الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 452 الرجوع إلى "الثقافة"

يحكى أن . .

Share

قال صاحبى : - لماذا تؤثر أن يكون كلامك الذي تفسره في صورة حوار بينك وبين صاحبك حديثا وببنك وبين ابنائك حديثا آخر ، ولماذا لا تتجه راسا إلى ما عندك من الكلام فتقوله بغير حاجة إلى الحكاية والرواية ؟

قلت : - هذا مذهبى فى المقال - ولكل امرئ فيما يحاول مذهب ؟ واذكر انى تلقيت هذا المذهب ، وافتقته منذ كنت صبيا صغيرا . فقد كنت فتى لين العقل فى مدرسة جامدة الأساليب . وكان معظم زملائى الصغار على شاكالتى يحبون درس المطالعة لما فى كتب المطالعة من كلام لين نوعا . ويكرهون دروس الحساب لأنهم لم يكونوا يسمعون فيها إلا قول المعلم ؛ اجمع . اطرح . اضرب .

وهكذا .وحين تدرجنا قليلا فى هذا العلم كانوا يقذفون فى وجوهنا بمسائل جافة لاتمت إلى عقولنا بصلة . فبدلا من أن يحدثونا فى هذه المسائل من الصبى الذي كان معه كذا من ( البثور ) قلب وربح فى الشوط الأول كذا واحدة وخسر فى الشوط الثاني كذا ، ثم يسألوننا بعد ذلك عن مقدار ربحه أو خسارته كانوا يختارون لسائلهم موضوعات غريبة ، فتارة يحدثوننا عن الحنفيات والبالوعات ، وتارة عن الصيارف والتجار . ويخرجوننا بذلك عن ميداننا إلى امثال هذه المجاهل التى كنا نعيش فيها ساعة أو نحو ساعة ونحن عنها غرباء لنعود منها فى آخر الدرس غرباء ايضا . وظل حالنا على ذلك إلى أن من الله على بالإنتقال من هذه المدرسة إلى مدرسة غيرها . وهناك وجدت مدرس الحساب رجلا قد بلغ منتهى المبالغة فى طريقته ، حتى لقد جعل مادته تلك التى اشتهرت بالجفاف والصرامة من أحب المواد إلى نفوسنا ، ولم يكن قد زاد شيئا على ما يفعله زملاؤه ، إلا انه كان يختار

الموضوعات القريبة إلى عقولنا فيجعلها موضوعا لمسائله ثم بيدا كل مسألة من مسائله بقوله : يحكى ان

فبدلا من قوله : اشتري تاجر كذا إردبا من التلال . . . الخ

كان يقول : يحكى أن رجلا اشترى لابنه كذا كرة . . الخ ، فكانت تنزل عبارة ( يحكى أن ) على إسماعنا نزول السحر ، وكنا نقبل سعداء على مسائله تلك ندرسها ونحلها كما لو كنا نلعب لعية الاحاجى ، لا كما يجلس التلاميذ بلهاء على عادتهم أثناء دروس الحساب .

وقد تعلمت هذا الدرس الدافع منذ ذلك التاريخ العتيق فأصبحت لا أحب أن أسوق الحديث إلا على هذه الصورة التى أطمع فى أن أظفر عن طريقها بأذن المستمع .

قال صاحبي : فأى حديث عندك اليوم تريد أن نقصه علينا ؟ قلت : - أشد ما يؤذى نفسى أن أرى رجلين بتشاجران ويتداران لاختلاف فى الرأى . وانكى من ذلك عندى أن يكون شقاقها لاختلاف فى الدين ، فإن الإنسان الذي لايفهم ان لكل موضوع فى هذه الدنيا عشرات الزوايا ، وأن الاراء فيه تتعدد حتما وطبعا بتعدد هذه الزوايا يكون وجوده نكبة على نفسه ونكبة على الوسط الذي يعيش فيه . وعنوان الرجل المثقف عندى نساعده فى تلقى الرأى المخالف لرايه والعقيدة المخالفة لعقيدته حتى بشاء الله ان يجمع بينه وبين مناظره ، فى زارية واحدة فيزول الخلاف وتتوحد العقيدة .

ومثلى ممن تقوم صناعته على أساس تبادل الرأى والمشاورة و ( المداولة ) يحس أكثر من غيره بحاجة الناس إلى فهم مسألة " الزوايا " التى حدثتك عنها . وان اختلاف الاراء بين المتناظرين يكاد يكون طبيعيا أكثر من اتفاقهم . وان الطريقة الوحيدة للتفاهم هى ان يتنحى الانسان قليلا عن الوضع الذى وقف فيه عند ظهور الخلاف حتى يمكن له ان

يشترك اولا مع زميله فى الزاوية التى ينظر منها الى الموضوع ثم يبين له من هناك موضع الخطأ إن كان الخطأ فى ذلك الجانب ، وإلا وجب عليه ان يعود إلى وضعه هو ليبحث عن الخطأ فى ناحيته .

ولست أود اليوم أن أحدثك عن الاختلاف فى الرأى ، ولكنى سأحدثك عن الخلاف فى الدين . وأبين لك ان المتعصب لدينه كالأعمى سواء بسواء . وما دمنا من انصار " يحكى أن . . " فأنصت !

بحكى أنه كان فى بلاد فارس عالم روحاني جليل ، قرأ كتب اللاهوت المختلفة وتعمق فى دراستها . وانصرف عن التفكير فى كل شئ إلى التفكير فى ذات الله و كيفية وجوده . وانتهى به الامر لكثرة ما فكر وقدر ان اختلط عقله وأصبح لا يؤمن حتى يوجود إله لهذا الكون . فلما علم الشاه بأمره نفاه من بلاده . فخرج الرجل من وطنه لا يرافقه إلا عبده الذي كان يقوم على خدمته وصار يضرب فى أرض الله الواسعة ، حتى ألقى عصا القسيار أخيرا فى إحدى مدن الهند ، ثم آوى إلى احد المقاهى ليستريح بينما جلس عبده على باب المقهى فى بلاده واسترخاء تحت اشعة الشمس الحامية يطرد عن أنفه الذباب

وطلب العالم كوبا من شراب الأفيون . فلما تجرعه وسرت فى دمه نشوة القدح عاد يخرف بما اختلط فيه عقله . وقال مخاطبا عبده الراقد على الباب :

- قل لى أيها العبد النكد هل تعتقد بوجود الله ؟ فقال العبد : طبعا ! ثم بسط راحته إلى صدره وجعل يتحسس كانما يبحث عن شئ يخفيه بين طيات ثيابه ، وأخيرا اخرج من تحت حزامه تمثالا صغيرا من الخشب وقال : ها هو ذا ! ذلك هو الإله الذي حمانى وحرسنى منذ ولدت . وكلنا نعبد تلك الشجرة المقدسة القائمة فى بلدتهما التى تصنع منها مثل هذا الإله !

وكان فى المقهى لفيف من الناس من جميع الأجناس والملل ، وكانوا ينصتون إلى حوار العالم مع عبده فادهشهم كلام العبد ، وتصدى للرد عليه رجل من اتباع " برهمة " إله الهنود فقال :

- أيها الأبله الغبى ! كيف يجوز فى عقلك أن رجلا يحمل الله تحت حزامه ؟ إنه لا إله إلا برهمة الذى خلق هذا الكون . ومن أجل عبادته أقيمت هذه الهيا كل العديدة التى ترص على ضفاف نهر الكانج . لقد مضى على ظهور " برهمة " العظيم عشرون ألف سنة . ومع ذلك ظل كهنته يقومون على عبادته ونشر دينه ، وما ذلك إلا لانه رعاهم وحماهم طوال هذه السنين !

وما كاد البرهمى يفرغ من عبارته وهو يعتقد أنه أفهم العبد وأقنع جميع الحاضرين بصحة دعواه . حتى انبرى له صيرفى يهودى قائلا :

- ما هذا الهراء الذي تزعمه أيها البرهمى ؟ إن الإله الحقيقى لم يتخذ الهند قط مقرا لملكة . وإنما الإله هو إله إبراهيم وإسحق ويعقوب . وهو لا يرعى ولا يحمى إلا شعبه المختار . . شعب بنى إسرائيل ، إن تشريدنا في انحاء الأرض لم يكن إلا محنة أراد أن يمتحننا بها الله . ولكن أرض العباد في انتظارنا . وفيها سوف يجتمع شملنا مرة أخرى . ومنها سوف نحكم العالم من جديد

وغلب التأثر على اليهودى ولاحت له أشباح المجد الغابر والمجد المنتظر فأجهش بالبكاء . إلا ان مبشرا إيطاليا كان حاضرا فلم يمهله حتى يستفرغ محبوس عبرانه وقطع عليه نشوته قائلا :

- إنك يا أخانا لعلى ضلالك القديم ! إذ كيف يسوغ في عقل عاقل ان الله يؤثر شعبا واحدا على سائر الشعوب . إنك بدعواك هذه إنما تنسب الظلم إلى الله سبحانه وتعالى . وهو جاءت قدرته لا يفضل احدا على احد ، ولكنه يدعو الذين يبتغون لأنفسهم النجاة والخلاص ان يرتموا في

أحضان كنيسة روما الكاثوليكية . فإنه لا خلاص لن يكون خارج حظيرتها !

فالتفت إليه قسيس بروتستانتى كان يحضر ذلك المجلس وخاطبه بوجه ممتنع قائلا : - يا أحمق ما تزعم ايها المغرور إن الخلاص نصيب كل من يخدم الله مخلصا ، فبهذا نزل الإنجيل وبهذا قال المسيح

وكان من الحاضرين تركى من موظف الجمرك فى ذلك البلد الذى اجتمع فى مقهاه هذا الخليط . ونظر فى ترفع إلى هذين القسيسين . وقال لهما فى ثقه واستعلاء :

إن اعتقادكم فى الديانة المسيحية ومسككم بأهدافها أصبح أمرا باطلا بعد أن حلت عليها الديانة الإسلامية ونسختها . ألم تعلموا ان الدين عند الله الإسلام ؟ ليس امام الباحث إلا ان يدبر بصره فى أركان هذه المعمورة ليعرف مدى انتشار هذه الديانة التى جاء بها خاتم النبيين . إن علمها اصبح يرفرف على ربوع اوربا وافريقيا . وحتى فى بلاد الصين المستنيرة ارتفعت راية الإسلام وانتشرت تعاليمه . إن هذا الانتشار وحده دليل صحته . ولا شفيع تقبل شفاعته عند الله فير نبيه محمد عليه السلام . ولن ينال الخلاص من أمم الأرض إلا أمة محمد !

ولم يطق الحاضرون صبرا على هذه الدعوى العريضة . فقام اليهود والمسيحيون والمجوس والاسماعيليون وهاجوا واشتبكوا جميعا فى جدل حامى الوطيس . كل واحد منهم ينصر دينه ويخذل دعوى الاخرين . ولم يبق بعمزل عن هذا العراك إلا رجل واحد كان صينيا من اتباع ( كونفوشيوس ). وكان قابعا فى زاوية من زوايا المقهى يرشف قدحا لذيذا من الشاى الذهبى الجميل ، وهو يستمع إلى المتكلمين دون أن يشترك فى جدلهم العقيم . فما إن وقعت عليه عين التركى فى مأزقه ذاك الذى رمى بنفسه فيه حتى استنجد به قائلا :

- تكلم أيها الأخ الجليل ! قل لهم ما ترى فيما أزعم

وما يزعمون . إنكم معشر الصينيين على كثرة ما عندكم من المذاهب والاديان لا تزالون ترون ان الديانة الإسلامية أفضل الأديان . فانها اخذت من كل دين زبدته حتى جاءت موافقة لأهل الأرض جميعا فى كل زمان وفى كل مكان . أسمعنا كلمتك فى الله الحقيقى وفى نبيه الكريم !

فهتف الحاضرون جميعا : - أجل ! أجل ! أسمعنا رأيك أيها الصبى الرزين فى هذا الذى اختلفنا فيه . لازالت بلادك موطن الحكمة وفصل الخطاب

فأرخى الصينى عينية كأنما أخجله هذا الإطراء العريض ولكنه كان فى الواقع يريد ان يفكر تفكيرا عميقا قبل أن يدل برايه الحاسم فى هذا النزاع . فلما اجتمع له الرأى الناضج وتبلور في ذهنه القول الفصل عاد ففتح عينيه فى بطى . واخرج يديه من كمى قميصة الواسعين . وطواهما فى تؤدة فوق صدره . ثم طفق يقول بصوت هادئ ، عميق :

- يبدو لى أيها الإخوان ان ما يحول دون اتفاق الناس فى فضايا الدين إنما يرجع إلى ذلك الغرور الأصم الذي يملأ صدر كل طائفة من الطوائف الدينية المختلفة وإلى اعتقاد أهلها خطأ بأن الله إنما اصطفاهم وحدهم واختصهم رضاء دون غيرهم من العالمين . مع أن الله سبحانه هو رب الأديان جميعها ، وقد ازلها كلها وجعل محورها : الاعتقاد بوجوده والقيام على عبادته ، وبث روح المحبة والتعاون بين عباده . فأيما عبد من عباد الله آمن به ، وعمل صالحا ، كان عند ربه مقبولا وكان سعيه مشكورا .

لقد تركت الصين ، وجئت إلى الهند على ظهر باخرة ربطانية طافت حول العالم . إذ قامت من بلاد الإنجليز واتجهت غريا حتى وصلت إلينا فى أقصى الشرق . ولما وصلنا إلى الجزيرة صوماترا نقت ذخيرتنا من الماء ، فعرجنا إلى شاطئ الجزيرة نزود لمركبنا بما يلزمها من الماء . وكنا خليطا من الأجناس المختلفة كما نحن فى هذا المقهى خليط .

وكان الوقت ظهرا . فنزلنا إلى البر وجلسنا فى ظل شجرة من أشجار جوز الهند . وبينما نحن كذلك إذ أقبل علينا رجل أعمى يقوده غلام . فلما استوى جالسا إلى جوارنا جعل يحدث نفسه بمثل هذا الكلام :

- أى شئ يمكن أن يكون نور الشمس هذا الذى يتحدثون عنه ؟ إنه لا يمكن ان يكون سائلا ، وإلا لأمكن صبه من  إناء إلى إناءآخر ! وهو لا يمكن أن يكون نارا ، إذ لو كان كذلك لأطفأه الماء ! ثم هو لا يمكن أن يكون روحا ، لأنه ليس خفيا . ولا يمكن أن يكون مادة لأن المادة يستطيع الإنسان أن ينقلها من مكان إلى مكان ! ومادام نور الشمس ليس سائلا ولا نارا ولا روحا ولا مادة ، فالنتيجة المنطقية المعقولة أنه : لا شئ !

وقد عرفنا بعدئذ من الغلام أن هذا الرجل إنما فقد بصره من كثرة ما حدق فى الشمس وهو يحاول ان يدرك كنتها ويقف على حقيقة سرها ويعرف كيف ينبعث الضوء عنها . فلما اعياه هذا البحث كان وهج الشمس قد خطاف بصره . وتركه أعمى بتخبط فى ظلام أبدى ويعرف بمثل هذا الكلام الذى يدل على ذهاب عقله مع ذهاب بصره ( ١ )

وبينما كان الرجل يناجى نفسه بتلك الخواطر . كان الغلام قد إلتقط جوزة من على الأرض ، وأخذ يصنع منها سراجا . فبدا بتقشير الجوزة . ثم أخذ قطعة من ليفها ففتل منها فتيلا . ثم اعتصر من الجوزة دهنا وضعه في القشرة . فأدلي الفتيلة فى الدهن . فكان له من كل ذلك سراج يضئ له فى الظلام .

وعاد الأعمى إلى مناجاته فقال وكأنه يخاطب غلامه : - ألم اكن على حق حينما قلت إنه لا وجود للشمس ؟

الست ترى هذا الظلام الدامس الذى يكتفنا ؟ ومع وضوح هذه الحقيقة كل هذا الوضوح لا يزال يقول بعض الواهمين إن الشمس موجودة ؟ فهب أنهم صدقوا فيما يزعمون ، فليدلونا ما هى هذه الشمس ؟

فتنهد الغلام قائلا : - أما أنا فلا أعرف ما هى الشمس . ولا ما سرها . ولا يعنينى ان ابحث فى شئ من ذلك ، فليست لى فيه مصلحة . ولكن أعرف ماهو النور . وها أنا قد صنعت لنفسي نورا سأستطيع ، أن اقضيى حاجاتى إذا ما حل الظلام . وتناول الغلام القشرة فى يده ورفعها قائلا : هذه شمس

قال الصينى : وكان يجلس معنا في ظل الشجرة رجل أعرج يعبث بعكازته ، وهو يتابع بإهتمام ظاهر ذلك الحوار الذي كان يدور بين الرجل وغلامه . فما إن سمع كلمات الغلام الأخيرة حتى هب من مكانه منفصلا وهو يقول :

- يبدو لى أنك ولدت أعمى أنت الآخر . أتقول عن سراجك الخابى هذا إنه هو الشمس ؟ إن الشمس الحقيقية هى تلك الكرة النارية التى تخرج من البحر كل صباح . ثم ترتفع فى السماء حتى تتوسط كبدها . ثم تعود فتهبط حتى تتوارى بين جبال جزيرتنا هذه . وكل الناس هنا يعرفون ذلك ويؤمنون به لأنهم رأوه بأعينهم وهم لا يزالون يرونه كل يوم

وما كاد ينتهى صاحبنا من حديثه حتى انبرى له سماك ممن يقضون نهارهم فى زوارق الصيد فى البحر . فقال له :

- يظهر لى أنك لم تمد بصرك قط إلى ما وراء جزيرتك . ولو انك طفت البحار فى زورق الصيد كما افعل أنا كل يوم لعرفت أن الشمس كما تشرق من البحر كل صباح فإنها كذلك تغرب فى البحر كل مساء . هذا هو الحق لأنى أعلم عن الشمس أكثر مما تعلم !

وكان فى الجماعة هندى من عبدة الشمس فقال : - ما أعجب أن يسمع الإنسان مثل هذا الهراء كيف يمكن لكرة من النار أن تخرج من الماء أو أن تغيب فيها مع أن المعروف عند الناس جميعا الماء يطفئ النار . إن الشمس ليست كرة من النار . إنما هى إله نعرفه نحنن فى بلادنا واسمه (ريفا ) وهو ما ينفك يركب عجلته وبدور بها حول جبل ) فيدو ( الذهبى فيهجم عليه الحيتان المشئومتان ) راكو وكيتو ( وتبتلعانه . وعند ذلك يعم الأرض الظلام . ولكن كهنتنا لا ينفكون بدورهم يصلون ويضرعون حتى يخرج ( ريفا ) إلى الافق من جديد إنه  لا يظن ان الشمس تضيئ جزيرته وحدها إلا من كان غبيا مثلك ولم يبرح جزيرته قط . .

وأراد أن يسترسل الهندى فى ثثرته هذه لولا أن قاطعه ربان سفينة مصرية بقوله :

- إنك مخطئ أيضا أيها الجار العزيز . فإن الشمس ليست إلاها . ولا هى تدور حول الهند وحدها أو حول جبلها الذهى . فقد طوفت أنا فى البحار وفى مختلف الديار . ودخلت البحر الأسود ، ومررت بسواحل جزيرة العرب ووصلت إلى مدغشقر وإلى جزائر القيلبين . وكنت فى كل مكان من هذه الاماكن المترامية ارى الشمس تشرق وتغرب ، إن الحقيقة لا تتجلى إلا لمثلى ممن جابوا الامصار وركبوا البحار

قال الصينى : وهنا تدخل بحار انجليزى من بحارة سفينتنا فقال :

- أيها السادة . إنما العلم فى هذه الشئون على الإنجليز . فالشمس لامشرق لها ولا مغرب ، لأنها تدور دائما حول الأرض . ولقد طفنا بسفينتنا هذه حول الأرض فلم تصطدم بالشمس فى مكان ما ، ولكنا وجدناها حينها نزلنا نشرق فى الصباح وتغرب فى الماء

ولما رأى صاحبنا ان الناس من حوله فتحوا افواههم

من الدهشة لهذا الذى يقول ، اخذ عصا وراح يرسم على الرمل دوائر وأشكالا يحاول بها توضيح حركات الشمس . ولكن علم ذلك استعصى عليه ، فتخلص من مأزقه بلباقة وقال مشيرا إلى ربان السفينة :

- إنى أترك شرح هذه المسائل إلى هذا السيد . فهو أعلم بها منى )

وكان ربان السفينة رجلا عربيا حصينا . وكان يستمع إلى كلام القوم وهو ينظر إليهم فى ابتسامة ساخرة دون أن يلبس بين شفقة ، وغليونه فى فمه ينفث منه الدخان نفثة من بعد نفثة فى هدرء واطمئنان . فلما طلب إليه الكلام انجهت إليه أنظار القوم فبدأ يقول :

- يؤسفنى أن أقول إن الحقيقة غابت عنكم جميعا . فان الشمس لا تدور حول الأرض . وامثال هذه الحقائق العليا لا يصح أن يعتمد فيها الإنسان على نظره . فكم للنظر من خداع ! إنما الحقيقة عكس ما نرى ، فإن الأرض هى التى ندور حول الشمس مرة فى كل سنة . وتدور حول نفسها مرة فى كل يوم . فهي تتقلب تحت ضوء الشمس الذى يتعاقب تباعا على بلداننا واحدا بعد واحد . ومن ذلك ترون ان الشمس لا ترسل ضوءها على جبل واحد ولا على جزيرة واحدة ولا على بحر واحد . بل ولا على كوكب واحد . وإنما يستضيء بنورها جميع الكوا كب على السواء . فلو أنكم نظرتم إلى السماء لا تسع افق تفكيركم وبصركم ، ولأدركتم كل هذه الحقائق . ولما زعمتم بعد ذلك أن الشمس تضئ لكم وحدكم أو لدينتكم دون غيرها !

قال الصبي الكونغشيومى : - فهذا الذي قيل فى الشمس يا إخواني يصح أن نقوله أيضا فى الدين . إن خلافات الناس فى أمور الدين مردها أن كل واحد يريد إلها خاصا لنفسه أو على الأقل

إلها خاصا لأمته . وكل أمة تريد أن تنحصر فى معابدها ذلك الإله ليكون لها الفضل على سائر الأمم

إن الله للجميع . . وهو لم يفضل أحدا على أحد إلا بالتقوى وعمل الخير ، وما قيمة هذه المعابد التى يتخذها الناس فى أقطار الأرض المختلفة بالقياس إلى العالم - ذلك المعبد الضخم - الذى خلقه الله ليجعل الناس فيه أمة واحدة ، ولتكون لهم  فيه ديانة واحدة هى الديانة الإنسانية ؟ أى معبد من معابد الناس له حوض كحوض الأفيانوس ،

أو قبو كقبو السموات . وأين تلك المصابيح الباهتة التى تضيء المعابد الإنسانية من زينة الكواكب والشمس والقمر ؟ واين تلك الآصنام الجامدة التى تزين المعابد الإنسانية من هؤلاء البشر الأحياء الذين ينتشرون على ظهر الأرض تثمر قلوبهم المحبة والتعاون ؟

إن الإنسان كلما سما فى فهم الله ازداد به علما . وكلما

ازداد به علما ازداد منه قربا . وإنما يكون التقرب إلى الله بالإحسان والعطف والحب ؟

فليكف إذا ذلك الذي يري نور الشمس يغمر العالم ، عن احتقار ذلك الخامل الذي ابهره ذلك النور فاتخذ لنفسه مشكاة وقال : هذه شمس ! وليكف حتى من ازدراء الكافر ، لأنه أعمى وليس فى وسعه أن يرى نور الشمس ) 1 ( .

هكذا كان حديث تابع كونغوشيومى . فصمت كل من كان فى المقهي بعد سماع حديثه . ولم يعد واحد منهم يدعى ان ديانته أفضل من ديانة غيره . وكذلك يؤتى الله الحكمة من يشاء من عباده . والله واسع حكيم .

اشترك في نشرتنا البريدية