الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 591الرجوع إلى "الثقافة"

يحكى أن, يبحثان عن ام

Share

) لم يشهد العالم فجائع كذلك التى شهدتها أوربا فى الحرب الأخيرة . فلم تقف النكبات عند إزهاق أرواح ودك مدن ، ولكن شملت ملايين ممن فقدوا بصرهم أو سمهم أو أيديهم أو أرجالهم ، وممن دوعت وجوههم وأجسامهم ، وممن ضلوا فى البرارى والغابات - رجالا أو نساء أو أطفالا - فماتوا جوعا وبردا . وما زال كثير من الضالين لم يهتد إلى أهله . وقد كانت الغارات الجوية تعلن فيهرع الناس من دورهم مشدوهين ، وقد صدق عليهم قوله تعالى : " يوم يفر المرء من أخيه ، وأمه وأبيه ، وصاحبته وبنيه ، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه . وقد أسفرت هذه الحرب عن ادب غزير وفن وفى ظهرا فيما سجل من روايات ومسرحيات وأفلام ورسوم . وتصاوير . والقصة التالية من حوادث هذه الحرب ( .

كان السيد ش . من المحاربين القدماء . ما فى ذلك من شك . فقد اشترك فى الحرب العالية الاولى ، وكان فائد فرقة . وقد سجل بطولته التى كان يفخر بها برمزين خالدين : أحدهما وسام الصليب الحديدى الذى كان يحمله على صدره فى كل مناسبة وغير مناسبة ، وثانيهما ذراعه اليسرى المبتورة التى كان يتخذ من فقدانها وسيلة للتحدث عن جرأته وشجاعته . ولكن السيد ش . لم يعد صالحا للمساهمة فى الحرب العالمية الثانية . فهو قد جاوز الخامسة والخمسين ، وهو مع ذلك مبتور الذراع ، وإن كان غير مقتنع فى قرارة نفسه بوجاهة هذين السببين .

كان صاحبنا يتردد على الحانة القريبة من منزله كلما؟ سنحت له ظروفه البائسة . إنه أب - وأم أيضا - لتومين هما " كونراد " و " مالى اللذين لم يريا أمهما ؟ فقد ماتت عند الوضع . وكان على السيد ش . أن يرعاهما بقدر استطاعته ؟ فيقدم لهما من الطعام ما يجد ، ويدفئ لهما الغرفة الوحيدة التى كانوا يعيشون فيها . فإذا ما جاء النساء أنامهما وقبلهما ، ثم استرق الخطى إلى الحانة القريبة يتسمع أخبار الميدان من الجنود العابرين أو الراجعين . وكثيرا ما كان التوءمان يستيقظان

ليلا مذعورين ، ويناديان : " اباه ؟ اباه" فلا يرد عليهما أحد ، فكانا يجلسان فى بؤس حتى يعود أبوهما .

جلس السيد ش . . ذات مساء فى الحانة ، وقد احتسى كأس الجعة ، ثم نظر إلى جماعة من الجنود حوله وقال : لقد أخذت مدينة بأكملها من احتلال العدو . وها هى ذى ذراعى شاهدة بذلك . فضدما كانت جيوش الأعداء تتقدم إلى المدينة عابرة الحسر الوصل إليها غامرت عيانى ، وتسللت إلى كمين من البارود تحت الجسر فنسفته نسفا . وبذلك فشلت خطة العدو ، وتمكن جنودنا من تحسين خطوطهم .

ولم يكد السيد ش . يتم قصته حتى أعلن الانذار بالغارة فهرول الحاضرون إلى المخابئ . وهرول هو إلى خارج الحانة يطير راجعا إلى المنزل ليكون بجانب التوءمين فيطمئنهما

ويرعاهما . ولكن الغارة كانت أسرع من رجليه ، فلم يصل إلى المنزل ، ولم يعثر له أحد على أثر .

وفى صبيحة اليوم التالى رفعت أنقاض المنازل المهدمة ، واخرج التوئمان حيين فى غيبوبة ، وحملا إلى دار الكفالة حيث كان مصيرهما مصير المئات من أمثالهما هناك . .

كانت مالى الشقراء أذك من أخيها كونراد ، وكانت دائما ساهمة واجمة ، غارقة فى أفكار حزينة . ذهبت ذات يوم إلى أخها وقالت : كونراد ! هل لنا أم ؟ قال كونراد : أم ؟ ما الأم قالت مالى : لست أدرى ما الأم ! إننى أسمع الأطفال يقولون " أمنا ، أمنا " فما الأم ؟ فأجاب كونراد : وهل لنا أم كهؤلاء الأطفال ؟ وأين هي ؟ وما لونها ؟ وما طعمها ؟ وما شكلها ؟ .

لم تجد مالى ردا شافيا من أخها ؛ فذهبت إلى إحدى المشرفات بدار الكفالة وقالت : سدتى ! ما الام ؟ إننى أسمع بعض الأطفال يقول " أمى ، أمى " فما الأم ؟ قالت المشرفة : ألا تعرفين الأم ؟ ألم يكن لك أم ؟ الأم هى المرأة التى تحنو على أطفالها ، وتحميهم كما تحمى عينها . وهى المرأة التى تحرم نفسها وتطعم أطفالها الجياع ، وهى التى تحتضن أطفالها فتدفئهم بحرارة دمها وحبها ، وتقيهم قارس البرد .

انصرفت مالى عن المشرفة وهى تفكر . . الأم هى المرأة التى . . الأم هى التى . . " فأين إذا أمنا ؟ "

كان الصيف فى أواخره حينما وجدت مالى باب الدار مفتوحا ، والحارس غائبا . فأسرعت إلى أخها وقالت : هيا بنا لنخرج الآن ولنبحث عن أمنا !

سار الطفلان فى شوارع المدينة هائمتين على وجهيهما يقفان أمام النازل والحوانيت مهوتين ، ويتأملان وجوه المارة من النساء ، لعلهما يعرفان أمهما . وخرجا من المدينة إلى القرى المجاورة عبر الحقول والغابات . وكانا يقفان الناس فى الطرقات سائلين : أين أمنا ؟ إننا نبحث عن أم . ولكن الناس كانوا فى شغل شاغل ، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه . لقد كانت الطرقات ملأى بأمثال هؤلاء الأطفال الضالين الذين يبحثون عن أمهاتهم وآبائهم ، والذين ليس لهم مااوى يؤويهم .

لم يجد الطفلان من الحشود الكثيرة التى قابلاها وسألاها أحدا يمنحهما أما ، أو بدلهما على أمهما . وكل ما ظفرابه لقيمات جادت بها قلوب رحيمة . وكانت مالى تجمع هذه اللقيمات لتسد بها رمقها ورمق أخها فى طريقهما الطويل

كان الشتاء يزحف ببرده وتلوجه ، وكان الطفلان هائمين فى البرارى والغابات . ولم يكن عليهما من الكساء أو الغطاء ما يكفى لحمايتهما . قالت ماالى لأخيها : ربما كانت أمنا قد ماتت ، ولكن لماذا لا تعود إلينا ؟ ألا يعود الموتى ؟

وهل نرضى أمنا أن تبقى ميتة وتتركنا نبحث عنها ؟ تعال نمت لعلنا قابلها بعد موتنا . قال كونراد : تعالى بنمض الليلة فى هذه الغاية فريما كانت هناك . إن البرد شديد والظلام يحيط بنا من كل جانب . وقد دب التعب فى جسمى والنعاس فى عينى

دخل الطفلان الغابة ، وأسندا ظهر يهما إلى ساق شجيرة فيها ، وأخذا يقولان : لقد تعينا يا أماه . ارجعى إلينا . اتركي الموت وعودي إلينا ، وإلا فكيف ثانى إليك . . ثم سرى إليهما النعاس ، ولكنه كان نعاسا سرمديا ،

) عن الألمانية (

اشترك في نشرتنا البريدية