الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 608 الرجوع إلى "الثقافة"

يحكى أن, وداعا إلى غير لقاء

Share

ودعها في ذلك المساء وقد عزم على ألا يلقاها بعدها . وعندما أمسك يدها و صالحها غرته رجلة ، وأوشكت أن تقفز من عينيه دمعة ولكنه أسرع فردها . ودعا لها سارة لتحملها إلى منزلها ، وكانت الليلة ممطرة والبرد قارسا والقمر متدثرا بالتمام ، فكأن الطبيعة تشاركه الأسى في ذلك المساء . ونظر إلى وجهها الصغير الجميل من خلال زجاج نافذة السيارة وقد علته طبقة من الماء ، فهذا الوجه مضطربا ، ولو ح لها بيده ، ثم نقل إلى الملهى الذي كانا فيه . فجلس ثانية إلى المائدة التى كانا عليها يجلسان ، ولما استأذنت دمعتان في الانحدار لم يقاومهما ، وأطلق لفكره العنان ومضى يذكر .

يالله ! أكان ذلك حقا منذ ثلاثة أعوام ! ما أسرع ما تمر الأيام ؛ نعم في ليلة جميلة منذ ثلاثة أعوام كان مدعوا إلى حفل قران في المعادي عند أسرة صديقة . وتردد كثيرة في الذهاب ، ولم يأنس في نفسه تلك الليلة ميلا إلى الصخب والضجيج وكان مزاجه يومها أقرب إلى الحزن دون ماسبب ، والتمس عذرا في هذه الأكوام من العشرات والمجلات الطبية لم ينظر فيها منذ أسابيع ، لكنه خشي لوم الأسرة الصديقة وغضب العروس الصغيرة وقد كان يعتبرها له أختا ، فحزم أمره ومضى إلى المعادي . . إنه ليسائل نفسه الآن : كم تتوقف الأمور الجليلة على المصادفات الصغيرة ؛ ترى لو لم يذهب في تلك الليلة . ولكنها الأقدار كانت تعد له يومها حدثا كبيرا . .

ورآها هناك . . كان جالسا وحده في ركن قصى يرقب الراقصين والراقصات تخاصروا على نغمات الموسيقي ، وأبي عقله إلا أن يتفلسف .

أيها الفني الذي يضم فتاته في قوة كأنما لا شئ يستطيع أن ينتزعها منك ، عبثا ما تبذل من جهد ، سينتهي هذا الدور وراقص غيرك ومن بعده غيره وهكذا في الحياة دأبهن . . تلك خصلة ورثتها جميعا عن أمهن حواء عدم الوفاء ؛ وأنت أيها الرجل الذي تراقص هذه الفتاة الفاتنة ذات الثوب الأسود ، إن فتنة الجسد الأبيض لا يبديها مثل إطار أسود ، حذار أيها الغريب من هذه النظرات التي تصوب إليك كالسهام المريئة من هذه العيون النجل ذات الأهداب كأسنة الرماح ، إنها سلاح للمرأة منذ الأزل ، كم أغرت بها ، كم صدت وكم قربت وأبعدت ، وكم أحيت و صرعت . .

ولكن صوتا يهمس في أذنه : " أين أنت . في أي واد سحيق ؟ ياسيدي نحن هنا " . وكانت ربة الدار تقول : أنت تجلس وحيدا ؟ ولكن الذنب ذنبي وسأكفر عنه في الحال ، هذه فاتن سأقدمها إليك ، فحذار ألا تشرفني !

يا إلهي! كيف عميت عيناه عن هذه الفتنة من قبل ؟ وكانت قيد خطوات منه . . وقال لها : - هل اسمك هو فاتن حقا ؟

فأجابت دهشة : - نعم قال : سموك به منذ ولدت ؟ قالت في سخرية : أو بعدها بأيام قال : وكيف عرفوا وقتها أنك ستصبحين فاتنة . . ؟ ! أجابت وقد ضمت شفتها الصغيرتين في تحد وصوبت إليه عينين كأنهما من عيون البقر : هل أعد هذا غزلا ؟

قال وهر يتكلف الجد : إذا شئت . . ولكن قومي بنا إلى حلبة الرقص .

وكان وهو يراقصها يطيل التأمل وبصره حائر بين ذلك الجبين المشرق الذي يشع نورا يضيء ما حوله . وهذه الأجفان التي تلقي على الوجه ظلالا فاتنة ، وهذا الفم تحيط به شفتان رقيقتان مضمومتان في قوة كأنما تتوقعان خطرا مباغتا أو تحرسان صفين من اللالئ الناصعة ، وهذا الذقن الجميل المدبب يذكره بوجه نفرتيتي في تماثيلها ، والثوب الجميل الذي يضمها في شغف تري أهو ذلك الجسم الجميل الذي يسعد بهذا الثوب الأنيق ، أم هو الثوب يتيه زهوا بما يضمه من جمال ؟ لكأنما تمنى الجسد فكان ذلك الثوب تحقيق أمنيته ، أو دعا الثوب فكان في موضعه استجابة لدعوته . .

وتوقف العزف وقالت ربة الدار : هاكم أيها الأصدقاء والصديقات مفاجأة صغيرة . . إن الآنسة فاتن ستغني لنا مقطوعة بكل من اللغات العربية والانجليزية والفرنسية ، ونظر إليها وقال : أنت ؟ أجابت : يبدو ذلك واتجهت إليها الأنظار ، واشتد التصفيق ، وغنت هي كل صوت رائع حنون أطربه وملك عليه حواسه . . استهوته وهي تنشد من شعر شوقي :

جحدت عيناك زكى دمي                    أكذلك خدك يجحده

قد عز شهودي إذ رمتا                  فأشرت لخدك أشهده

بيني في الحب وبينك ما                    يقدر واش يفسده

ما كان أحرى هذا الحديث أن يوجه إليها . ونظرت إليه رانية وهي تغني بالانجليزية أحببني . . أحببني إلى الأبد . . ودع الأيد يبدأ الليلة ثم تبسمت له وهي تقول في أغنية فرنسية : الحب . . الحب وهو سيد متعال . . ولكنه خادم مطيع ١ .

ولما انتهت من غنائها أحس بأنه يريد أن يخلو بنفسه ليفكر فيها ، فهو لا يدري ماذا حدث له الليلة ، لقد قلبت له هذه الفتاة حياته رأسا على عقب ، وتسلل إلى الشرفة الباردة وأغلق الباب وراءه ، ورأى القمر ينظر إليه في رفق وحنان وأشعته الفضية تنعكس على صفحة ماء النيل في منظر شاعري يأخذ بالألباب ، وضوؤه إذ يتسلل من بين فروع أشجار الحديقة قطما كأنها النقود الفضية لكن الباب فتح لحاة . وكانت هي . وقالت له ضاحكا : " قل لي أطبيب أنت أم شاعر . . ؟ " .

قال : كنت طبيبا ولكنك جعلتني منذ الليلة شاعرا ١ ولكن أنت ما جاء بك إلى هنا - فررت من الصخب والضجيج . . ولم أعلم طبعا أنك هنا . ولكن الصخب والضجيج ما زال يلاحقنا هنا فتعالي معي . . وأمسك ذراعها وقادها إلى ركن قصى في حديقة الدار وجلس إلي جانبها وقال : أريد منك أن تغني لي الآن كل ما غنيت هناك ١ .

- ولكنني لا أستطيع . . إنني متعبة - ولكني أصر على ذلك . - تصر ؟ إنك تخاطبني بلهجة غريبة . . يظهر أن من عرفتهن قد دللتك أكثر من اللازم فاعتدت أن تنال كل ما تريد . ولكنني لن أجيب طلبك . - في هذه الحالة لن أدعك تنصرفين ، وكم يسرني أن تقضي ما بقي من الليل هنا إلى الصباح .

وغنت له وحده . ولما أتمت غناءها قبلها فجأة ، وقالت غاضية : - إنك لجريء . أجابها في مثل لهجتها : إن كنت لا تريدينها فرديها إلي في الحال . . فضحكت . .

نعم إنه يذكر هذا اللقاء الأول ، يذكر كل لحظة فيه ولن ينساه أبدا ، وهو يذكر بعد ذلك كل ساعة قضياها سويا في الأعوام الثلاثة التي مضت كأنها الحلم . . وهو يذكر المرات القليلة التي اختلفا فيها ، نعم ذات يوم شمس من أيام الشتاء . كانا يجلسان في جزيرة الشاي ، وأخرجت من حقيبتها صوفا ومضت تعمل . سألها عن هذا " البول أوقر " ؟ وتخابثت فقالت : كلفتني إحدى صديقاني أن أصنعه لأخيها . فتناوله منها في هدوء وألقى به فجأة في البركة التي تحيط بالجزيرة ، ووجمت هي لحظة ولكنها لم تقل شيئا حتى هما بالانصراف فسألته في هدوء :

- هل تتق بي ؟ . فأجاب : - اكثر مما أثق بنفسي . قالت : كان ال " بول أوفر " لك ! ومرة أخرى كانا يجلسان في ذلك المقهى الذي يطل على النيل ، وقال لها فجأة : أريد أن تهدي إلي صورتك .

قالت : ولكنك تراني في كل حين ، فما فائدة الصورة . . ثم أنت تعلم ما تجره من قلق ومتاعب . . فقال لها : اسمعي . . لقد سألتني ذات ليلة هل أئق بك وعرفت إجابتي ، وأنا اليوم لم أسألك هذا السؤال ، ولكني عرفت إجابته ، وأنا على أي حال أشكر لك حسن رأيك في

وقاما لينصرفا وقد خيم عليهما الصمت ولكنه سمع صوتها أول شئ في الصباح في التليفون تقول : اعذرني إذا كنت قد أغضبتك . ولكنه أمعن في الرفض وأصر

على ما طلب ، وكان له ما أراد ، وقدمت إليه مجموعة كبيرة من صورها لا صورة واحدة . . .

ثم يستعيد ذكرياته مسرعا حتى يصل إلى الليلة الماضية ، حين زارته سيدة جميلة ، فيها من فاتن شبه كبير ، وجلست ثم قالت : إنك لا تعرفني ، ولكنني أعرف عنك كل شئ من قبل ، أعرف ملامح وجهك ، وألوان جميع ربطات عنقك ، وأي الأماكن تحب وأيها تكره ، وكم قالبا من السكر تضع في فنجان الشاي ، أعرف كل هذا ، لأن فاتن أختي ، ولم تكن تحدثني طوال الأعوام الثلاثة الماضية عن شئ إلا عنك ، قصت على كل شئ ، وقد جئت إليك دون علمها أتحدث إليك . . أنت تعلم أن فاتن مسيحية ؛ فاجتماعكما بعقد مقدس أمر مستحيل ، طبعا أنت تعرض أن تزوج منها ولو احتفظت بدينها  ولكننا من أسرة محافظة في الصعيد ، شديدة التمسك بالتثهيد ؛ فمن المؤكد أنها لن تقبل هذا الزواج ، وقد تهجر هي أسرتها من أجلك ، ولكن هل تقبل أنت هذا الوضع ؟ قد يبدو لك الأمر اليوم سهلا ، ولكن إذا مضت السنون وآن للعاطفة المتأججة أن تهدأ وهذا شئ لا بد منه - فسترى أنت أنك أخطأت ،

وسترى هي أنها ضحت بالكثير ، ولن تشعر بالسعادة قط وهي منتزعة من أهلها ، وسيكون في ذلك تنغيص حياتك أيضا ، وبعد فهذا هو الوضع ؛ ولقد تقدم إليها الكثيرون ، ولكنها رفضتهم جميعا ، وأنا أعرف السبب في رفضها ! فهو أنت ، إذا كنت تحبها حقا يا سيدي كان عليك أن تضحي من أجل سعادتها وتتركها ، فإن الأعوام تمر . وأنا أدرك فداحة ما أطلب منك ، ولكنني أركن إلى نبلك وكرم خلقك ، وأترك لك بعد ذلك الأمر . .

وأفاق من أحلامه ، ورأى الملهى يغلق أبوابه فمضى منصرفا حتى إذ وصل إلى منزله جلس يكتب : " فاتن اغفري لي . . سأتزوج قريبا ، فلن أستطيع بعد الآن أن أراك . . فوداعا . . إلى غير لقاء . وانحدرت من عينيه دمعتان . مسحهما في رفق .

اشترك في نشرتنا البريدية