كانت واقفة تحت مصباح من مصابيح الطريق ، يلفها الظلام فى غلالة باهتة . وعند ما رأيتها فى هذه الساعة المتأخرة من الليل تيقظت فى أمرى ، وتصاعدت إلى رأسى أبخرة حارة وأفكار خبيثة ، كعادتى كلما رأيت أنثى . أجل هن يبعثن فى إحساسا عارما بأنى رجل ، فى حين أن إهانة رئيسى فى المكتب وسبه إياى تحبس رجولتى . وكيف أطلق رجولتى من عقالها وشبح الجنيهات العشرة التى أقبضها من وظيفتى يتراقص أمامى ؟ وماذا تجدى الرجولة حينذاك ؟ إنها لن تمدنى بالطعام على أي حال .. إلا أن الأمر يختلف الآن ، يختلف تماما ، فثمة امرأة وحيدة فى الطريق المقفر . وامتد أنفى بحركة لاشعورية وشم الرائحة ، كما تشم كلاب الصيد رائحة الفريسة ، وأدركت بحاستى التى نادرا ما تخطئ أنها إحدى بنات الليل وشملت الطريق من أوله إلى آخره بنظرة خاطفة فوجدته خاليا مثل طريق المقابر . حسنا .. حسنا إن الحظ يحالفنى الليلة بعد أن تخلى عنى فى الشهور الماضية . إننى لم أصادف أبدا في حياتى مثل هذا الجو المهيأ كأنما أعده القدر بإحكام كيما يرضينى بعد أن عبث بى طويلا . . وابتهجت واعترانى الجذل ، واستطعت أن أسمع صوت لسانى وهو يلعق فمى .
واقتربت منها ، ولدهشتى لم أجدها وحيدة . فقد كانت تحمل طفلا صغيرا على أحد كتفيها . وكان يبدو نائما مستغرقا فى أعذب أحلامه ، تحيط وجهه هالة من البراءة . وأعجبتى هذه المرأة . هذه الأم الحنون التى تأبى أن تخرج بدون طفلها حتى لا تتركه في أيد غريبة . وفى نفس الوقت
خامرنى الأسف والحسرة لأنى تخيلت أنى لم أجد الفريسة المنشودة ، ولعنت أنفى وحظى السيئ .
كنت سأمضى فى طريقى لولا أنى لمحت على شفتها ابتسامة ، بينما سألتنى فى صوت متراخ : - أمعك ثقاب ؟ . وأطلقت ضحكة خافتة وقلت : - لقد أرعبتنى يا عزيزتى .
وتأملت وجهها بينما كنت أشعل لها الثقاب . لم أتمكن من تمييز لون بشرتها الحقيقى ، لأن طبقة كثيفة من الأصباغ كانت تغطيه . لكنها كانت ذات جمال كجمال الورود التى لم تحى فى الضوء والهواء النقى ، ولمحت فى عينها بريقا قويا يدل على شئ غامض لست أدرى أهو الجشع أم الأمل ... وأمعنت النظر فى قوامها اللدن ، فاهتز بدنى وأنا أذكر فراشى البارد ، وارتعشت شفتى وأنا أنظر إلى شفتها المثلثتين ، واشتد صعود الأبخرة إلى رأسى حتى حجبت العقل ، بل أحسست به يتلاشى شيئا فشيئا ، وأصبحت فجأة بلا رشد ، إنما تسيطر على غريزة هوجاء . لذلك قلت دون مقدمة : تعالى إلي المنزل . - كم تدفع ؟.
ووقع بصرى على الرضيع الهاجع في سكون . وكنت سألعنه وألعنها معه وأمضى فى طريقى مرة أخرى ، لولا أنى كنت جائعا . كنت محروما من اللحم شهورا طويلة ... واستنكفت أن يشاركنى الطفل هذه الليلة ، ويراقبنى وأنا
أتذوق طعم اللحم ، لكنى تغلبت على مضضي ، وطمأننى أنى رأيته غارقا فى نومه . فأجبتها : - بهذا الطفل لا أكثر من ربع جنيه .
وبعد قليل كنا أمام باب حجرتى المعتمة فوق سطح أحد المنازل . لكنها ذكرتنى بأجرها قبل أن يخطو إلى الداخل ، فأجبتها برقتى المعهودة :
- ادخلى أولا واطمئنى تماما ، فأنا رجل شريف ١ . وأقنعها ردى فدخلت . ووضعت الرضيع النائم بعناية على المقعد الوحيد فى الحجرة ، وهى ترسل إلى نظرات ماجنة أشعلت النار فى جسدى . وراقبتها وأنا أغبطها على هذا الوليد الوديع الذى لا يضطرب ولا يصخب . وانفرجت شفتاها عن ابتسامة عريضة ، لكن شفتى ظلتا على صمتهما المطبق ، فقد كنت شاردا ، تخيلت الساعات الهنيئة التى سأقضيها فما يشبه الأحلام . وأحببت أن أكون عمليا . فاقتربت منها فى خطوات بطيئة ، وأنا أكاد أحبس أنفاسى من الانفعال ، وكان الصمت يرفرف علينا حتى أنى سمعت دقات قلبى السريعة . وكلما اقتربت منها أحسست بالعدم يحوطنى معها ، فلا كائنات فى العالم إلا أنا وهى ، وشعرت أن بركانا هائلا على وشك الانفجار . ولم ألبث إلا هنيهة حتى شعرت بانفجاره عندما وضعت شفتى على شفتيها المطليتين ، وانتفض جسدى من الحمى كما انتفض من قبل ، عندما أصابتنى الملاربا . ورحت فى عالم بديع نشوان كالذى كنت أتيه فيه عندما أجرع كاسات الخمر فى حانة السلسلة . ما ألذ طعم شفتيها . . إنه مثل قطعة ساخنة من الضأن المشوى .. لكنى حرمت من هذا فجأة ، عندما رفعت شفتيها ، وأبعدت جسدها عنى .
يالها من خبيرة بالرجال ؛ لكنها حمقاء ككل بنات جنسها . أى شئ تريد أن تبعثه فى وأنا التهب كالأتون المتقد ؟ ربما أرادت أن تحولنى إلى رماد . . يالها من أنثى .. حسنا لن أتركها حتى تحولنى إلى رماد . وأسرعت فأطبقت عليها ، لكنها انفلتت من ذراعى واثبة . وجريت وراءها والشبق يغلى فى نفسى كالمرجل ، وحاصرتها ف ركن ضيق ، ولففت ذراعى حولها وضممتها بعنف إلى صدرى ثم أهويت على شفتيها بقبلة عربيدة . آه ! إنى أريد مزيدا من الحمى والخمر واللحم .. إن جسدى جائع يضج من جوعه ، وما يحتمل الانتظار أكثر من ذلك .
ولم أنعم طويلا فقد تسربت من أحضانى حين مزق السكون صراخ حاد أشبه بمواء القطط . كان الرضيع يصرخ عندما استيقظ ولم يجد أمه بجواره . وامتلأت بالضيق لما أفقت من نشوتى ، ولعنت الحظ الذى أوقعها في طريقى .. واشتد ألمى وكربى عندما رأيتها تأخذه فى أحضانها بدلا منى، وهى لا تحس بوجودى . بل بدا لى أنها لا تشعر بمدي الغيظ الذى كنت أتميز منه . وربتت عليه بحنان وهدهدته كأن ما فعله شئ طبيعى . ولو علمت فى تلك اللحظة أنى كنت أود أن أخنقه ، إذا لهربت به واختفت عن ناظرى .
ماذا أفعل ، وأنا أرى الطفل فى سبيله إلى أن يهدأ كما رأيته فى نظرتى الأولى ؟ لاشئ بالطبع سوى الاستسلام . فجلست وأنا برم على الفراش الحاوى الذي ينتظر ضجعة الشيطان . ولم أفه بحرف ، بل انتظرت حتى هدأت حركة اللعين وكف كلية عن صراخه . عندئذ وضعته أمه الحنون على المقعد وأقبلت نحوى . أقبلت نحوى كأنما كانت تستجيب لنداء الاستغاثة الذى ترسله عيناى . كنت ملهوفا جائعا ، وكان الغذاء أمامى ..
ولم انتظرها حتى تأتى ، بل نهضت واقتربت منها . وحين أوشكت أن أحتويها بين ذراعى شق السكون الصراخ الحاد مرة أخرى . وتصاعد الدم الحار إلى رأسى فقد كان ذلك فوق طاقتى ، وأكثر مما تحتمله أعصابى ، فإن الجوع بعث فى اللهفة والشره ؛ وأنا حين أجوع أحب أن ألتهم الطعام دون عائق حتى امتلئ وأشبع . لذلك أسرعت إلى مكان الطفل وصحت فيه : - ألا تكف عن صراخك أيها الأحمق .
ولوحت بيدى مهددا إياه . لكن اللعين استمر على صياحه المزعج ، دون أن يعيرنى التفاتا ، أو يأبه لكلامى . وصمت آذانى وأعمانى الغضب فلم أشعر إلا ويدى تهوى على الرضيع بصفعة قاسية ، وفى الحال كف عن صراخه .
كف الطفل عن صراخه لكن صراخ أمه ارتفع ، وتبدد ارتياحى الذي حصلت عليه بهذه الصفعة . واعترانى شعور غامض رهيب وأنا أسمع العاهرة تناجى ابنها في نبرة أشبه بالبكاء : - ولدي .. روحي .. حبيبي وتناولته بعناية من على الأرض ، بعد أن ألقته صفعتى
القوية عليها . كانت عيناه مغلقتين ، ووجهه متقلص العضلات ، وأصبح لونه فى بياض الشمع . ثم ضمته إلى صدرها بشوق أعنف من ذلك الذى انتابها وهى تضمنى . وعندما أحست ببرودة جسده هزته بلطف وهى تتضرع إليه :
- كلمنى يا حبيبى كلمنى . ماذا فعل بك ؟. لكنه لم يجب . ونظرت إلى فالتقت نظراتنا واشتبكنا فى صراع جبار . و انجلى الموقف وبان كل شئ . فصاحت والرعب يملأ صوتها : - قتلته . آه يامجرم .
وفغرت فاهى ذهولا وأنا أسمع كلماتها . أممكن أن يحدث هذا ؟ وكيف . . آه حقا لقد كانت ضربتى قاسية : لكنه السبب وأنا معذور فيما فعلت . وفجأة قفزت إلى ذهنى صور عديدة . . البوليس ، والأحجار الضخمة والسلاسل ووجه السجان الغليظ . بالله أممكن أن يحدث هذا ؟. كلا إنها أوهام إنسان متعب . لكن لا . هذه هى الحقيقة ، فقد ارتكبت جريمة قتل . وارتعد بنيانى وأنا أسمعها تقول وهى تنشج نشيج الثكالى :
- سأبلغ البوليس . سأبلغه كى تنال عقابك . وحاولت أن أهدئها لكن محاولاتى ذهبت سدي . كانت مثل اللبؤة التى تدافع عن أشبالها حين يغيب الأسد . تماما كاللبؤة ذات ناب وعين من شرر . وتراءت لى فى تلك اللحظة بوجهها الملطخ كأنما قد هربت من الغاب لتقتنص ضحية بريئة . واستطعت أن أميز فى عينيها بريقا مخيفا كذلك الذى تبرق به عيناى عندما أبصر صيدا سهلا .
وكفت عن النشيج دون سبب ظاهر ، وكادت تبتسم وهى تضع طفلها الميت على المقعد .
ثم اقتربت منى حتى لاصقتنى . وتمتمت فى صوت لين : - لن أبلغ البوليس . . إنما سأطلب منك شيئا . - وقلت لها وأنا فى غاية الاطمئنان : - اطلبى النجم فى السماء .
إنى أحس أنها ستطلب بضعة جنيهات ثمنا لطفلها . فهذا هو التفكير المنطقى العادى . لكنى ارتعبت عندما أجابت : - تزوجنى ..
وخيل لى فى بادئ الأمر أن هذا الطلب أكثر استحالة من طلب نجوم السماء ، ووقع عرضها فى نفسى كما يقع نعى شخص حبيب ، لكن الصور التى قفزت إلى ذهني منذ لحظة عادت إلى الظهور . أجل ما أنا إلا مجرم يريد الفرار من جرمه بأى ثمن . لذلك لم يكن لدى اختيار ، فقلت وكلي أسى : - لن أخونك أبدا يا زوجتى العزيزة !
