ينبح على بعد مائة متر .. إنه هو الذى يعبث بالناقوس .
وعاد الناقوس يدق مرة أخرى فعلمنا أن بالأمر شيئا ، وخرجنا جميعا هذه المرة نستطلع الخبر .
وكان الثلج ما زال غزيرا فى الخارج ، ولكنا مع ذلك قصدنا مكان الكلب وقد صممنا على حمله معنا إلى المنزل . غير أن الكلب لم يكن وحده هنالك ؛ فقد رأينا إلى جواره عربة صغيرة بداخلها شىء لم نتبينه . فاقترب أبى من العربة ورفع عنها الأغطية فإذا هو يجد داخلها طفلة صغيرة نائمة .
وانتاب الذهول الجميع . لابد أنها ثمرة غرام ألقتها أمها الخاطئة فى الطريق ليجدها مار محسن فيرعاها ويتولى تربيتها . وحملها أبى بين ذراعيه وعدنا جميعا إلى المنزل . وهكذا جاءت مدموازيل برل إلى منزلنا .
وسكت مسيو شانتال دقيقة ثم عاد يقول : - لقد كانت وهى فى الثامنة عشرة من عمرها غاية في اللطف .. غاية فى الكمال .. شجاعة . جميلة . جميلة جدا .. فاتنة . وكانت عيناها الزرقاوان فى صفاء الماء وشفافيته .. ولم أر فى حياتى أصفى من هاتين العينين ولا أكثر منهما صفاء .. مطلقا .
وسألته : ولماذا لم تتزوج ؟ . قال متلعثما : لماذا ؟ لماذا ؟ إنها لم تقبل العروض التى عرضت عليها . لقد كانت حزينة فى ذلك الحين .. وكنت حينذاك قد تزوجت من ابنة عمى شارلوت بعد خطبة دامت ست سنوات .
وتأملت مسيو شانتال وخيل إلى أنى أتوغل فى روحه وأنى حيال مأساة من أقسى المآسى التى مرت بقلبه الطيب . وتملكنى فجأة حب الاستطلاع جارفا فقلت دون وعى : - لقد كان من الواجب عليك أنت أن تتزوجها يامسيو شانتال وبوغت بقولى هذا فقال متلعثما : - أتزوج من ؟. - مدموازيل برل . - ولم ذلك ؟.
- لأنك كنت تحبها أكثر من حبك لابنة عمك . واتسعت عيناه واضطرب وتمتم بصوت مرتعش : - أحبها ؟ أنا ؟ كيف ؟ ما هذا الذى تقول ؟ قلت : ولسببها هى دامت خطبتك لابنة عمك ست سنوات ولم تتزوجها إلا متأخرا . وإذا بى أراه على حين بغتة قد انخرط فى البكاء وانحنى على مائدة البلياردو ، وجعل ينشج نشيجا عنيفا خيل إلى أن قلبه يتمزق معه . وفجأة سمعت صوت مدام شانتال من أسفل تصبح : هل دخنتم سجائركم ؟ وفتحت الباب وقلت لها من أعلى السلم :
- نعم .. إننا سننزل حالا . ورجعت إلى زوجها وأمسكته من ذراعيه قائلا : - مسيو شانتال .. عزيزى شانتال . . اسمعنى .. إن زوجتك تناديك .. هدئ من روعك وجفف دموعك حتى لا تلاحظ عليك شيئا . . يجب أن تنزل .
وقال متلعثما وهو ما زال ينشج : - نعم .. نعم .. إنى سانزل .. ياللمسكينة .. إنى سأنزل . قل لها إنى نازل . وجعل يجفف دموعه فأمسكت بيده وقلت متوسلا : - أرجو المعذرة ياصديقى . فلم أقصد إيلامك .. لم اكن أعلم أنك ستتألم إلى هذا الحد . فهز رأسه قائلا : أجل .. أجل .. ثمة لحظات مرعبة تمر بالمرء .
ونزلنا بعد أن هدأ روعه وصحبته حتى جلس هادئا بين زوجه وابنتيه ، ثم قصدت مدموازيل بزل يدفعنى إلى ذلك حب استطلاع فظيع يلهب نفسى ويسيطر على . وساءلت نفسى : هل أحبته هى الأخرى ؟ وهل أحست
بذلك العذاب الطويل المكبوت الذى أحس به .. ذلك العذاب الذى لا يراه أحد ، ولا يعلمه أحد ، ولا يحدسه أحد . ذلك العذاب لا يظهر إلا فى الظلام .. فى الوحدة . . فى حجرة النوم المظلمة .
وصممت على أن أرى ما بقلبها كما يصمم الطفل على كسر لعبته ليرى ما بجوفها .. فقلت لها : - لقد كان مسيو شانتال يبكى الآن بكاء لو رأيته لتقطعت نفسك لمرآه . فسألت جزعة : كيف ؟ أكان يبكى ؟ - نعم .. لقد كان يبكى . - ولم ؟ قلت : من أجلك أنت . - أنا ؟
- أجل . لقد قص على كيف كان يحبك فى الماضى حبا ملك عليه قلبه و نفسه ، وكيف كان يتعذب لزواجه من ابنة عمه بدلا منك . ونظرت إليها فإذا لونها قد شحب ووجهها قد طال وعيناها قد أغمضتا ثم سقطت على الأرض فاقدة الإدراك . وصحت : النجدة .. النجدة . وجاءت مدام شانتال وابنتاها مسرعات .. أما أنا فقد أخذت قبعتى ومعطفى وخرجت مسرعا .
وسرت بخطى واسعة وقلبى ينبض بشدة ونفسى تملؤها الحسرة والندم . ومع ذلك فقد كنت مسرورا راضيا .. فقد فعلت شيئا كان من الضرورى فعله . لقد كبتا فى نفسيهما مدة طويلة جروحا دامية مؤلمة .. والآن .. أليسا الآن أسعد حالا ؟ ألم يندمل الجرح ؟ ألم يزل الألم ؟
لربما جلسا فى ليلة مقبلة جنبا إلى جنب فهز فلبهما شعاع من القمر تسلل خلال أغصان الحديقة فسقط بالقرب منهما على العشب الأخضر .. ويدفعه هذا الشعاع إلى أن يأخذ يدها بين يديه بينما تجول أفكارهما فى آلام الماضى القاسية المكبوتة . ولربما أسرت هذه الملامسة فى عروقهما رعشة لم يعرفاها من قبل ، فأحبت نفسيها وأيقظتهما بعد طول رقاد ، وبعثت فيهما لذة تفوق فى القدر ما يحصله المحبون جميعا طوال حياتهم من بهجة وسرور .

